دور العقل في الإيمان بالله تعالى


الحقائق:
. منح الله الإنسان نعمة العقل                                               
. وظيفة العقل التأمل والتفكير
. دعا الإسلام إلى النظر والتدبر والتفكير

      ولكون العقيدة الإسلامية توقيفية فهي عقيدة واضحة لا غموض فيها ولا تعقيد، فهي تتلخص في أن لهذه المخلوقات إلها واحدا مستحقا للعبادة هو الله تعالى الذي خلق الكون البديع المنسق وقدر كل شيء فيه تقديرا، وأنَّ هذا الإله ليس له شريك ولا شبيه ولا صاحبة ولا ولد. فهذا الوضوح يناسب العقل السليم لأنَّ العقل دائما يطلب الترابط والوحدة عند التنوع والكثرة، ويريد أن يرجع الأشياء المختلفة إلى سبب واحد. وكما أن العقيدة الإسلامية واضحة فهي كذلك لا تدعو إلى الإتباع الأعمى بل على العكس فإنها تدعو إلى التبصر والتعقل قال تعالى:(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف:108. ولأنَّ العقيدة مما تحار العقول المجردة فيها ولا تصل إلى إدراكها إلا من طريق الشارع الحكيم، فقد رجع كثير من الفلاسفة وأهل الكلام من المسلمين. عن مناهجهم العقلية المجردة إلى منهج الكتاب والسنة.
2- الثبات:
      من سمات العقيدة الإسلامية الثبات، لأنّها حقائق ثابتة كاملة من عند الله سبحانه وتعالى، فلا نقص فيها ولا أخطاء، فلا تحتاج إلى إتمام أو تعديل أو تصويب، وهي محفوظة بحفظ الله تعالى بقوله:)إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) سورة الحجر:9. وثبات العقيدة ناتج عن أنها منزلة من عند الله، وقد انقطع الوحي بالتحاق رسول الله ص بالرفيق الأعلى من الجنة، وبقيت النصوص ثابتة إلى يوم الدين لا ينسخها ناسخ ولا يبدلها كافر. والعقيدة الإسلامية ثابتة بثبات مصدرها، وثبات مبادئها وثبات غايتها، قـال تعالى:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَل ْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلمون). سـورة الروم: 30 ، وقال تعالى:(لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه) الأنعام:115، وثبات العقيدة لكونها من عند الله، ولقد انقطـع الوحي بالتحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وبقيت نصوص الدين ثابتة إلى يوم الدين، وإذا كان الإنسان يتحرك ويتطور وينمو، وتتبدل حاجاته ومتطلباته وتتغير، فـإنّ ذلك يكون داخل إطار العقيدة الثابتة التي تتسع لحركة الإنسان وتطوره، وهـذا الثبات لا يعني تجمد النشاط الإنساني، وإنّما يعني الالتزام بمقاييس ثابتة يعـرف بموجبها الحق من الباطل والخير مـن الشر وفي نطاق حقائق الإسلام الثابتة.
       ولا بد من شيء ثابت يرجع الناس إليه، حتى يطمأنوا ويستريحوا ويكون عندهم مقياس يعرفون طول الأشياء وعرضها ووزنها، أما الذين يقولون بأن كل شيء متطور في الحياة حتى الدين والأخلاق والنظم، فهذا يؤدي إلى فوضى كبيرة، فلا نعرف الحكم على أي شيء، ولأضرب مثلا: الزنا مثلا ثابتة حرمته وبشاعته في الديانات التي نزلت من عند الله، فلا يختلف في هذه القضية اثنان. فإذا كان المقياس الذي حكمنا به على الزنا أنه قبيح ثابت، فإن الزنا يبقى بشعا، ويستقر في ذهن الأجيال أن هذا الحكم ثابت لا يتغير، فتتربي قلوبهم على كراهية الزنا واحتقاره.
      وثبات العقيدة الربانية يجعل الناس جميعا تحت ظل الدستور والحكم، وليس هنالك حاكم فوق القانون، ومحكوم تحت القانون، أو نظام يسري على الحاكم، ونظام آخر يسري على المحكوم. فالله سبحانه وتعالى هو الذي(لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)الأنبياء:23. فلا يستطيع الحاكم في الدين الرباني أن يدعي أن الظروف طارئة، ولا أن يقول بأحكام عسكرية يوقف بها تطبيق شرع الله، وتحت هذه الأسماء ووراء هذه الشعارات تسفك الدماء، وتداس الكرامة، وتنتهك الحرمة، وهذا هو شأن جميع الأنظمة الوضعية الأرضية، أو بتعبير أدق الأديان الأرضية التي اخترعها البشر من عند أنفسهم، وأبرز ما تكون هذه الظاهرة في الأنظمة العسكرية والانقلابات الثورية، ففي كل انقلاب قانون جديد، وفي كل مرة تنصب المشانق وتعلق على أعواد في الأسواق، ودعك عن التحقيقات مع النساء في الظلام، والناس الذين يدفنون أحياء أو يوضعون في براميل النيتريك، حتى يذوبوا ثم يطالب أهلهم بهم لأنهم فروا من السجن!! وفي كل مرة يغير فيها النظام تفقد البلد أعز أبنائها، وأقدر كفاءاتها، وأعلى طاقاتها، وأثمن ما لديها وهم العينات من الشباب والمفكرين والقادة وغيرهم.
     وثبات العقيدة يعني أنَّه ليس لحاكم أو مجمع من المجامع العلمية أو مؤتمر من المؤتمرات الدينية ليس لأولئك جميعا ولا لغيرهم أن يضيفوا إليها شيئا أو يحذفوا منها شيئا، وكل إضافة أو تحوير مردود على صاحبه، بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".أخرجه مسلم في صحيحه. وقوله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"( )، أي مردود عليه عمله. وقد هدد القرآن الكريم العلماء خاصة من أن تميل بهم الأهواء والأطماع أو الإغراءات المادية فيزيدوا أو ينقصوا شيئا من الدين، قال الله تعالى:(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) البقرة:79، وعلى هذا فكل البدع والأساطير والخرافات التي دست في بعض كتب المسلمين أو أشيعت بين عامتهم باطلة مردودة لا يقرها القرآن ولا تؤخذ حجة عليه. وإنما الحجة فيما ثبت من نصوصه فقط. كما قال الله تعالى:(رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء:165.  3- الشمول:
إنَّ العقيدة الإسلامية شاملة فيما تقوم عليه من أركان الإيمان وقواعده وما يتفرع عن ذلك، وشاملة في نظرتها للوجود كله، فهي تعرفنا على الله تعالى، والكون والحياة والإنسان معرفة صحيحة شاملة، مما جعلها منفردة عن كل العقائد والمبادىء التي عرفتها البشرية، فهي عقيدة شاملة لجميع شئون الحياة الدنيا والآخرة، وشاملة لمتطلبات الجسد ومتطلبات الروح.
4- الواقعية:
نعني بالواقعية مراعاة العقيدة الإسلامية لظروف الإنسان وفطرته، وطبيعة تكوينه، وواقع حياته لأن الإسلام لا يغفل طبيعة الإنسان وتفاوت الناس في مدى استعدادهم لبلوغ المستوى الرفيع الذي يرسمه لهم. إنَّ العقيدة الإسلامية ليست غريبة عن الفطرة السليمة ولا مناقضة لها، بل هي على وفاق تام وانسجام كامل معها، وليس هذا بالأمر الغريب إذ إن خالق الإنسان العليم بحاله هو الذي شرع له من الدين ما يناسب فطرته التي خلقه عليها، كما قال تعالى:(فطرة الله التي فطر الناس عليه لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) وقوله:(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك:1. 
      والواقع شاهد على موافقة الفطرة للعقيدة الإسلامية القائمة على الإخلاص لله وحده، فما أن يصاب الإنسان بضر تعجز أمامه القوى المادية إلا ويلجأ إلى الله تعالى في تذلل وخضوع، ويستوي في ذلك الكافر والمؤمن، بل حتى الطفل الصغير فإنّه لو ترك على حاله دون أن يؤثر عليه والداه أو البيئة من حوله لنشأ معتقدا بالله تعالى ربا وإلها لا يعبد سواه لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه".( )
     ولذلك كانت الواقعية في جميع الأمور، في العبادات والأخلاق والتشريع، أما العبادات فتمثلت في قلة التكاليف مراعاة لظروف الإنسان وكثرة أعباء الحياة حيث كُلف بعبادات لا تستغرق إلاّ جزءاً يسيراً من وقته كالصلاة والصوم والحج وغيرها. كما تنوعت هذه العبادات حتى لا تمل النفس البشرية، فكانت العبادات البدنية كالصلاة والصيام، وأخرى مالية كالزكاة والصدقات، وثالثة جامعة بينهما كالحج والعمرة. وكذلك راعت العقيدة الإسلامية الظروف الاستثنائية للإنسان، مثل المرض والسفر التي تمنعه من أداء العبادة في صورة متكاملة، فأجازت له قصر الصلاة وجمعها والتيمم والإفطار في رمضان وغيرها من الرخص.
      كما أنَّ العقيدة الإسلامية واقعية في الأخلاق حيث دعت إلى صفات النبل والخير فهي ليست فوق طاقة البشر، وإنما في مقدورهم كالصبر على المكاره، والعفة عن الحرام، والصدق في القول…الخ.
      وأمَّا واقعيتها فـي التشريع فتتمثل في اعترافها بالواقع البشري للإنسان على حقيقته، فهـي لا تكبت الشهوة الإنسانية ما دام أنها فـي حدود؛ لأنهـا أمر طبيعي في حياة الإنسان، فأباحت الزواج، ونهت عن الرهبنة، وهذه الخاصية ميَّزت العقيدة الإسلامية عن غيرها من المذاهب والأفكار المادية الأخرى.

5-التكامل:
       تتميز العقيدة الإسلامية بالتكامل والترابط، فتتجمع فيها كل الأجزاء وتترابط ترابطاً دقيقاً لا يقبل التجزئة والانفصام، فأركان الإيمان كلها مترابطة ارتباطاً وثيقاً يكمل كل منها الآخر ويرتبط به، بحيث لو حصل إخلال بواحد منها أو إنكار له، كان تأثيره على سائرها واضحاً، بل إنَّ هذه الأركان تتجمع حول الركن الرئيسي، وهو الإيمان بالله تعالى وتأتي النصوص القرآنية لتؤكد على الارتباط بين الإيمان بالله تعالى والإيمان بالملائكة، وتقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر، وتجعل الإيمـان بالرسـل لا يتجزأ، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعاً، بل قد كفر بالله تعالى.
      ومن صور الترابط في العقيدة الصلة بين الإيمان من جهة وبين العبادات والمعاملات وسائر الأحكام الشرعية العملية والأخلاقية من جهة أخرى، حيث تمتزج الأحكام التشريعية بالأحكام الأخلاقية النابعة من الإيمان بالله تعالى وخشيته وتقواه. وهنا يظهر تكامل الإيمان والعمل، فهما جانبان لشيء واحد يكمل بعضهما بعضاً.
6- التوازن:
        لقد أقامت العقيدة الإسلامية توازناً رائعاً بين مكونات النفس والكون والحياة، فقد وازنت بين المادة والروح، وبين الدين والدنيا، وبين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وبين المطالب الفردية والنزعات الاجتماعية، وبين حب النفس وحب الآخرين والعمل لهم، وقد ترتب على ذلك خلو العقيدة من الخصام والتناحر الموجود في العقائد الأخرى التي وضعها البشر، ثمَّ قبول الأفراد لها والتزامهم بها في الحياة. وهذه الخاصية تميز الإسلام أيضاً عن سائر الأديان والمذاهب الأخرى التي تعني بجانب على حساب الجوانب الأخرى، حيث تعني بجانب المادة وتهمل الروح، أو تعني بالفرد وتهمل مصلحة الجماعة، وتقوم مذاهب أخرى لتُعلى من شأن الروح على حساب القيم الأخرى، أو لتغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد الذي تعتبره كماً مهملاً لا قيمة له بمفرده.( )
7- سلامتها من الاضطراب والتناقض واللبس:
      إنَّ العـقيدة الإسلامية الصافية لا اضطراب فيها ولا التباس، وذلك لاعتمادها على الوحي، وقوة صلة أتباعها بالله تعالى، وتحقيق العبودية له وحده، والتوكل عليه وحده، وقوة يقينهم بما معهم من الحق، وسلامتهم من الحيرة في الدين، ومن القلق والشك والشبهات، بخلاف أهل البدع فلا تخلو أهدافهم من عـلة من هذه العلل. وأصدق مثال على ذلك ما حصل لكثير من أئمة علم الكلام والفلسفة والتصوف، من اضطراب وتقلب وندم، بسبب ما حصل بينهم من مجانبة عقيدة السلف، ورجوع كثير منهم إلى التسليم، وتقرير ما يعتقده السلف، خاصة عند التقدم في السن، أو عند الموت. كما حصل للإمام أبي الحسن الأشعري، حيث رجع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في "الإبانة" بعد الاعتزال ثم التلفيق.( )
آثار العقيدة الإسلامية في النفس والمجتمع:
      تؤثِّر العقيدة الإسلامية في حياة الفرد وفي واقع المجتمع تأثيرا واضحاً، ونحن إذا تتبعنا هذه الآثار بالبحث والدراسة، فلن نستطيع أن نوفيها حقها، وإنَّما نكتفي بذكر بعضها على النحو التالي:-
أولاً: آثار العقيدة في النفس:
1 - تربية النفس وتوجيهها نحو المثل العليا: وهذا الأثر هو نتيجة المعرفة بأصول هذه العقيدة وأركانها، فالمعرفة بالله تعالى من شأنها أن تربي في النفس ملكة المراقبة لله سبحانه وتعالى وإخلاص العبودية له، والتحرر من كل ولاء لغيره، ولعل فاتحة الكتاب التي نرددها في صلواتنا كل يوم، تأكيد لهذا المعنى:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) الفاتحة:5 ، فعبودية الإنسان لربه تحرِّره من عبوديته للعباد، وعبوديته للدنيا بما فيها من ترغيب وترهيب، والمعرفة بالملائكة تدعو إلى التشبه بطاعتهم لله، والتعاون على الحق والخير والوعي الكامل واليقظة التامة، فلا يصدر من الإنسان إلا ما هو خير ولا يتصرف إلا لهدف أسمى، وكذلك الحال في كل ركن من أركان العقيدة، بل في كل جزئية من كل ركن.
2- إحياء القلب وطمأنينة النفس: وهو من أهم الآثار، يقول الله تعالى:(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام:122. فهذا المثل يضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً في الضلالة، هالكاً، حائراً، فأحيا الله قلبه بالإيمان، وهداه، ووفقه لإتباع رسله.
       فالعقيدة تملأ نفس المؤمن طمأنينة وسكينة، حتى إذا اطمأن قلبه، وسكنت نفسه، شعر براحة البال، فلا يتسرب إليه جزع، ولا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً. قال الله تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد:28، ومن هذا المنطلق يرضى المؤمن بقضاء الله وقدره، فلا يجزع إن مسه الشر، ولا يمنع إن مسه الخير، ولا يندم على ما فات. لأنه يعلم أنه لا راد لقضاء الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى:(لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد:23. ويقول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم:"عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".( )
والمسلم الذي استقرت العقيدة في أعماقه لا يقلق لأسباب منها:-
1- عدم وجود أسئلة في الكون تحيِّره: فهو يعلم أن الله واحد، وأن هذا الكون كله من خلق الله عز وجل،قال تعالى:(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) الأنعام:102، وهو يعلم أن الإنسان قبضة من طين ونفخة من روح،خلقه رب العالمين بيديه، وبدأ رحلته من الجنة ونزل إلى الأرض،وأن له طريقا مستقيما توصله إلى منازله الأولى، وهذه الأسئلة التي حيرت الفلاسفة والمفكرين أخبره عنها ربه، فأراحه وطمأنه من مصدر موثوق صادق يجيب له عن جميع استفساراته.
2- إنه يعلم أن هذه الدنيا ليست النهاية، والجزاء ليس في هذه الأرض قال تعالى:(وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) النجم:39-41، فما فاته في الدنيا سيعوض عليه في الآخرة، والحياة الدنيا بالنسبة للآخرة كساعة من نهار. قال تعالى:(أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) التوبة:38. وهذا كله يسكب الطمأنينة في قلبه، والسعادة في أعماقه، وهذا يجعله يترفع على الصغائر وسفاسف القول والعمل، ويهتم بما عظم من الأمور.
        وهذا يربِّي عنده التضحية والبذل، حتى أنه ليبذل روحه في سبيل الله طمعا فيما هو أكبر من النفس والأرض وهو الجنة، ولعلك تذكر معي ما قاله خالد بن الوليد رضي الله عنه لملك الروم:(جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة). وهذه التربية الإسلامية العالمية هي التي جعلت المرأة من بني عبد الدار عندما أخبرت باستشهاد زوجها وأخيها وأبيها تقول:ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟فقالوا:هو بخير..قالت:(كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل) أي هينة.
      وهذه العقيدة هي التي ربَّت أمينة قطب-الكاتبة الإسلامية المعاصرة شقيقة المرحوم الأستاذ سيد قطب، هذه المرأة التي تقدم لخطبتها أمير فرفضت، وتقدم سفير فأبت، وآثرت أن تخطب أحد المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة سنة 1963م، وانتظرته عشر سنوات-أطول خطبة في التاريخ كما نظن-وفي عام 1973م خرج زوجها من السجن وتزوَّجت.
3- أنه مطمئن، لأنَّه يعلم أنَّ الرزق محدود، والأجل مقدر:(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) آل عمران:145، (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) الذرايات:22.     والاطمئنان إلى أنَّ كل شيء فيه هذا الكون بقدر، وأنَّ الله عز وجل وراء كل حدث، وفوق كل نفس وهو(فعال لما يريد، وغالب على أمره، ولا معقب لحكمه، وإليه يرجع الأمر كله، ولله خزائن السموات والأرض، يعز من يشاء ويذل يشاء). وهذا الاعتقاد يجعل الإنسان أعز من على الأرض.(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) المنافقون:8،(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) فاطر:10. وهذا الاعتقاد هو الذي أخرج أمثال ابن تيمية الذي تحدى حكام زمنه-الذين زجوا به في سجن القلعة- قائلا:(ماذا تصنعون بي؟ إنَّ قتلي شهادة، وإنَّ سجني خلوة، وإنَّ نفيي سياحة).
     ولهذه العقيدة أبناء بررة في كل زمان، فالشيخ العز بن عبد السلام يردُّ على رسول الملك الصالح إسماعيل الذي رجاه أن يعتذر للسلطان ويقبل يده حتى يعيد إليه مناصب القضاء فيقول:"والله لو قبل يدي ما قبلت، يا قوم أنتم في واد ونحن في واد الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به".

      وفي هذا العصر الأستاذ سيد قطب الذي كانت تعرض عليه مناصب الدنيا من وراء القضبان، ولكنه آثر الزنزانة على البريق الخادع واللألاء الكاذب وكان يقول:(إنَّ أصبع السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لترفض أن تكتب حرفا واحدا تقر به طاغية).وكان يقول:"لماذا أسترحم؟ إن كنت محكوما بحق فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنت محكوما  بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل".((

الإيمان بالله تعالى
الايمان بالله تعالى وادلة وجوده
بحث عن الايمان بالله
ثمرات الإيمان بالله
تعريف الايمان بالله لغة واصطلاحا
الأيمان
الايمان بالله للاطفال
الإيمان بالله وأثره في الحياة
كيفية الايمان بالله
أحدث أقدم