الاثنين، 3 أبريل، 2017

هوية الدولة الحديثة (في ظل العولمة)

تجليات إشكالية هوية الدولة الحديثة (في زمن العولمة)
 مستقبل الدولة-الأمة

    منذ تسعينيات القرن المنصرم (العشرين) شهد العالم فيضاً من الكتابات عن العولمة،التي أصبحت بفضل ذلك الاهتمام الواسع موضوعا ذات أهمية لجميع الدراسات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، ومع ذلك يبدو من الصعوبة بمكان طرح تعريف جامع ومانع لهذه الظاهرة المركبة([1]).إن ما يعنينا هنا هو مدى تأثير العولمة في الدولة-القومية، والهوية وكما يقول (علي حرب)، فإن ثنائية الهوية والعولمة، قد غدت بؤرة السؤال ومدار السجال، سواء في الأوساط الفكرية أو في الدوائر السياسية في العالم([2]) وإذاً فقد أصبح مصير الدولة-الأمة والهوية الوطنية والثقافية من أهم المسائل والقضايا المطروحة في ظل العولمة والتغييرات العالمية الكبرى في يومنا هذا. هناك آراء مختلفة حول هذه القضايا، تتراوح ما بين أقصى التشاؤم وما بين أقصى التفاؤل في الرؤية والنظر لدور وتأثير العولمة في الهويات والدول في عالمنا المعاصر والمستقبل. وهناك من المتشائمين من يصف العولمة بالهيمنة والأمركة والغزو الثقافي في العالم، كما يقول بهذا الصدد (محمد عابد الجابري)، بأن العولمة ليست مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي، بل هي أيضاً، وبالدرجة الأولى، أيديولوجية تعكس إرادة الهيمنة على العالم. ويميز (الجابري) بين العولمة كظاهرة سلبية والعالمية كظاهرة إيجابية ويقول "العولمة شيء والعالمية شيء آخر، العالمية تفتح على العالم، على الثقافات الأخرى والاحتفاظ بالخلاف الأيديولوجي، أما العولمة فهي نفي للآخر وإحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الأيديولوجي"([3])، ويقول أيضاً إنه "نظام يعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى، ويدفع إلى التفتيت والتشتت، ليربط الناس بعالم اللا وطن و اللا أمة و اللا دولة، أو يغرقهم في أتون الحرب الأهلية"([4]). ويشير باحث آخر إلى أنّ العولمة في بعدها الثقافي تعني صهر ثقافات الشعوب والمجتمعات في بوتقة واحدة من خلال اختراقها توخياً بهدف خلق بيئة ثقافية ملائمة لفرض نوع آخر من أنواع السيطرة والاستعمار ألا وهو فرض الثقافة الغربية الأمريكية على دول العالم"([5]). ويشير (عبد الإله بلقزيز) إلى تلازم معنى العولمة (Mondialisation) في مضمار الإنتاج، والتبادل: المادي والرمزي مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى المجال الكوني حيث إن في جوف المفهوم تعيين مكاني وزماني (الفضاء العالمي برمته- وحقبة مابعد الدولة القومية): الدولة التي أنجبها العصر الحديث إطاراً كيانياً لصناعة أهم وقائع التقدم الاقتصادي والصناعي والثقافي([6]). ويقول (بلقزيز) "ليس صحيحاً أن العولمة الثقافية هي الانتقال من حقبة زمن ظاهرة الثقافات الوطنية والقومية إلى ثقافة عليا جديدة هي الثقافة العالمية أو الثقافة الكونية على نحو ما يدعي مسوقو فكرة العولمة الثقافية، بل إنها –بالتعريف- فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات، إنها رديف الاختراق الذي يجري بالعنف –المسلح بالتقانة- فيهدد سيادة الثقافة في سائر المجتمعات التي تبلغها عمليات العولمة. ليست العولمة في مفهومنا –سوى السيطرة الثقافية الغربية على سائر الثقافات بواسطة استثمار مكتسبات العلوم والتقانة في ميدان الاتصال، وهي التتويج التاريخي لتجربة مديدة من السيطرة بدأت منذ انطلاق عمليات الغزو الاستعماري منذ قرون، ويمكن أن نعبر عن هذه السيطرة الثقافية بعبارة الأمركة (Americanization) والعولمة هي الاسم الحركي لها. وليست الأمركة أسطورة جديدة من أساطيرنا السياسية، ولا هي شماعة نعلق عليها إخفاقاتنا وعجزنا، بل هي حقيقة مادية تعيشها أوربا بنفسها، وتعتبرها خطراً استراتيجياً يهدد استقلالها الاقتصادي وهويتها الثقافية([7]).
    ولكن هناك وجهة نظر مخالفة ومعارضة لما سبق حول العولمة، فعلى سبيل المثال يقول (علي حرب)، بأن من المفارقات في هذا الخصوص أن أصحاب المشاريع الثقافية، من دعاة التحديث للتراث والتحرير للبشر أو التغيير للعالم، إنما يتعاملون مع حداثة العولمة، بفتوحاتها ومتغيراتها، على سبيل السلب والنفي بوصفها استباحة للقيم وغزواً للثقافة، أو فخاً للهويات وتسلطاً على الشعوب والمجتمعات، في حين أن الأمر، بحسب لغة الحدث ومنطق المفهوم، إنما يتعلق بوقائع أحداث، علمية وتقنية، تُحدث انقلاباً وجودياً يتجسد في إنتاج سلع من نوع جديد، ذات ماهية (أثيرية)*، افتراضية أو شبحية بأن يتوقف عليها الإنتاج المعرفي والمادي على السواء"([8]).وهكذا حسب رأي (علي حرب) نحن إزاء فتح كوني، يتغير معه سير العالم على ما كان يجري عليه حتى الآن، وهذا الانقلاب الكوني الخطير، الذي يجعل نظام المعلومة بمثابة نظام الأنظمة في التفكير والعمل والبناء في إدارة الكلمات والأشياء، إنما يغير قواعد اللعبة الوجودية، بقدر ما يبدل وجه الحياة ويخلق أشكالاً جديدة من الروابط بين البشر، ولذا فهو يخربط المعادلات ويخلخل سلم القيم، بقدر ما يعيد ترتيب الأدوار والأولويات، ذلك لأن المعلومة التي هي مبنى العولمة، والتي يدار بها الواقع من الآن فصاعداً، هي ذات طابع كوني، وهي ثانياً متاحة أمام الجميع لكي يساهموا في إنتاجها واستثمارها أو نقلها وتداولها، ولكونها كذلك فهي تخلق لأول مرة الإمكان في أن يتعامل الناس كوسطاء بعضهم لبعض، بدلاً من أن يكونوا أوصياء أو وكلاء بعضهم على بعض، ولعل هذا ما يثير فزع أو قلق المثقفين والدعاة الذين طالما تعاملوا مع أدوارهم بوصفهم النخبة أو الصفوة التي تمارس الوصاية على الهوية الثقافية أو على المعرفة والحقيقة، من هنا لا عجب أن تقف في مواجهة العولمة قوى ومذاهب متعارضة تقليدية و حداثية ودينية وعلمانية، كما يجري ذلك بشكل خاص في فرنسا وفي البلاد العربية، حيث تشن الحملات على العولمة تارةً باسم الهوية والثقافة وطوراً باسم الحرية والاستقلالية.ومن هذا المنطلق يحدد (علي حرب) مفهوم العولمة بأنها "جملة عمليات تاريخية متداخلة"، تتجسد في تحريك المعلومات والأفكار والأموال والأشياء، وحتى الأشخاص، بصورة لا سابق لها من السهولة والآنية والشمولية والديمومة، إنها قفزة حضارية تتمثل في تعميم المقاولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على نحو يجعل العالم واحداً أكثر من أي يوم مضى، من حيث كونه سوقاً للتبادل أو مجالاً للتداول أو أفقاً للتواصل([9]).
    وهنالك اتجاه ثالث، وهو وسط بين التفاؤل والتشاؤم، يرى العولمة كأية ظاهرة اجتماعية وتاريخية لها جوانب سلبية كما أن لها جوانب إيجابية، والأهم في قضية العولمة حسب هذا الاتجاه هو أنها عملية تاريخية جارية، أي أنها حتم معاش، وبالتالي فالقضية ليست قضية اختيار أيديولوجي أو سياسي في أن نقبلها أو نرفضها، بقدر ما هي قضية السؤال حول كيفية التعامل معها واستيعابها، فالرافضون للعولمة رفضاً مطلقاً، باسم حماية الخصوصية الثقافية والهوية مصيرهم الاندثار، والتاركون أنفسهم للموج يحملهم كيف شاء وأنّى شاء، مصيرهم الاندثار أيضاً. في هذه الحالة فقط، أي بالتعامل الواعي مع العولمة يمكن الحفاظ على الذات دون الغرق في المتغيرات أو العزلة عنها، ففي مثل هذه الحالة، تكون الذات مشاركة مع ذوات أخرى في بناء الثقافة العالمية المشتركة، ومهما كانت مشاركتها ضئيلة، فإنها أفضل من الاندثار المطلق على أية حال فالقضية هي أن نكون أو لا نكون والقضية الأهم هي أن نكون ويكون الآخرون، وليس بالضرورة أن نكون وحدنا على حساب الآخرين([10]).
    وانطلاقاً من هذه الرؤى المختلفة للعولمة، هنالك رؤى مصاحبة لها لمصير الدولة-الأمة والهوية القومية والثقافية في ظل العولمة ومستقبلها. يقول (انتوني غدنز) حول مصير الدولة-القومية في ظل العولمة، على الرغم من أن الأمم والدول القومية لم يكتمل تشكيلها في بعض المناطق في أفريقيا وبقاع أخرى من العالم، إلا أن بعض الدارسين يرون أننا نتيجة للعولمة نعيش بصورة متزايدة في عالم لا حدود فيه، بدأت معه الهويات الوطنية بالضعف، ويؤكد (غدنز)  أن من الصعب تقبل وجهة النظر هذه على علاتها([11]).و يقول (محمد الجابري) بأن العولمة عالم من دون دولة أو أمة أو وطن، إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية، عالم (الفاعلين وهم المسيرون)، وهم المستهلكون للسلع والصور والمعلومات، والحركات والسكنات التي تفرض عليهم. العولمة نظام يقفز على الدولة والأمة والوطن، نظام يريد رفع الحواجز والحدود، أمام الشبكات والشركات المتعددة الجنسية، وبالتالي إذابة الدولة الوطنية وجعل دورها يقتصر على القيام بدور الدركي لشبكات الهيمنة العالمية([12]).ويذهب رأي آخر إلى أن العولمة تضعف سيادة الدولة الوطنية في مجالات الاقتصاد والثقافة، وبالتالي تضعف الإطار المؤسساتي للهوية ولا تبقى أثراً ودوراً للقومية والأمة، وتبقى الدولة في المجالات الأخرى قوية مع بعض التغييرات في طبيعتها وتركيبتها، و يؤيد هذا الرأي (إريك هوبزبارم)، الذي يقول بأن النزعة القومية ليست منتشرة جداً في السياسات العالمية اليوم، أو أنها أقل وجوداً عما كانت عليه في زمن مضى، وأصبحت أقل أهمية تاريخياً، وأن التاريخ سيرى (دولة- أمة) والأمم أو الجماعات الإثنية اللغوية وهي تتراجع أمام إعادة تركيب العالم على أساس فوق-قومي، وتكون النزعة القومية موجودة في هذا التاريخ ولكن بشكل ثانوي، وغالباً ما ستعطي أدواراً صغيرة، ويضيف بأن الأمة والنزعة القومية ليست كافيين لوصف الكيانات السياسية ولا حتى المشاعر التي سبق ووصفت بهذه الكلمات، ناهيك عن تحليلها، وليس مستحيلاً أن تنهار النزعة القومية مع انحدار الدولة- الأمة التي بدونها سيكون وصف المرء انكليزياً أو ايرلندياً أو يهودياً، أو بخليط من كل هذا، مجرد طريقة يصف الناس بها هويتهم بين هويات عديدة أخرى، يستخدمونها لهذا الغرض حسبما يتطلبه الظرف ولكن مع ذلك سيكون من السخف الادعاء أن هذا اليوم قريب الآن([13]).ويقول (فرانسيس فوكوياما) دون أن ننفي سلطة القومية في قطاعات كثيرة في عالم ما بعد الحرب الباردة، فإن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها ذات ديمومة وقابلة للغلبة دائماً، ليس صحيحاً ويعبر عن رؤية قصيرة المدى، لأن القومية ظاهرة حديثة وعرضية.ويشير (فوكوياما) إلى أن القومية تلعب دوراً فعّالاً في المجتمعات والدول النامية، ولكن هذا ليس صحيحاً بالنسبة للدول المتقدمة وخاصة في غرب أوروبا وأمريكا، حيث يقول "بالنسبة للمجموعات القومية ذات الهويات الواضحة منذ زمن طويل، يبدو أن الأمة كمصدر تعريف (ثيموس) قد آلت إلى الزوال، إن شعوب أوروبا، بعد أن عانت التجربة المروعة للاعقلانية المرعبة الناجمة عن شكل الاعتراف القومي، انتهت إلى القبول بالاعتراف الشمولي والمساواتي كخيار قيم ومطلوب، ولقد نتج عن ذلك لدى الذين بقوا على قيد الحياة بعد الحربين، جهود حثيثة لمحو الحدود القومية وتحويل العواطف الشعبية عن التأكيد القومي للذات نحو النشاطات الاقتصادية""([14]).وينطلق اعتقاد (فوكوياما) في هذه المسألة (اضعاف النزعة القومية)  من أرضية فكرية مختلفة عن الآخرين، وهو أنه لا يعتبرها نتيجة للهيمنة والغزو الثقافي من طرف على الأطراف الأخرى، وإنما ينطلق من إيمانه بأن البشرية، ونتيجة لتجاربها وتطورها تسير نحو وحدة إنسانية عالمية متجاوزة الأطر الضيقة التقليدية للهويات والمصالح . و يعتقد البعض بأن العولمة قد تكون حلماً بعالم بلا حدود،وإذا كانت السياسة احد ابرز الأختصاصات للدولة القومية التي كانت إلى آجال طويلة اللاعب الأقوى على المسرح السياسي، فإنها اليوم و بفعل العولمة وتداعياتها تتعرض لمنافسة شديدة من لاعبين يزدادون عدداً وفعالية في المسرح الدولي "الشركات المتعددة الجنسيات، جماعات الضغط العالمية، وسائل الإعلام والاتصال، الرأي العام، المنظمات غير الحكومية، المؤسسات الدينية العالمية.."([15]). وحسب هذا الرأي فإن الدولة الوطنية القومية هي نقيض العولمة، والسياسة بطبيعتها كمجال للسلطة والدولة ستكون أكثر الأبعاد مقاومة للعولمة نظراً لارتباطها بالمجال الجغرافي والحدود الوطنية السيادية، الأمر الذي لا ينطبق بوضوح على عالم الاقتصاد والإعلام والثقافة، لذلك يمكن القول بأن قيام عالم بلا حدود سياسية لن يكون تلقائياً أو بسهولة أو سرعة قيام عالم بلا حدود اقتصادية أو ثقافية نفسها. إن الانتقال الحر للسلع والخدمات والأفكار والمعلومات عبر المجتمعات والقارات أدى بلا شك إلى تقليص مفهوم السيادة المطلقة،و ربما ساهم بتعميم الأنطباع بأن الدولة فقدت دورها وأهميتها، إلا أن هذا لن يؤدي على الأقل في المدى المنظور، كما يذهب بعض المتحمسين للعولمة، إلى وضع نهاية للدولة انسجاماً مع مقولة النهايات، حيث راح البعض يتحدث عن نهاية الجغرافيا ونهاية السياسة ونهاية السيادة الوطنية، وهي أطروحات تبالغ في حماسها إلى درجة تصور قيام الحكومة العالمية، التي تحل محل الدولة الوطنية، والتي ستدير العالم وكأنه سوق اقتصادي ووحدة ثقافية واجتماعية وسياسية واحدة([16]).
      إذاً هناك رأي معارض لآراء (فوكوياما) وأنصار الثقافة العالمية والهوية الإنسانية الواحدة، كما يقول (انتوني غدنز) بأنه ونتيجة للعولمة تؤدي إلى انبعاث الهويات المحلية في محاولة لتحقيق نوع من الأمان في عالم متسارع التغيير، وقد تناقصت القوة الاقتصادية التي تملكها الدولة القومية الصغيرة نتيجة لتوسع الأسواق العالمية، ولكننا حسب رأي (غدنز) نجانب الصواب إذا اعتقدنا أننا نشهد الآن نهاية الدولة القومية، والعكس هو صحيح في بعض الحالات، إن كل بلدان العالم تشكل دولة قومية أو تطمح إلى أن تصبح دولة قومية باعتبار أن ذلك يمثل المقياس الشامل لأشكال السلطة السياسية. و يجدر بنا أن نتذكر أن انهيار الاتحاد السوفياتي عام (1991) قد أدى إلى انفصال كل الدول التي كانت مدمجة فيها ودول أوربا الوسطى التي كانت تابعة لها، واستقلال جميع هذه الدول على شكل دول قومية منفصلة، وفي واقع الأمر فإن عدد الدول ذات السيادة في هذه الأيام قد تضاعف عما كان عليه قبل عشرين سنة([17]).ويشير (غدنز) أيضاً إلى أن الدولة ما زالت تحتفظ بإمكانياتها في التأثير في العالم، ومع ذلك فإن الدولة يعاد تشكيلها أمامنا كلّ يوم، فلم تعد السياسة الاقتصادية الوطنية بالكفاءة نفسها التي كانت عليها في الماضي والأهم من ذلك كله، إن على الدول الآن أن تعيد النظر في هويتها، إذ أن الدول في ظل العولمة تفقد بعض السلطة السياسية التي كانت لديها، ومن العواقب الأخرى للعولمة ردود الفعل والمطالبة بالاستقلال المحلي، وهناك من يصف الدولة في ظل العولمة بأنها لا تكون من الصغر بحيث تفقد الكفاءة لحل المشكلات الكبرى، وإنها أيضاً لا تكون من الكبر بحيث تفقد القدرة على حل المشكلات الصغيرة، إذ تشكل العولمة سبباً لإحياء الهوية المحلية في الكثير من أرجاء العالم([18]).و يعتقد (هنتنغتون) بأنه بعد انتهاء الحرب الباردة وفي التسعينيات شهد العالم هيجان أزمة الهوية، وقضايا الهوية هي بالطبع على نحو خاص و خاصة في الدول المنقسمة و\التي بها جماعات كبيرة من حضارات مختلفة، والمهم في التعامل مع أزمة الهوية، عند الشعوب هو الدم والعقيدة والإيمان والعائلة... والبشر يتقاربون مع أولئك الذين من نسب، ودين، ولغة وقيم ومؤسسات متشابهة، وينأون بأنفسهم عن أولئك المختلفين عنهم في الأمور السابقة، في عالم غزير جداً، الشعوب تسعى إلى البحث عن هوية وأمان، الشعوب تبحث عن الجذور والروابط حتى تدافع عن نفسها ضد المجهولين([19]).
      إذاً هناك من يعتقد بأن العولمة تؤدي إلى إعادة إبراز الهويات، الثقافات، الأديان، اللغات، كمظاهر انفجرت في ظل صعود العولمة، لأن هجوم رأس المال الحالي يوقظ الصراع الطبقي بين الدول الصناعية الكبرى ودول الثقافات الأخرى الفقيرة، كما أن هجوم العسكرتارية الأمريكية يوقظ الصراع الثقافي، بالبحث عن آليات تجديد الثقافات([20]).ويقول (علي حرب) مفسراً الوضع الراهن في ظل العولمة وما بعد الحداثة، بأن الإنسان يجد نفسه اليوم بين ثلاثة عوالم لكل منها هويته ومركز استقطابه، الأول هو العالم القديم بأصولياته الدينية وتصوراته اللاهوتية الغيبية أو الماورائية؛ الثاني هو العالم الحديث بفلسفاته العلمانية ورواياته العقلانية، أو بأيدلوجياته العالمية وتهويماته الإنسانوية؛ الثالث هو العالم الآخذ في التشكل الآن، أي عالم العولمة بفضائه السبراني ومجاله الإعلامي بإنسانه العددي ومواطنه الكوكبي([21]).و تؤلف هذه العوالم الثلاثة التي تتجاذب الوعي بالهوية المجتمعية والثقافية، ما يمكن تسميته ثالوث القدامة والحداثة وما بعد الحداثة، أو بصيغة أحدث ثالوث الأصولية والعالمية والعولمة، وفي المجال العربي الأحرى تسميته الأسلمة والأنسنة والعولمة. ولعله لا حاجة إلى التأكيد بأن العولمة كثورة تقنية، أنتجت تآكل الحدود بين الدول وتعميم التبادلات بين البشر على المستوى الكوني([22]).ومن تبعات العولمة حسب رأي (علي حرب)  التغييرات التي تطرأ على الهوية بالذات، ذلك أن التبادل الرقمي العابر للقارات والخارق لحدود الدول والمجتمعات يفسد علاقة المرء بهويته، بقدر ما يخلق المجال لنشوء روابط أو مجموعات سبرانية أو افتراضية إلى جانب العلاقات التقليدية القائمة على روابط اللغة والعرق أو الدين والأرض الأمر الذي يؤدي إلى نشوء هويات متعددة الانتماء هي الوجه الآخر للشركات المتعددة الجنسيات أو للأعمال القائمة على تعدد المهام والأدوار([23]).
    إنً مصير الدول القومية- أو الدولة الوطنية والهوية القومية يواجه في ظل العولمة، تكاثر الحركات الإقليمية في كل مكان بطريقة معبرة، فتترنح الأسس القومية للدولة وتتفكك الدول الاتحادية، وتخيم مخاطر الانفجار على عدد لا بأس به من الدول، فقد تبدلت الصورة الاثنوغرافية للعالم، والتوزيع المكاني للسكان بشكل كبير جداً خلال أربعة عقود، وازداد عدد الدول بجلاء في زمن تاريخي قصير نسبياً والحالة هذه ، لقد تأجج صعود القوى المبعدة عن المركز (الإقليمية الداعية للحكم الذاتي، الانفصالية، السيادية، التعاونية، الالحاقية، التقسيمية، الاندماجية) منذ فترة في مواجهة ضعف التماسك القومي وعدم استقرار الدول وتدفق الهجرات([24]). ويعتقد هؤلاء، بأن القرن الواحد والعشرين، من جهة، قرن تحطيم الدول- الأمم، وتحولها المؤسسي والبنيوي، وأقلمتها وأثننتها، والاعتراف بالتمايزات، بما فيها تلك الطائفية والفئوية،لقد كانت الدولة حتى عهد قريب، تمارس التمثيل القومي، أما اليوم فهي تمارس التطهير القومي، كانت في الأمس تبتلع، هي الآن تُقصي([25]). إن القرن الواحد والعشرين هو قرن الأقليات، لأن العولمة تترك على هامشها شعوباً وفئات اجتماعية تشدد أكثر فأكثر على خصوصيتها في مسعى منها لتأكيد هويتها، إن خارطة العالم ترتسم من جديد، إذاً نحن نشاهد عملية تفكيك وإعادة تركيب في سلسلة من الدول، ولكن ليس من دون أضرار جسيمة على السلام والاستقرار، فالكثير من الدول ترتعد فرائصها من فكرة رؤية بلادها تتمزق([26]).
    هكذا يوجد في الفكر السياسي المعاصر بصورة عامة رأيان متناقضان ومتعارضان حول مصير القومية والدولة القومية أو الدولة-الأمة، الأول يقول بأن القومية عاشت زمانها ولم يبقَ لها في المستقبل القريب أي مكان، وستحل محلها الأممية وما فوق القومية والعولمة والعالمية، بتأثير العولمة وما يترتب عليها، أما الثاني فيرى العكس تماماً من حيث إن القومية حافظت وتحافظ على أهميتها ودورها في العالم. في هذا الصدد يكتب (مايكل ليد) بأن القرن التاسع عشر كان عصر القومية وكذلك القرن العشرين وسيكون القرن الحادي والعشرين([27]). ويقول (فالح عبد الجبار) بأنه لعل أحداث الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا، وتعثر الوحدة في أوربا الغربية مواد إثارة جديدة لدراسة ظاهرة القومية من جديد([28])، وهذه علامة على أهمية الظاهرة.وهناك أيضاً هناك من يقول بأن الانبعاث العرقي يشهد تصاعداً في تسعينيات القرن العشرين ،و إن ما هو حاصل فعلياً هو أن الأمة قد وجدت لتبقى([29]). وهناك رأي يعتقد بأن الحديث عن نهاية الدولة-الأمة قد يقال في الغرب، ولكن هذا غير صحيح بالنسبة للعالم العربي([30]).
     ويشير (جورج لارين) إلى دور وتأثير الكوكبة وأطروحات نهاية الايدولوجيا وما بعد الحداثة على مفهوم وواقع الهوية، ويصف ما بعد الحداثة بأنها ظاهرة ثقافية تتجاوز كل أشكال التعبير الثقافي أو مبادئ فلسفية جديدة للتحليل الاجتماعي وهي نوع من التغييرات السياسية والاقتصادية في تطور النظام الرأسمالي ودخول أسلوب جديد من الخبرة في الزمان والمكان. وتمثل ما بعد الحداثة رد فعل على الحداثة و إخفاقاتها، إذ تؤكد الحداثة على التقدم المخطط أو المستقيم والتكنولوجيا والعلم الموضوعي والعقل، وتؤكد ما بعد الحداثة على النسبية والتجزئة والاختلاف والمغايرة، وعدم الدقة واليقين في الحقائق المطلقة وما بعد الأحاديث أو جملة الخطابات المطبقة عالمياً، وبشكل خاص تلك الخطابات التي تنادي بالتحرر الإنساني، والعالم بالنسبة لما بعد الحداثة لا يمكن تمثله في جملته وليس للتطور التاريخي معنى عام أو عالمي، والأفراد أنفسهم هم أيضاً متشرذمون متفرقون غير قادرين على أن يصمموا ذاتهم أو يصنعوها في الزمان، ويطرد الذي يهجر البحث عن أسس حقيقية كلية، متعاطف ومنطق الجزئية والخصوصية([31]). وهذه كلها إشارة إلى نهاية الايدولوجيا ونهاية الخطابات الشمولية والهويات الواسعة الكلية.
وحول التكوكب يقول (جورج لارين) بأنها ليست ظاهرة حديثة، ولكنها اشتدّ وأصبح أسرع في الأزمنة الحديثة وهي تؤدي إلى عدم اليقين والتفكك السريع للعلاقات، ويبدو أن التغير السريع مبرر فكرياً بأن الذات التابعة اجتماعيا يجب أن تفقد أيضاً معنى الاستمرار والهوية، هما صفات المجتمع التقليدي المستقر، وأن التغييرات التي فتتت معنى الهوية المتكاملة هي ا([32]):-
1)            تقدم أكثر وتغيير سريع وأشكال جديدة من التنظيم.
2)            عملية تسريع التكوكب اقتصادياً وانحدار الدولة القومية.
3)            التقارب الزماني والمكاني.
4)            الاعتماد المتبادل في السياسة والثقافة بشكل أكبر.
   ويؤدي التكوكب إلى أمرين متناقضين في وقت واحد، وهما التوجه نحو الخصوصية وإعادة انتباه إلى الاختلافات، والتجانس الثقافي على المستوى العالمي حيث ينخر التكوكب  الهويات القومية ويفتتها.
     ويمكن أن نلخص من هذه الآراء المختلفة حول مصير ومستقبل الهويات القومية والثقافية والوطنية في ظل العولمة والأطروحات الفكرية المعاصرة، مثل نهاية التاريخ، وصدام الحضارات، ونهاية الايدولوجيا، إلى مجموعتين رئيستين من الآراء، يتضمن بدورها مجموعات فرعية أوثانوية من الآراء.
  المجموعةالأولى/ تعتقد بأن العولمة وما يصاحبها وما يتضمنها من العمليات والتغييرات تؤدي إلى فرض هوية عالمية واحدة، أي التشابه والتماثل على المستوى العالم، وهذه المجموعة بدورها تنقسم إلى قسمين، القسم الأول منها، متشائم ويعتقد بأن هذه الهوية العالمية أو العولمية المفروضة بالقوة هي الأمركة، أو هوية سطحية استهلاكية، أو ثقافة ماكدونالد وديزني لاند، وهي عبارة عن غزو ثقافي وسلب للهويات من طرف قوي على الآخر الضعيف، وفي هذا الصدد يشير (بنيامين باربارا) إلى مجموعة ردود الأفعال ضد هذا الفرض الثقافي على العالم من قبل الضعفاء، والتي تتجلى في شكل الجهاد والحركات الأصولية المتطرفة، والقائمة على التقوقع على الذات ومقاومة التغيير والفتح المفروض من الخارج عليها([33]).والتقصير (قصر النظر) في هذه الرؤية، هو إنها ترى فقط الجانب السلبي الوحيد من الظاهرة الأشمل والأوسع والأكثر تنوعاً وذات الأبعاد المختلفة.
ويرى القسم الثاني من أنصار الثقافة والهوية العالمية،أ ن هناك أبعاد أخرى للظاهرة تتجلى في مظاهر إيجابية وإنسانية مثل ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان وقيم التعايش السلمي والتسامح وأسس التعاون العالمي الإنساني في مجالات اجتماعية وسياسية مثل قواعد قانونية دولية لحماية حقوق الإنسان وعولمة المعرفة والعلوم والتقنيات المتطورة وتوافرها تحت طلب لدى الجميع.
والمجموعة الثانية/ ترى على عكس الأولى بأن العولمة وآلياتها لا تؤدي إلى خلق عالم متجانس ومتماثل ومتشابه، وإنما تؤدي إلى تعمق الاختلافات وإبرازها إلى الواجهة وتصعيدها أكثر، وبأن العولمة وآلياتها والأطروحات الفكرية المعاصرة مثل نهاية التاريخ ونهاية الايدولوجيا وصدام الحضارات، تؤدي إلى انتهاء دور وتأثير الخطابات الفكرية والإيديولوجية الكلية العالمية، وإبراز أفكار واتجاهات وحركات سياسية واجتماعية تثير وتصعد الهويات والخصوصيات الصغيرة الثانوية والفرعية إلى درجة أنها تؤدي إلى تفكيك مجموعة كبيرة من الدول على أسس طائفية وعرقية ودينية نتيجة للعولمة وما تثيره من التقارب الزماني والمكاني بين المجموعات البشرية، وهذا يُزيد من فرص إعادة النظر في الهويات من خلال الالتقاء بالآخر المختلف بشكل متكرر، وتزيد بذلك الوعي والإدراك بالخصائص المميزة للهويات بين المجموعات البشرية، لأن العالم في ظل العولمة يصبح  أصغر وأكثر تقارباً ، ويقول أنصار هذه الرؤية بأن العولمة ليست مشروعاً لقوة أو لطرف واحد في العالم، وإنما تشترك فيها كل البشرية،و تؤدي العولمة إلى عولمة الخصوصيات والمحليات التي هي من عناصر الهوية، كما تؤدي إلى عولمة أفلام هوليوود وماكدونالد والرموز الثقافية للجماعات القوية في العالم عبر التقنيات المتوفرة للجميع بنا يتيح تعولم رموز ثقافية لجماعات وثقافات مثل الإسلامية والجماعات الصغيرة والضعيفة في العالم أيضاً، أو على الأقل تؤدي إلى ردود أفعال وتعيد الوعي بالرموز الثقافية المحلية للجماعات الصغيرة([34]).
    إن التركيز على بعد واحد أو جانب واحد فقط من ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد والجوانب مثل ظاهرة العولمة وآثارها على الهوية القومية والثقافية وعلى مصير الدولة-الوطنية يبدو خطأ، ينطلق من الأخذ فقط بأفكار هؤلاء الذين يعتقدون بأن العولمة تؤدي إلى ثقافة وهوية عالمية شاملة للإنسانية، أو آراء هؤلاء الذين يركزون فقط على الجانب التفكيكي للعولمة من خلال الإشارة إلى الصراعات الأثنية والطائفية المتجددة، أيضاً خطأ. نعتقد مع (رونالد روبرتسون)([35])، في قضية العولمة وتأثيرها في الهوية والعلاقة بين الخاص والكوني،بأن العولمة عملية معقدة، وهي على صعيد الهوية، ذات شقين، تخصيص ما هو كوني، وكوننة ما هو خاص، وقد أصبح تخصيص ما هو كوني (والذي يعرف بوصفه تحويل مشكلة الكونية إلى شكل مادي عالمي)، فرصة للبحث عن أسس عالمية، وبعبارة أخرى إن المرحلة السائدة للعولمة المتسارعة تيسر ظهور حركات تنشغل بالمعنى الحقيقي للعالم، والبحث عن معنى العالم كله، أما كوننة (جعله كونياً) ما هو خاص، فتشير إلى الكونية العالمية للبحث عن ما هو خاص، وعن الأنماط المتجذرة لتجسيد الهوية.وفي ظل العولمة ، فإن المجتمعات المكونة من عناصر وطنية محلية ومن النظام الداخلي للدولة، تصبح خاضعة للضغوط الخارجية والداخلية المتمثلة في التعددية الثقافية وتعدد الانتماءات الإثنية المختلفة،بما يجعل أوضاع التعرف على الأنا الفردية والجمعية، وعلى الآخر الفردي والجمعي، أوضاعاً أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. لتغدو العولمة بذلك عملية ضخمة ذات شقين، تتضمن تنافذ الكونية والخصوصية([36]).ويشير( روبرتسون) إلى أن البحث عن الأسس (الجذور والأصول الخاصة)، و الهويات المتعلقة بالتراث والوطن، يجري في إطار الأفكار المنتشرة عالمياً، أي أن البحث عن الخصوصية هي في حد ذاته أحد المظاهر البارزة للعولمة ([37]). وقد تكون الأشكال المتنوعة والعديدة من الأصولية المنتشرة الآن، طرقاً ومحاولات للعثور على مكان داخل العالم ككل، وهذه كلها تقع ضمن مسألة الحق في الهوية، أو النضال من أجل المكان والاعتراف (حسب تعبير فوكوياما)([38])، وهذا مظهر من مظاهر العولمة، ألتي تنتج تنوعاً وتعدداً ثقافياً إلى جانب إنتاجها لعناصر وخصائص عالمية متشابهة واحدة عالمياً.
ولكن ما هو مصير ومكانة ودور الدولة الوطنية في ظل العولمة، هناك آراء مختلفة بهذا الصدد، وقد أشرنا إليها سابقاً، وهناك من يميز في هذه المسألة بين أربع قضايا هي (قضية الأمن، وقضية الإنتاج، وقضية المعرفة، وقضية المال)، فالدولة تفقد في ظل العولمة السيطرة على قضايا (المال- الإنتاج- المعرفة)، وتبقى لها السيطرة على قضية الأمن فقط. وهذا وضع جديد بالنسبة للدولة الوطنية([39]).
    وهناك من يشير إلى انحسار كبير في سيادة الدولة، والعنصر الأساس في هذه المسألة هو تأثير ودور الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات الدولية، والتدخلات العسكرية والسياسة الدولية والنظام الدولي الجديد وهذه الأمور تطرح للبحث موضوع الدولة والعولمة ودور الدولة كمصدر لشرعية ممارسة السلطة والمصادقة على الصلاحيات الجديدة القائمة فوقها وتحتها؛ فوقها من خلال الاتفاقيات بين الدول لإرساء أشكال جديدة من التحكم العالمي؛ وتحتها من خلال ترتيب الدولة دستورياً داخل أراضيها للعلاقات بين السلطة والمراكز المختلفة، خاصة مؤسسات المجتمع المدني، لقد أثرت التحولات العولمية المختلفة في السيادة، وقد وفر مفهوم التدخل الإنساني الأرضية الملائمة على المستويين الشعبي والدولي بالإضافة إلى التنظيم الدولي  لكسر وإلغاء المفهوم التقليدي للسيادة، وتوفير الظروف الملائمة للتدخل بأشكاله المختلفة([40]). وهناك من يشير إلى التحول من النظام الدولي التقليدي إلى العلاقات الدولية في ظل النظام العالمي، والتمييز بين هذين النمطين من النظام (حسب هذا الرأي)، هو كتعاقد إجرائي قاموسي مؤقت، ويقصد بالنظام الدولي، ذلك النظام القائم على وحدة أساسية هي وحدة الدولة-الأمة، أي نظام مابين الأمم، في حين أن النظام العالمي هو النظام المنبثق من علاقات دولية تقوم على وحدة أساسية هي المجال الجيو-سياسي المتعدد الدول والقوميات والثقافات واللغات والذي يتسم بالتكامل عبر أشكال مؤسسية عليا، أو ما فوق القومية، إنه نظام ينتمي إلى عالم بمعنى (Monde) الذي يتجاوز وحدة الدولة-الأمة، فهو ليست نظاماً بين الأمم بل نظاماً عبرها أو فوقها([41]). هكذا يشكل إضعاف الحقوق السيادية للدولة مفعولاً من المفعولات المتزايدة والمضطردة والسريعة لتحرير السوق العالمية من الضوابط الجمركية والسياسية والقانونية والقومية([42]). وتلعب آليات العولمة باتجاهين على الدولة-الأمة، الأول يعمل على توحيد السوق العالمية وتحريرها واندماجها في بنى الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقومية، في حين تعمل العولمة باتجاه آخر على الحقوق السياسية للدولة بمعنى تفكيك بنيتها القومية والداخلية ووحدتها([43]). وهذا يعني أن الدولة- الأمة تعاني  في ظل العولمة وآلياتها والأفكار والأطروحات السائدة، مشاكل ومصاعب كثيرة وتواجه تحديات كبيرة وأهمها في مجال دورها وفعاليتها وبالتالي قدرتها على الحفاظ على هويتها ووحدتها واندماجها الداخلي بين مواطنيها ولكن هناك أيضاً من يشير إلى ردود فعل قومية ووطنية بوجه هذه التحديات في ظل العولمة، وتتجسد هذه الردود في شكل حركات قومية ووطنية جديدة واتجاهات متطرفة أحياناً([44])، كما في حالة بروز دور النازية الجديدة والعنصريات في أوربا بوجه الأجانب والغرباء. أما بالنسبة للدول الضعيفة في العالم الثالث، فإنها تواجه مخاطر التفكك في ظل العولمة وعدم تكامل ونضوج وحدتها واندماجها الوطني.
    ويمكن أن نستنتج مما تقدم أن  للعولمة تأثيراً مزدوجاً في الدولة- الوطنية و الهوية القومية والثقافية، فإنها تؤدي إلى خلق عناصر عالمية وشاملة للهوية الإنسانية، ولكنها في الوقت ذاته تنتج عوامل وأسباب صعود الهويات والخصوصيات، عبر إضعافها لسيادة الدولة وخرقها الحدود الثقافية والسياسية والاقتصادية للمجتمعات، تثير أيضاً ردود أفعال من قبل هويات وثقافات محلية وصغيرة في الوقت الذي نرى فيه في ظل العولمة توجهاً من قبل بعض الدول والجماعات البشرية نحو الاندماج والانسجام وتشكيل تكتلات دولية إقليمية ما فوق القومية، والدولة الوطنية، نشهد أيضاً تفككاً لبعض الدول الأخرى إلى أجزاء على أسس أثنية وطائفية ومذهبية.




([1]) عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الثقافة (المفاهيم والإشكاليات.. من الحداثة إلى العولمة)، م س ذ , 2006، ص279.
([2]) علي حرب، حديث النهايات (فتوحات العولمة ومآزق الهوية)، م س ذ , 2000، ص10.
([3]) محمد عابد الجابري، العولمة والهوية الثقافية (عشر أطروحات)،في أسامة أمين الخولي،(محرر)  ندوة (العرب والعولمة)،م س ذ، ص300.
([4]) المصدر السابق، ص302.
([5]) محمد منذر جلال شاكر الكنعاني، العولمة والخصوصية الثقافية العربية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية العلوم السياسية ،جامعة النهرين، 2004، ص4.
([6]) عبد الإله بلقزيز، العولمة والهوية الثقافية: عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة؟، في ندوة: العرب والعولمة، م.س.ذ، ص309.
([7]) المصدر السابق، ص319.
* أثيرية: افتراضي، هو وصف لمفردات العالم السبراني وأحداثه، والمعطيات السبرانية بوصفها منتجات الكترونية، ليست ذهنية أو تصورية. ينظر: علي حرب، حديث النهايات، م.س.ذ، ص199.
([8]) المصدر السابق، ص7.
([9]) المصدر السابق، ص30.
([10]) تركي الحمد، الثقافة العربية في عصر العولمة، م.س.ذ، ص22-23.
([11]) أنتوني غدنز، علم الاجتماع، م.س.ذ، ص495.
([12]) محمد عابد الجابري، العولمة والهوية الثقافية: عشر اطروحات، م.س.ذ، ص303.
([13]) إريك هوبزبارم، النزعة القومية أواخر القرن العشرين، في القومية مرض العصر أم خلاصة، م.س.ذ، ص58.
([14]) فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، م.س.ذ، ص252.
([15]) عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الثقافة، م.س.ذ، ص285.
([16]) المصدر السابق، ص285.
([17]) انتوني غدنز، علم الاجتماع، المصدر السابق، ص495.
([18]) انطوني جيدنز، عالم جامح (كيف تعيد العولمة تشكيل حياتنا)، ترجمة: عباس كاظم، حسن ناظم، ط1، المركز الثقافي العربي، بيروت- لبنان، 2000، ص ص32، 38.
([19]) صموئيل هنتنغتون، صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي، م س ذ، ص238-239.
([20]) عز الدين مناصرة، الهويات والتعددية اللغوية (قراءات في ضوء النقد الثقافي المقارن)،م س ذ , ص67.
([21]) علي حرب، حديث النهايات، ص11.
([22]) المصدر السابق، ص ص11، 13.
([23]) علي حرب، العالم ومأزقه (منطق الصدام ولغة التداول)، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب، 2002، ص107.
([24]) جوزيف ياكوب، ما بعد الأقليات (بديل عن تكاثر الدول)، ترجمة: حسين عمر، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب، 2004، ص15-16.
([25]) المصدر السابق، ص18.
([26]) المصدر السابق، ص19.
([27]) مه ريوان وريا قانيع، نه ته وه وناسيدناليزم، م.س.ذ، ص162 ومابعدها.
([28]) فالح عبد الجبار، في المقدمة، القومية مرض العصر أم خلاصه؟، م.س.ذ، ص5.
([29]) بيتر تيلور؛ كولن فلنت، الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر، م.س.ذ، ص67.
([30]) أحمد برقاوي، مأزق الدولة القطرية، في: أحمد برقاوي وآخرون، الدولة الوطنية وتحديات العولمة في الوطن العربي، ط1، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2004، ص341.
([31]) جورج لارين، الايديولوجيا والهوية الثقافية والحداثة وحضور العالم الثالث، م.س.ذ، ص189.
([32]) المصدر السابق، ص ص252، 258.
([33]) مةريوان وريا قانيع، شوناس وئالؤزي م.س.ذ، ص34-35.
([34]) المصدر السابق، ص55.
([35]) ينظر: رونالد روبرتسون، العولمة (النظرية الاجتماعية والثقافة الكونية)، ترجمة: أحمد محمود؛ نور أمين، مراجعة وتقديم: محمد حافظ دياب، ط1، المجلس الأعلى للثقافة، 1998، ص352.
([36]) المصدر السابق، ص216.
([37]) المصدر السابق، ص339.
([38]) ينظر: فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ..، م.س.ذ، ص252.
([39]) مه ريوان وريا قانيع، شوناس نالوزي، م.س.ذ، ص35.
([40]) مهدي جابر مهدي، السيادة والتدخل الإنساني (دراسة قانونية سياسية)، ط1، مؤسسة (D.P.L.C) للطباعة والنشر، أربيل-كوردستان، 2004، ص26.
([41]) محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة (مراجعات نقدية)، م.س.ذ، ص49.
([42]) المصدر السابق، ص49.
([43]) المصدر السابق، ص53.
([44]) مه ريوان وريا قانيع، ناسيو ناليزم و سه فه ر، م.س.ذ، ص58.