الجمعة، 24 مارس، 2017

مفهوم وتطور الحقوق الحريات العامة

مفهوم وتطور الحريات العامة
بادئ ذي بدء، نشير إلى أن من أصعب الكلمات التي يمكن التعرض لتعريفها وتحديد مدلولها كلمة الحرية، فهي من المفاهيم التي تبدو واضحة جلية للوهلة الأولى، بل ومن أغنى المفاهيم عن التعريف، ولكن ما أن يحاول الباحث وضع تعريف جامع مانع لها، حتى تظهر له حالة من الغموض والإبهام. ولعل مرد ذلك، المدلول العظيم لهذه الكلمة وإلى أنها من المفاهيم المتطورة مع الزمن، فيختلف الناس في تحديد دلالتها حسب زمانهم ومذاهبهم العقائدية والسياسية.[1]
ومما يزيد الأمر صعوبة، هو أن الحرية ترتبط بالإنسان ككائن اجتماعي يعيش في مجتمع ويخضع لدولة؛ ومن ثم فلا يمكن الحديث عن حريته بمعزل عن علاقاته مع غيره من أفراد المجتمع الذي يعيش فيه وعن الدولة التي تحكمه[2]، وعلى هذا الأساس نرى بأن تعدد المفاهيم المرتبطة بفكرة الحرية يختلف باختلاف أنماط السلطة السياسية التي تحكم شتى المجتمعات الإنسانية وتدير شؤونها.[3]
كما أنه إذا كانت الغاية من النظام السياسي هي تحقيق التوازن بين السلطة والحرية الذي يعتبر معضلة كل عصر وزمان، فإن مركز الفرد يختلف من نظام سياسي لآخر، فقد يكون الفرد هدف النظام وقد يكون في خدمة النظام، ذلك أن نظرية الحقوق والحريات العامة هي وريثة الصراع المذهبي، تدور ضيقا واتساعا حسبما تكون الحلول بخصوص علاقة الفرد بالجماعة، وأيهما هو محور النظام وغايته.[4]
وبالنظر إلى الأنظمة السياسية السائدة نجد أن الدول على هذا الصعيد، تتباين من حيث تدخل الدولة في مختلف الميادين والمجالات وهكذا يمكن أن نميز بين:
1- المذهب الفردي: الذي يؤكد على عدم تدخل الدولة في النشاطات التي تخرج عن مهامها الأساسية المتمثلة في حماية الأمن الخارجي وضمان الأمن الداخلي والبث في المنازعات التي تثور بين الأفراد، لاسيما ما تعلق بالحقوق والحريات التي تشكل مناطق محجوزة للنشاط الفردي.
وبناء على هذا الأساس، ينبغي أن نترك كل النشاطات لتحقيقها من قبل تدخل الفرد الحر في حدود القانون؛ وهذا لأن الفرد يعتبر غاية النظام وأساسه؛ وهو يتمتع في إطاره بامتيازات وحقوق تجعل دور السلطة الحاكمة يقتصر على التأكد من توفير الأمن والطمأنينة لجميع الأفراد، وأن كلا منهم يمارس حرياته بما لا يتعارض مع حريات الآخرين. وتبعا لذلك يجب أن يتخذ نشاط السلطة الحاكمة في أضيق الحدود الممكنة، ولا تتدخل الدولة إلا إذا اقتضت ذلك متطلبات الصالح العام.[5]
2- المذهب الاشتراكي: يرى أن الجماعة لا الفرد هي الغاية من التنظيم السياسي، لذا فالدولة ملزمة في نظره بالتدخل في مختلف الميادين والمجالات باعتبار أن الدولة هي القادرة على تحقيق المصالح المختلفة للأفراد، وينظر هذا المذهب إلى الحرية من زاوية العلاقة بين الطبقة المالكة والطبقة التي لا تملك والحرية تتحقق بالقضاء على الملكية الخاصة التي هي مصدر كل استغلال ومصدر كل استبعاد للفرد؛ وتعويضها بالملكية الجماعية أو ملكية الدولة للثروات التي سوف نقوم بتوزيعها بين الأفراد بالكيفية التي تحقق بها قسطا كبيرا من السعادة لجميع الناس، وبتعبير آخر، إن هذا الاتجاه يحتم على الدولة التدخل لإشباع الحاجات المختلفة، ويحصر النشاط الفردي في مجال ضيق، ليحل محله نشاط الدولة الذي يمتد بالتنظيم والتقييد لكثير مما كان متروكا أصلا للمبادرة الفردية، وعلى ذلك تتحدد حقوق الأفراد وحرياتهم بما يكفل أكبر قدر من المنفعة والمصلحة للجماعة برمتها.[6]
3- المذهب التدخلي: يأخذ هذا الاتجاه منحى وسطيا وهذا لأن التطور الاجتماعي السياسي للأنظمة السياسية، أبان عن قصور تعاليم المذهب الفردي، فالإنسان وإن كان غاية النظام الاجتماعي، إلا أنه وبدافع من أنانيته، ثم لضعفه أمام مستلزمات الحياة المدنية، أصبح لزاما على الدولة أن تتدخل وبمجهود ضخم من أجل تنظيم الحياة العامة ولمنع الصراع الأناني بغاية تحقيق الصالح العام للمواطنين.[7] وبهذا فإن هذا الاتجاه لا يوقف نشاط الدولة عند الحد السلبي كما لا يعمل على إطلاق تدخل الدولة في كافة المجالات. أي أنه يترك بعض الأعمال للنشاط الفردي الخاص وللدولة البعض الآخر، خاصة ما يهم مجموع الأفراد، كمسائل الصحة والتعليم وإنشاء الطرق العامة والمواصلات وليس للأفراد في ظل هذا الاتجاه حقوق طبيعية سابقة على وجود الجماعة؛ وإنما هم أعضاء في المجتمع يقومون بوظيفة اجتماعية ويستمدون حقوقهم من المجتمع الذي يستطيع أن يحدد مضمون الحقوق والحريات المعترف بها للأفراد.[8]
وما ينبغي الإشارة إليه هنا، هو أنه إذا كان مفهوم الحريات العامة ومنطلقاتها الأساسية والفكرية يتجاذبها اتجاهين أساسين، فإنه مما لا شك فيه، تظل الشريعة الإسلامية بخصائصها المتميزة مصدرا أساسيا للحريات العامة خاصة في المجتمعات الإسلامية، فالنظام الإسلامي يحمل بين ثناياه العديد من القيم الإنسانية الرفيعة، فهو يأمر بالعدل والشورى وأجاز حرية القول والنقد، ومقاومة الظلم والطغيان، وعزل الحاكم إذا طغى وتجبر وغلب مصالحه الأنانية على مصالح الأمة والرعية، وجعل من المساواة بصورها المختلفة مبدأ من المبادئ الجوهرية التي تضفي الشرعية على نظام الحكم.[9]
ومجمل القول بالنسبة لما سبق، هو أن مفهوم الحقوق والحريات العامة يختلف باختلاف نظرة المذاهب والنظم السياسية وإلى طبيعة العلاقة التي يجب أن تقوم بين السلطة العامة والأفراد الخاضعين لها فما معنى الحرية؟ ثم هل هي مطلقة أم أنها نسبية؟ وكيف تطورت من مرحلة لأخرى؟ وكيف تم التنظير لها ومعالجتها؟
الفصل الأول: في مفهوم الحريات العامة وتطورها
مشكلة الحرية هي بلا ريب من أقدم المشكلات وأعقدها، فقد واجهت الباحثين من قديم الزمان وما برحت تؤرق مفكري اليوم كما أرقت من قبل فلاسفة اليونان.[10]
فالحرية كانت دائما مثار جدل فلسفي وسياسي، شأنها في ذلك شأن معظم القضايا المتعلقة بالسلوك الإنساني والتي لا تزال تخضع لأحكام قيمة متعددة تتفاوت بتأثيرها بتفاوت وعي وتطور المجتمعات المطروحة فيها.[11] فلا غرابة والحالة هذه أن تكون كلمة حرية أكثر كلمات القاموس السياسي استعمالا؛ حيث أن حتى الكلمات التي تنافسها في الذيوع، كالاستقلال، الديمقراطية، والتنمية... تستعمل في الغالب مرادفة لها، بحيث لا نكاد نجدها إلا ملتصقة بها وموضحة لها.[12]
ونظرا لارتباط هذه الكلمة، التي لها بريقها وسحرها في المجتمعات المعاصرة، بحياة كل إنسان، نفهم كثرة تردادها على الأفواه والأسماع، وعلى صفحات الصحف وفي الخطب البرلمانية، ونفهم احتلالها مكانة هامة في صلب الدساتير، وصدور الكثير من إعلانات الحقوق من أجلها؛ وكيف أصبحت الأساس والجوهر لكل تشريع أو تنظيم سياسي، أيا كانت منطلقاته وكيفما كانت أهدافه، إن على الصعيد العام أو على الصعيد الخاص.[13]
وتغذو الحرية بالرغم من اتساع نطاق استعمالها، نسبية وسياسية، خاصة في تطورها سلبا أو إيجابا، لتغير البيئة والشرائع والتقاليد التي نشأت في كنفها. فكيف نفهم الحرية؟ وكيف تطورت من مرحلة لأخرى؟
المبحث الأول: مفهوم الحريات العامة وتطورها
لا بد من الإشارة منذ البداية أن مفهوم الحرية يتذبذب ويختلف باختلاف الزمان والمكان وباختلاف المذهب الفكري الذي يسود مجتمعا معينا في زمن معين، وهذا التذبذب والاختلاف في مفهوم الحرية على هذا النحو، يجعل من الصعوبة بمكان إعطاء كلمة "الحرية" مفهوما محددا ومنضبطا، بحيث يضفي عليها القيمة الإنسانية ويجردها من تأثيرات ورواسب الزمان والمكان والمذهب الفكري،[14] بيد أنه إذا كانت كلمة حرية تخرج عن إطار تحديد دقيق وجازم، فإن هذا لا يمنع من الأخذ بمحاولات التعريف المتعددة التي طرحت لها، وكذا المجالات التي ترتبط بها.
أولا: الحرية: محاولة في التعريف
الحرية بحسب معناها الاشتقاقي* هي عبارة عن انعدام القسر الخارجي، والإنسان الحر بهذا المعنى هو من لم يكن عبدا أو أسيرا.[15] وبالنظر إلى محاولات التعريف العديدة التي أعطيت للحرية يمكن أن نميز بين:
أ- الحرية من منظور فلسفي:
بالرجوع إلى المعاجم الفلسفية، نجد أن كلمة الحرية تحتمل من المعاني لا حصر له، بحيث قد يكون من المستحيل أن نتقبل تعريفا واحدا باعتباره تعريفا عاما يصدق على سائر صور الحرية.[16]
ففي معجمه الضخم والهام "المفردات التقنية والنقدية في الفلسفة"، يطرح علينا "أندريه لالاند" محاولة تعريف للحرية من عدة جوانب:
فبالمعنى البسيط: الإنسان الحر هو ذلك الذي لا يكون عبدا أو سجينا، والحرية هنا هي تلك الحالة التي يستطيع فيها الإنسان القيام بما يريد، وليس بما يريده له الآخرون، أي أنها تعني عدم وجود أي إرغام خارجي.
وبالمعنى العام: هي حالة الإنسان الذي لا يتحمل أي قسر، والذي يتصرف وفقا لإرادته وطبيعته. بهذا تكون الحرية حالة ذلك الإنسان الذي لا يقدم على أي عمل، خيرا كان أم شرا، إلا بعد تفكير عميق وبإدراك كلي للأسباب والدوافع التي جعلته يقوم بهذا التصرف.[17]
وفي معجم المصطلحات القانونية الذي تم تألفيه تحت إشراف "كورني" ورد تعريفان يعكس أحدهما هذا المفهوم الفلسفي كالآتي: "الحرية تعني: الخير الأسمى بالنسبة للفرد أو الشعب بهدف العيش بعيدا عن أي استعباد أو استغلال أو اضطهاد أو هيمنة داخلية أو خارجية".[18]
هذا التنوع في التعريف الحرية، كما تم تقديمه من خلال المعجمين، يعكس في واقع الأمر تباين آراء المفكرين والفلاسفة الذين حاولوا إيجاد تحديد أهمية كبرى على الإدارة الذاتية في الاختيار، ويعتبر بأن كل إنسان مسؤول عن خياره. في حين يرى "ديكارت" أن الحرية، تتخلص بالمقدرة على القيام أو عدم القيام بشيء معين، أي أننا لا نكون أحرارا بحسب هذا المفهوم؛ إلا إذا امتلكنا إمكانية معينة لتقرير مواقفنا. والسؤال الذي يطرح هنا، هو معرفة ما إذا كانت هذه الإمكانية ذاتية أي متوفرة فطريا لدى الإنسان، أم أنها خارجية أي مكتسبة؟
أما "كانط" فيقول في كتابه "نقد العقل العملي" بأن الحرية هي: "خيار أخلاقي، مع أو ضد الخير، مع أو ضد العقل، مع أو ضد الكونية." في حين يعتبر "سبينوزا" أن الحرية الأخلاقية تعني الخضوع للعقل، وأن الإنسان الحر، هو ذلك الذي يعيش وفقا لتوجيهات العقل، ولا يبتعد "برغسون" كثيرا عن المفهوم "الأفلاطوني" أو "الكانطي" عندما يشدد على حرية الاختيار لدى الفرد، فالحرية عنده هي واقعة، إن لم تكن أكثر الوقائع الملموسة وضوحا وجلاء، ولكن... عبثا يحاول المرء أن يبرهن على وجود الحرية، فما الحرية بشيء يمكن تحديد وجوده، بل هي في الحقيقة إثبات للشخصية، وتقرير لوجود الإنسان، إنها ليست موضوعا يعاين بل هي حياة تعاني.[19]
أما "طوكفيل" فيقول: "إن معنى الحرية الصحيح هو أن كل إنسان تفترض فيه أنه خلق عاقلا يستطيع حسن التصرف، يملك حقا لا يقبل التفويت في أن يعيش مستقلا عن الآخرين في كل ما يتعلق بذاته وأن ينظم كما يشاء حياته الشخصية.[20]
ب- الحرية من منظور قانوني
بالعودة إلى معجم "لالاند" السابق ذكره نجد أن الحرية، تعني المقدرة على القيام بكل ما لا يمنعه القانون، ويرفض ما يحرمه هذا القانون، أي أن الحرية تصبح مجموعة الحقوق المعترف بها للفرد والتي تحد من سلطة الحكومة. أما "كورني" في كتابه "المصطلحات القانونية" فيعرف الحرية كالتالي: "الحرية وضعية مضمونة بالقانون تسمح لكل فرد أن يكون سيد نفسه، يمارس حسب رغبته كل الإمكانيات المتاحة له، واعتبر [دهامل Duhammel وميني Meny] في معجمهما الدستوري: "قوام الحرية فعل كل ما ليس ممنوعا بقانون مطابق للدستور وللاتفاقيات الدولية.[21] وعلى مستوى الفقه القانوني، عرف ريفيرو Rivero في مؤلفه "الحريات العامة" الحرية بأنها: "القدرة المخولة بمقتضى القوانين الوضعية للسيطرة على الذات والتحكم بها" وهو هنا، يؤكد على دور القانون الوضعي في وضع إطار ونظام ممارسة الحرية.
وميز "جاك روبير" عند حديثه عن تعريف الحرية بين ما إذا كان الفيلسوف هو الذي سيضع التعريف أو رجل القانون، فالأول يهتم بالمسائل التي تعني الحرية الداخلية والروحية، في حين يهتم القانون بالقواعد الخارجية ما دامت القاعدة القانونية ملزمة، فهو ينظر إلى الحرية في مفهومها المادي والمتمثلة في أقصى ما يمكن من إمكانيات الاختيار المتروكة للأفراد، غير أنه حتى هذا المفهوم المادي للحرية بشكله المحدود يطرح مشاكل عديدة. وذهب الأستاذ مورانج Morange إلى أن الحقوق التي لها قيمة دستورية أو تشريعية هي التي تعتبر حريات عامة بالنسبة للرعايا الفرنسيين الذين يتمتعون بحق ممارستها.[22]
يظهر من خلال هذه التعاريف أن القاسم المشترك بينها، هو التركيز على دور القانون في تحديد مفهوم الحرية، والتي أصبحت تتضمن في عرف أهل القانون والسياسة: حرية الشخص في التصرف بكل ما يتعلق بشؤونه الخاصة ضمن دائرة القانون، كما تتضمن حريته في اعتقاد ما يراه صوابا، وفي إبداء رأيه في كل ما يتعلق بالمجتمع الذي يعيش فيه، وفي كل ما يصدر عن السلطة الحاكمة في المجتمع من تصرفات. وقد عبر بعض أهل القانون عن مضامين هذه الكلمة فقال: "يمكن القول بأن الحريات العامة هي: مكنات يتمتع بها الفرد بسبب طبيعته البشرية، أو نظرا لعضويته بالمجتمع، يحقق بها الفرد صالحه الخاص، ويسهم بها في تحقيق الصالح المشترك للبلاد، ويمتنع على السلطة أن تحد منها إلا إذا أضرت بمصالح الآخرين.[23] ويطلق عن الحريات العامة أحيانا اسم الحقوق الأساسية التي يخولها دستور دولة ما لمواطنيها ويصونها لم ضد التجاوزات ومختلف ضروب التعسف التي قد يتعرض لها سواء من قبل الأفراد أو السلطة.
ج- التعريف بالحريات من خلال التصنيف
لجأ البعض لتحديد هوية الحرية والتعريف بها إلى تصنيف الحريات، فالأستاذ "دوجي Deguit" صنف الحريات حسب الدور المطلوب من الدولة القيام به، فميز بين[24]:
* الحقوق السلبية: التي تكون الدولة مطالبة تجاهها فقط بعدم التدخل
* الحقوق الإيجابية: تستلزم تدخلا من الدولة.
وميز "إسمان" بين المساواة والحرية الفردية، وتنقسم الحرية الفردية إلى قسمين، حريات مادية وحريات معنوية.
* الحرية المادية وهي:
1- الحرية الشخصية بالمعنى الضيق، أي الأمن وحرية التنقل
2- حرية الملكية
3- حرية المسكن وحرمته
4- حرية التجارة والعمل والصناعة
* الحريات ذات المضمون المعنوي، وهي:
1- حرية العقيدة
2- حرية الاجتماع
3- حرية الصحافة
4- حرية تكوين الجمعيات
5- حرية التعليم
وصنف البعض الآخر الحرية من حيث طبيعة المصلحة التي تحققها، فقسم الحرية إلى أربعة أقسام:
1- الحرية الشخصية
2- حرية الفرد في الانضمام إلى جماعات
3- حرية الفكر
4- الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
واعتمد آخر على أثر الحرية على الحكم، فقسم الحريات من هذا المنظور إلى:
* حرية تصنع حدودا على نشاط الحكم: Libertés Limitations
* حريات تمكن الأفراد من معارضة الحكومة: Libertés Oppositions
يدخل في النوع الأول، حريات الحدود:
- الحريات الأساسية أو الشخصية (الحماية ضد القبض والحبس التعسفيين، المسكن، المراسلات، التنقل... الخ)
- الحريات الاقتصادية (الملكية، تأسيس المشروعات)
- الحريات الفكرية (العقيدة، الرأي، التعبير)
في حين يضم النوع الثاني، حريات المعارضة:
- حرية الصحافة.
- حرية الاجتماع
- حرية التظاهر
- حرية تكوين الجمعيات
- حرية تكوين الأحزاب
ولقد حدد مجلس الدولة الفرنسي[25] مفهوم الحريات العامة بتاريخ 13 غشت1947 من خلال تمييزه بينها وبين الحرية الفردية، وجعلها تشمل:
+ حرية التجمع
+ حرية تأسيس الجمعيات بما فيها التنظيمات النقابية
+ حرية الصحافة وبشكل عام حرية نشر الأفكار
+ حرية الضمير والمعتقد
+ حرية التعليم
د- الحريات العامة وحقوق الإنسان
ثمة سؤال يطرح، وهو: هل هناك من فرق بين الحق والحرية؟ وهل هناك تمايز أم تطابق بين الحريات العامة وحقوق الإنسان؟ وإذا كان هناك فرق ما هو؟ وإذا لم يكن فلماذا يتم غالبا الجمع بينهما؟
حسب بعض القانونيين، هناك فرق بين الحق والحرية في المفهوم، ينعكس على مدى التصرف في كل منهما، فجوهر الحق عندهم: اختصاص، أي انفراد واستئثار بموضوع الحق ومحله. بحيث يكون لصاحب الحق سلطة التصرف بما اختص به ضمن الحدود التي رسمها له الشرع، وهذا يستلزم بالتالي إباحة الأفعال الملائمة لذلك الاستعمال والتصرف المشروع
أما الحرية فهي المكنة العامة التي قررها الشارع للأفراد على السواء، تمكينا لهم من التصرف على خيرة من أمرهم، دون الإضرار بالآخرين، فالتصرف موضوع الحرية مأذون فيه قانونا، وهو من قبيل المباحات والإجازات. إذن فالحرية لا تستلزم وجود استئثار بموضوعها، فكل الأفراد يتمتعون بها على قدر مشترك، أي لا ينفرد بها أحد دون الآخرين، وفرق من الناحية العلمية بين المساواة في التصرف كما في الحرية، وبين التصرف على سبيل الاختصاص كما في الحق[26] .
ومن هذا المنطلق حاول البعض إعطاء تعريف محدد ومخالف لكل منهما، "فبرسيس" عرف حقوق الإنسان "بالحدود الأخلاقية الدنيا التي لا يمكن تجاوزها دون المساس بكرامة الإنسان فيما يعد حريات طبيعية له، وعرف الحريات بأنها تلك التي تمارس في إطار الجماعة مثل حق القيام بمظاهرة في الشارع أو شن إضراب أو إصدار جريدة... نظرا للتجاوزات المحتملة، فإن هذه الحريات، يتم تأطيرها بشكل أو بآخر من حيث المدة، حسب الظروف، وهكذا تم التصويت على قانون يمنع التخريب بعد ثورة ماي1968.
كما عرف الحريات العامة بأنها: "الحريات التي يمارسها الفرد وحده والمحمية بالقانون، مثل حرية التأليف والنشر والتنقل... نظرا لأهميتها فهي مضمونة بالدستور والقواعد العليا في الدول الديمقراطية.[27]
ويرى "برسيس" كذلك أن حقوق الإنسان هي نتائج انتصار على القوة التي تجور على الفرد بشكل أو بآخر، عندما نتحدث عن القوة الجائرة، فهي لا تعني في نظر "برسيس" القوة الشرسة، ولكن مقاومة القوة السياسية المنحدرة عن القوة العسكرية والسلطات الأخرى المرتبطة بها كسلطة المال وسلطة العلم (أو المعرفة)، فكل هذه السلطات يجب توجيهها وتدجينها لهدف وحيد هو صالح الفرد الذي يجب أن يكون سيد مصيره.[28]
ولقد عرف "دهامل" و"ميني" حقوق الإنسان في معجمهما الدستوري بأنها: "حقوق الفرد في بعدها الشمولي المجرد، فهي سابقة عن القانون الوضعي وأسمى منه بل تعد معيارا له وحدود للسلطة الشرعية للدولة". أي أنها حسب "أرون" حقوق سابقة عن السياسية نفسها لدرجة أن أي حكومة أو سلطة لا تملك حق تعديلها أو المساس بها، ولكن في نفس الوقت تعتبر غاية الحكومة والسلطة نفسها.[29]
وهكذا فإذا نحن أردنا البحث عن نقط الاختلاف بين الحقوق الإنسان والحريات العامة يمكن أن نوجزها في:
+ أن حقوق الإنسان طبيعية ولصيقة بالإنسان موجودة حتى ولو لم يتم الاعتراف بها وتقنينها في القانون الوضعي، بل ولو تم انتهاكها من قبل السلطة على عكس الحريات.
+ لا نستطيع فهم فكرة الحق بدون فكرة الواجب التي لا تنفصل عنها، فعندما نقول حقوق، نعني بذلك الواجبات أيضا.
+ في المجتمع السياسي المنظم تخضع الحرية دائما لحدود القانون الذي يلعب دور الضامن والمحدد لعلاقة الفرد بالسلطة السياسية ويأخذ الحديث هنا صفة أكثر شمولية، بحيث يتناول الحريات العامة، أي تلك التي أصبحت تعني في عرف أهل القانون، الحقوق التي يتمتع بها الأفراد تجاه بعضهم بعضا، وتجاه الدولة وسلطاتها.[30]
ذ- معيار الحرية
بالرغم من تباين التعريفات التي أعطيت للحرية تبعا للأنظمة السياسية والمذاهب الفكرية، فإن من بين إحدى أهم المبادئ التي تلتقي حولها الأنظمة والمجتمعات بشأن قضية الحرية، هو المبدأ القائل بأن: "حرية الفرد تقف عند حرية الآخرين"[31]
وفي هذا الشأن، يرى "جون استيورات ميل" بأن المعيار المتحكم في ضبط الحرية هو: عدم الإضرار بالغير، فأنت حر ما لم تضر. ويشترط "ميل" لتجريم التصرف أن يكون الضرر عاما، ومحددا؛ فإن كان التصرف شخصي الأثر أو أصاب أشخاصا لا يمكن تحديدهم فلا تجريم حينئذ، وإن دخل ذلك التصرف في دائرة التصرفات أللأخلاقية.[32]
بالنسبة لـ"ميل" دائما، يجب وزن القيم وتفضيل بعضها على بعض، ثم ترك الناس بعد ذلك أن يفعلوا ما يحلوا لهم، وفي جميع الأحوال، فإن قيمة الحرية لا تعلوها أي قيمة أخرى، فإن تعارضت مع بعض القيم الاجتماعية، وجب تفضيل قيمة الحرية، وإن ترتب على ممارستها إلحاق ضرر بسير المجتمع.[33]
ففي بريطانيا مثلا، أثير جدل حول تعديل القوانين الخاصة بالمسائل الجنسية في عام 1957، والتي أثارها تقرير لجنة "Wol Fendren" وكانت تلك القوانين تتعلق بالدعارة والشذوذ الجنسي بين الرجال، فقد أوصت هذه اللجنة بإباحة الدعارة وبعدم تجريم الشذوذ الجنسي إذا اتسم بالرضائية بين البالغين، ولم تقبل توصيات اللجنة بعد تقديمها مباشرة، ولكنها قبلت بعد ذلك، فعدلت القوانين على النحو الذي أوصت به اللجنة. وكانت اللجنة قد استندت في توصياتها تلك إلى معيار "ميل" وفسرته تفسيرا موسعا معتقدة بأن هذا التفسير هو في صالح الحرية، وعليه فإن التصرف أللأخلاقي الشخصي يخرج من دائرة الأفعال المحرمة إلى دائرة الأفعال أللأخلاقية المحضة وبالتالي فليس من شأن القانون.[34]


[1] هاني سليمان الطعيمات، م.س. ص: 21
[2] صالح حسين سميع: أزمة الحرية السياسية في الوطن العربي. م.س. ص:16
[3] خضر خضر: مدخل إلى الحريات العامة وحقوق الإنسان المؤسسة الحديثة للكتاب ط 2005 ص: 9
[4] مصطفى قلوش: الحريات العامة، الجزء الأول، طبعة ثانية 1984 ص 1
[5] مصطفى قلوش: م.س. ص: 12
[6] مصطفى قلوش: م.س. ص:3
[7] حماد صابر: م.س. ص:4
[8] مصطفى قلوش: م.س. ص:3
[9] م.س. ص:4
[10] زكريا ابراهيم: مشكلة الحرية، م.س. ص 10
[11] خضر خضر: م.س. ص 11
[12] عبد الله العروي: مفهوم الحرية. المركز الثقافي العربي. الطبعة السادسة 1998 ص:5
[13] صالح حسن سميع: م.س. ص:15
[14] صالح حسن سميع: م.س. ص 15
* الحرية في اللغة: اسم من حر، فيقال: حر الرجل يحر حرية، إذا صار حرا، والحر من الرجال: خلاف العبد، ويسمى بذلك لأنه خلص من الرق
[15] زكريا ابراهيم: مشكلة الحرية: م.س. ص 18
[16] زكريا ابراهيم: م.س. ص:18
[17] انظر: خضر خضر، م.س. ص:23-24
[18] انظر: أحمد البخاري، أمينة جبران: الحريات العامة وحقوق الإنسان وليلي للطباعة والنشر الطبعة الأولى 1996 ص 11
[19] خضر خضر: م.س. ص:24-25
[20] عبد الله العروي: م.س. ص 44
[21] أحمد البخاري، أمينة جبران م.س ص:15
[22] م.س. ص:16
[23] هاني سليمان الطعيمات: حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. م.س. ص: 30
[24] أحمد البخاري، أمينة جبران م.س. ص 20
[25] انظر: أحمد البخاري، أمينة جبران م.س. ص 24
[26] هاني سليمان الطعيمات: م.س. ص: 30-31
[27] أحمد البخاري، أمينة جبران م.س. ص 17
[28] ن.م ص 19
[29] م.س. ص 17
[30] هاني سليمان الطعيمات: م.س. ص: 32
[31] خضر خضر: م.س. ص:9
[32] صالح حسن سميع: م.س. ص:21
[33] مرجع سابق ص 23
[34] ن.م. ص 23