واقع التّعليم في البلدان العربيّة :
يتميّز الوطن العربي بالاتساع وكبر المساحة الجغرافية إذا ما قورن بعدد السكان، حيث يتوزّع السكان بدرجات متفاوتة تختلف من دولة إلى أخرى، " ويتميّز كذلك باتساع المساحة لكل دولة وتباين الازدحام السكاني، وتكثر الكثافة السكانية في المدن الكبيرة وتقل في الأرياف البعيدة التي تنتشر في المناطق صعبة الاتصال معها، الأمر الذي يؤدي إلى صعوبة الاتصال بجميع الأماكن السكانية بسهولة. هذه المشكلات وغيرها تنعكس سلباً على عملية التّعليم والتعلم في البلاد      العربيّة ")1(، في حين تتميّز الدّول المتقدّمة بسهولة وسرعة الاتصال بين المدن الكبيرة والقرى الصغيرة وجميع الأجزاء المتباعدة من خلال وجود طرق مواصلات سهلة، وتوفير مطارات عديدة في كل منطقة، ووجود القطارات الكهربية السريعة والتي تربط بين جميع الأماكن مهما كانت بعيدة، وتقدّم الخدمة السريعة في مجال الاتصال مع المناطق التّعليمية، وتخفّف من المركزية في اتخاذ القرارات. وقد أصبحت هذه المناطق لا تمثّل عائقاً لعملية التعلم في كافة المناطق مهما كانت بعيدة.
ولعلّنا نلقي الضوء في الصفحات التالية على وضعية مسيرة التّربية والتّعليم في الدّول العربيّة والخصائص الأساسية للأنظمة التربوية دون الدخول في كثير من التفاصيل.

      1.         إدارة النظام التّعليمي :
إدارة التّعليم في أي نظام مجتمعي تتأثّر بعدد من القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأنماط الثقافية السائدة. والإدارة المركزية للتعليم في الأقطار العربيّة جميعها إدارات حكومية. فهناك وزارة متخصّصة بشؤون التّربية والتّعليم العام (قبل التّعليم العالي) تشرف على معظم مؤسسات التّعليم العام وتدير شؤونه. وفي بعض الأقطار العربيّة، هناك مؤسسات أهلية تعنى بشؤون التّعليم غير الحكومي، لكنّها مقيّدة باتجاهات الإدارة الحكومية وتعليماتها وتحت إشرافها، ولا تتمتّع باستقلال كامل في إدارة شؤون التّعليم، بل في بعض الأقطار العربيّة يوجد مكتب في الوزارة للإشراف على هذا النوع من التّعليم بمسمّياته المختلفة خاص أو أهلي أو ديني أو أصيل.)2(
وبشكل عام، تتّسم إدارة التّعليم في الوطن العربي بالتقليدية والمركزية الشديدة وتضخم أعداد الموظفين، وقصور الثقافة المرتبطة بتقدير الوقت والإنتاج والعمل بروح الفريق، والموقف السلبي في استخدام التقنية الحديثة. )1( فعلى الرغم من الانتشار الواسع لثقافة المعلوماتية، وتوظيف الحاسوب في المؤسّسات العامّة والخاصة في الوطن العربي، إلا أن الميدان التربوي بشقّيه التّعليمي والإداري قد تأخر عن نظرائه في هذه الميادين، وظلت الإدارات التّعليمية والمدرسية في الغالب تسير وفق معطيات القرن الماضي، وبصورة غير متناغمة مع روح العصر وجوهره الذي أضحت فيه المعلوماتية خيارا استراتيجيا لا غنى عنه.
فالعالم العربي إذن، بحاجة ماسة إلى إدارة تنتهج منهج التطوير لا منهج التسيير. فلا غنى عن إدارة تربوية مجدّدة وقادرة على قيادة عملية التجديد. ويتطلّب ذلك اعتماد اللامركزية في الإدارة بتوسيع سلطات الإدارة في المناطق إلى حد كبير، وإفساح قدر واسع من الحرية التربوية للإدارة، واطلاعها دوما على جديد التّربية، والعناية بوجه خاص بتدريبها على الوسائل التي ينبغي أن تلجأ إليها المدرسة من أجل تنمية روح التضامن والعمل المشترك والعمل في فريق، ومن أجل تعميق مفاهيم الديمقراطية والمواطنة، وربط التّعليم بالعمل ومواقع العمل والتّربية الدائمة المستمرة، ومن أجل خدمة المجتمع المحلي. ويتضمن تطوير الإدارة التّعليمية، أيضا إدخال نظم جديدة في إدارة المعلومات والبيانات تستند إلى الحاسوب، واستخدامها في التعرّف على المشكلات واتخاذ القرارات وتطوير أساليب إعداد الميزانية، والأخذ بأساليب جديدة في توزيع النفقات يعكس الأولويات الجديدة في التّعليم. كل ذلك في سياق من المتابعة الدقيقة من قبل الإدارة المركزية للتعليم للإدارات في المناطق من ناحية، وتفاعل حيوي في الاتجاهين من ناحية أخرى  .)2(

      2.        تمويل التّعليم :
تشير الإحصائيات إلى أن هناك تزايدا في الإنفاق على التّعليم منذ الثمانينات، وأن الدّول العربيّة تفوق مثيلاتها النامية والمتقدّمة بخصوص نسبة الإنفاق على التّعليم من الناتج القومي الإجمالي. وتشير أيضا إلى أن هناك تباينات كبيرة للغاية بين البلدان العربيّة فيما يختص بنسبة الإنفاق العام على التّعليم من الناتج القومي الإجمالي. ففي عام 1980، كانت الجزائر هي الدّولة العربيّة صاحبة أعلى إنفاق على التّعليم منسوبا للناتج القومي الإجمالي تليها المغرب، ثم مصر فتونس وموريتانيا وجميعها في إفريقيا، بينما كانت الدّول الخليجية الآسيوية (باستثناء السعودية) لا تتمتّع بهذه المكانة رغم ضخامة مواردها المالية وناتجها القومي الإجمالي آنذاك. على أنه في السنوات الأخيرة من العقد التاسع للقرن العشرين (93 – 1996) تغيّرت هذه الصورة نسبيا حيث وجدنا الأردن، وهي دولة فقيرة في مواردها الطبيعية، تعتلي الصدارة في هذا الصدد حيث بلغت النسبة المئوية للإنفاق على التّعليم عندها إلى الناتج القومي الإجمالي 7,1 % حسب الجدول،                                                                                                     وهي نسبة مرتفعة بكل المعايير، وقد جاءت بعدها تونس فالسعودية ثم الكويت.)1( ويوضح الجدول التالي تطوّر الإنفاق العام على التّعليم كنسبة من الناتج القومي الإجمالي للبلاد العربيّة في الفترة (1980 – 1996) :)2(

البلاد العربيّة
النسبة المئوية للإنفاق على التّعليم إلى الناتج القومي الإجمالي
1980 **
93 - 1996
الأردن
-
3 ,7
الإمارات
3 ,1
00 ,2*
البحرين
9 ,2
-
تونس
5 ,4
7 ,6
الجزائر
7 ,8
2 ,5
جيبوتي
-
8 ,3*
السعودية
1 ,4
4 ,6*
السودان
8 ,4
-
سوريا
6 ,4
2 ,4
الصومال
-
غ. م
العراق
00 ,3
غ. م
عمان
1 ,2
8 ,3
قطر
6 ,2
4 ,3
الكويت
4 ,2
7 ,5
ليبيا
4 ,3
غ. م
لبنان
-
5 ,2
المغرب
1 ,6
3 ,5
مصر
7 ,5
5*
موريتانيا
00 ,5
غ. م
اليمن
-
1 ,6
وتتزايد اليوم الأصوات المطالبة بضرورة إعادة هيكلة التّعليم في الوطن العربي على نحو يضمن الجودة ويحقّق الكفاية ويقلل النفقات. وهذا يقتضي الأخذ بعدة اعتبارات أهمها تبنّي هياكل مالية مرنة تحقق العدالة والمساواة في توزيع الاعتمادات الحالية، وتطوير أنظمة الحكم على الجودة النوعية، وزيادة الاعتماد على التمويل الذاتي، وإعادة صياغة الأولويات القومية بحيث يأخذ التّعليم حقه من الناتج المحلي الإجمالي والإنفاق العام، وتحريك حماسة الجمهور والمبادرات الشخصية للمشاركة في تمويل التّعليم العربي، والانفتاح على مبادرات المجتمع المدني والقطاع الخاص، والتفكير في صيغ وأساليب فاعلة لتجسير الفجوة بين مؤسسات التّعليم والمجتمع المحلي، والتوسّع في إدماج المعلوماتية وروافدها في التّعليم والإدارة. وينتظر أن يؤدّي التوسّع في الاستفادة من منجزات الثورة المعلوماتية في مجالات التّعليم النظامي وغير النظامي إلى تخفيض تكلفة التّعليم إلى أقصى حد ممكن. وسوف تكون له نتائج مباشرة وغير مباشرة على مسألة تمويل التّعليم.  )1(

(1) S. Farid., Fertility patterns in the Arab Region. International Family planning perspectives, vol 10, n° 4 ; December 1984.
)2(  محمد بن عبد الله آل ناجي، الإدارة المدرسية الفاعلة لمدرسي المستقبل  في القرن الحادي والعشرين. ندوة المعالم الأساسية للمؤسسة المدرسية في القرن الحادي والعشرين. المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم. الدوحة 6 – 10 مايو 2000، ص 24.
)1(  عبد الله عبد الدائم. مراجعة استراتيجية تطوير التّربية، المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم 1995، ص 1.
)2(  المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم : مرجع سابق، 1998. ص 39.
)1(  ضياء الدين زاهر : مرجع سابق، 2000، ص 11.
)2(  ضياء الدين زاهر. المرجع السابق، 2000، ص 12.
)1(  ضياء الدين زاهر. المرجع السابق، 2000، ص 6.
Previous Post Next Post