العناية بسنوات الطفولة الأولى، مطلب إنساني عريق نكاد نقع عليه لدى الأمم جميعها، قديمها وحديثها، مجّدته الثقافات المختلفة ورفعت من شأنه، وعلى رأس الثقافات التي أنزلته منزلة رفيعة الثقافة العربيّة الإسلامية. وفي العصور الحديثة، تطوّرت هذه العناية وأخذت أشكالا مختلفة وصورا متعدّدة بتعدّد البلدان وتباين مراحل نموها. فعرفت البلدان العربيّة التّربية المنزلية والكتاتيب في بادئ الأمر. وعرفت الدّول المصنعة رياض الأطفال منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتطوّر في هذه البلدان المصنعة منذ الخمسينات من هذا القرن، هذا النموذج في شكله ومضمونه، وظهرت القوانين والنصوص الرسمية تثري تحديد بنية هذه الرياض وأهدافها وبرامجها وطرائقها، وتزيد في تجويدها وتجديدها يوما بعد يوم. وقد عرفت الستينات بوجه خاص فورة عارمة في مجال تطوير رياض الأطفال في معظم أنحاء العالم. وقد يسّر ذلك كله، التطوّر الكبير الذي أحرزته الدراسات المتكاثرة بعلم نفس الطفل وبنموه الجسمي والعاطفي والعقلي والاجتماعي، إضافة إلى الاهتمام المتزايد الذي أولته المنظمات الدّولية وعلى رأسها اليونسكو واليونسيف ومنظمة الصحة العالمية لهذا الموضوع الحيوي.)1(
وعلى الرغم من الأهمية البالغة لمرحلة الطفولة باعتبارها محور العملية التربوية، إلا أن الاهتمام بهذه المرحلة لم يتبلور في صورة عملية مجدية في الوطن العربي. وإنّ التجربة في هذا المجال لم تصل إلى مستوى الطموحات.)2(
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد رياض الأطفال التي تضمها أربع عشرة دولة أجابت عن هذا الجانب في دراسة أعدتها اليونسكو يبلغ (10071) روضة. وتتوزّع هذه الأقطار من حيث حجم الرياض إلى ثلاثة أصناف : صنف به رياض يفوق عددها الألف وهي : مصر، والأردن، وسوريا، وتونس، وصنف ثان يتعدّى مجموع رياضه الستمائة وهي : العراق، والمملكة العربيّة السعودية، وفلسطين، وصنف ثالث يقل مجموع رياضه عن الستمائة وهي : لبنان، وقطر، والإمارات العربيّة المتحدة، والكويت، والبحرين، وسلطنة عمان، واليمن، وكما هو مبين في الجدول الآتي :
جدول رقم (1)
عدد الرياض وعدد الأطفال فيها لعام 1998 – 1999
اسم الدّولة
عدد الرياض
عدد الأطفال
المملكة الأردنية الهاشمية
1073
53197
دولة الإمارات العربيّة المتحدة
473
59390
دولة البحرين
152
14064
الجمهورية التونسية
1436
79012
المملكة العربيّة السعودية
982
99896
الجمهورية العربيّة السورية
1140
108319
جمهورية العراق
627
75038
سلطنة عمان
207
14426
دولة فلسطين
864
68119
دولة قطر
76
7961
دولة الكويت
144
42072
الجمهورية اللبنانية
56
7880
جمهورية مصر العربيّة
2725
316801
الجمهورية اليمنية
116
12809
الإجمالي
10071
958984
وبمقارنة هذه الأعداد بما توصلت إليه دراسة " واقع التّربية ما قبل المدرسية في الوطن العربي " عام 1983، نلاحظ أن قفزة نوعية حققتها بعض الأقطار، بحيث يتجاوز عدد الرياض فيها 3 أو 6 مرات العدد الذي حققته عام 1979. وينعكس هذا التطوّر في عدد الرياض على عدد الأطفال الذين يؤمّونها. فبالرجوع إلى نتائج الدراسة المشار إليها سابقا يتبين أن هذا العدد شهد نموا مطردا في أقطار عربية عديدة.)1(
وبمقارنة الأعداد والأطفال المنخرطين ببرامج رياض الأطفال مع إجمالي الأطفال العرب الذين هم في سن الدخول للمرحلة الابتدائية، نجد أن البون شاسع، وأن نسبة من يلتحق برياض الأطفال نسبة منخفضة تماما، وذلك لأسباب عدة أهمها عدم توافر هذا النوع من التّعليم خاصة في المناطق النائية، وعدم إدراجه بمرحلة تعليمية ضمن السلم التّعليمي الرسمي، وأحيانا ارتفاع الرسوم الدراسية للمؤسسات المقدّمة له، وعدم وجود الاهتمام والوعي الأسرى بأهمية هذا النوع من التّعليم.
وما زالت الدّول العربيّة بحاجة ماسة إلى بذل مزيد من الجهد في هذا المجال خاصة في مجال توفير خدمات التّربية المبكرة للأطفال، وإنشاء المؤسسات المتخصصة بإعداد وسائل التّعليم وأدوات اللعب والتجهيزات الخاصة والملائمة لرياض الأطفال، وإعداد القيادات العاملة في هذا الميدان، ورسم التشريعات الملائمة، وتوفير المعلومات البيبلوغرافية حول هذا الميدان.
واقع التّعليم الابتدائي في الوطن العربي :
كان الالتحاق بالتّعليم الابتدائي في الدّول العربيّة أهم الإنجازات في العقد الماضي. فمعظم هذه الدّول إما أنها حافظت على قدرتها الاستيعابية في الالتحاق المدرسي في الصف الأول الابتدائي (6 – 7 سنوات) وإما أنها حسّنت هذه القدرة. وتشير دراسات اليونسكو إلى أن ثمة أربع دول ما زال معدل الالتحاق الإجمالي فيها لهذا الصف متدنيا (82 % وما دون في نهاية التسعينات) هي : جيبوتي، السودان، موريتانيا، واليمن. وحيث يرتفع معدل الالتحاق ينخفض الفارق بين الجنسين (1 إلى 4 نقاط مئوية) وحيث ينخفض الأول يزيد الثاني (بفارق 10 نقاط مئوية). ولكن عند النظر في معدل الالتحاق الصافي بهذا الصف تتغيّر الصورة : تسع دول تظهر هذا المعدل مساويا لـ 82 % وما دون. وبالنسبة إلى مجمل التّعليم الابتدائي، فإنّ الالتحاق الإجمالي أظهر تحسنا ملموسا أيضا في الدّول العربيّة. فهناك ثلاث دول فقط ينخفض هذا المعدل فيها إلى 90 % وما فوق. وهناك دولتان أظهرتا تقدّما كبيرا في الالتحاق المدرسي الابتدائي بين أوائل التسعينات وأواخرها : السودان، وموريتانيا ورغم هذا التحسن، فإن الفوارق بين المدن والريف ما زالت عالية، والمشاركة الأنثوية في التّعليم الابتدائي هي دائما أدنى من مشاركة الذكور. ثم إن المشكلة تظهر بصورة أقوى مع معدل الالتحاق الصافي، فرغم التحسن الحاصل في التسعينات، فإن ست دول ما زال فيها هذا المعدل أقل من 80 %.)1(
وفي إطار تقويم التحصيل الدراسي للطلبة العرب والذي أجرته منظمة اليونسكو، أوضحت النتائج أن الكفايات التي اكتسبها طلبة المرحلة الابتدائية (الصف الرابع) بعيدة جدا عن المستوى المقترح في جومتيان، إذ لم يصل إلى هذا المستوى (80 % أو أكثر من الكفايات) سوى 12 % من الطلبة في اللغة العربيّة، و 10 % في الرياضيات، و 25 % في المهارات الحياتية. في اللغة العربيّة، لم تصل إلى مستوى الإتقان المستهدف المقترح في جومتيان (80 % من الطلبة) سوى دولتين (المغرب وتونس). وفي الرياضيات، لم تصل إلى هذا المستوى أي من الدّول المشاركة، بينما وصلت دولتان فقط إلى هذا المستوى في مهارات الحياة (الأردن وتونس). وعلى العموم فإن أداء الإناث كان أفضل من أداء الذكور، وأداء طلبة المدن أفضل من أداء طلبة الريف.)2(
استنادا إلى نتائج مشروع قياس تحصيل التّعليم المذكور آنفا، تبدو نوعية التّعليم الابتدائي في الدّول العربيّة ضعيفة، لا توفر حاجات التعلم الأساسية للطلبة، مما يعني أن هذه الدّول ركزت في المرحلة الماضية على توفير المقاعد الدراسية أكثر من تركيزها على تجويد التّعليم، ولهذا يشكل تحسين نوعية التّعليم تحدّيا أساسيا للدول العربيّة.
ومن بين مكونات مكتسبات التعلم، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار المهارات الأساسية لحياة أفضل. والكثير من الدّول العربيّة ضمنت غاياتها وأهدافها التّعليمية عناصر متصلة بهذه المهارات، من بينها التدريب المهني والصحة والبيئة والمواطنة، ووسائل الاتصال كأداة لنقل القيم والمعارف المتعلقة بهذه المهارات، ورغم ذلك، لم تحظ هذه العناصر الجوهرية عموما بالاهتمام الكافي، ولا تزال المعلومات حول اكتساب المهارات الأساسية المرتبطة بنوعية الحياة قليلة جدا.)1(
وبالنظر إلى أوضاع المعلمين في مرحلة التّعليم الابتدائي في الوطن العربي، نجد أنه وبالرغم من الجهود الحثيثة التي بذلت في مجال الإعداد والتأهيل والتدريب، لا يزال هناك الكثير مما يجب الالتزام به حول أوضاع المعلمين انسجاما مع إعلان التّعليم للجميع. فإنه مما لا شك فيه أن فاعلية النظم التربوية ونوعيتها تعتمدان على كفاية المعلمين. فالمعلم الواعي والكفء، هو أساس التغيير الاجتماعي المتسارع الذي بدأنا نلمسه في وطننا العربي، ومهامه أصبحت أكثر تعقيّدا وصعوبة.)2(
وتتفاوت الإحصاءات المتعلقة بالإنفاق على التّعليم الابتدائي في الدّول العربيّة من حيث دقتها وشمولها. والمتوافر منها يبيّن أن هناك تفاوتا قويا بين الدّول العربيّة : بعضها كانت النسبة فيها دون الواحد بالمائة (دولتان) وبعضها الآخر فوق 4 % من إجمالي ناتجها القومي. لكن اللافت للنظر، أن فئة الدّول التي أنفقت على التّعليم الابتدائي ما نسبته 3 % وأكثر، تجمع دولا غنية ودولا فقيرة : الجزائر، السعودية، اليمن، موريتانيا، والكويت. وإن الدّولتين اللتين أنفقتا 1 %، غير متجانستين اقتصاديا : لبنان، والسودان، والسبب أن الغالبية العظمى من الدّول العربيّة اهتمت بتعميم التّعليم الابتدائي في فترة التسعينات. لكن هناك فروقات جوهرية بينها في أمور أخرى. فقد ترتفع الحصة التي يقتطعها التّعليم الابتدائي بسبب ضآلة الناتج القومي، أو بسبب الاتجاه، ليس إلى توسيع التّعليم الابتدائي، بل إلى تحسين نوعيته كما هو الحال في الدّول الغنية، أو بسبب تركز الجهد في الإنفاق على التّعليم الابتدائي في القطاع الخاص كما هو الحال في لبنان، أو بسبب التوسع المطرد للقطاع الخاص كما هو الحال في الإمارات أو قطر.)3(
إن الإحصاءات المتوافرة، تبين أن الجهد في الإنفاق على التّعليم الابتدائي لم يتطوّر بالمقدار المطلوب لتأمين التّعليم للجميع في الدّول العربيّة، لا سيما بعدما تبين وجود نسبة 21.8 % من الطلاب الذين هم في سن التّعليم خارج المدارس في الدّول العربيّة مجتمعة. وتدنّي نسب الالتحاق المدرسي الابتدائي في عدد من الدّول العربيّة ذات الحجم السكاني الكبير و/أو الفقيرة. )4(
والواقع أن هناك مؤشرات مزعجة على تدني القيمة الحقيقية لمخصصات الإنفاق على التّعليم في البلدان العربيّة. لقد ارتفع الإنفاق على التّعليم في البلدان العربيّة بالأسعار الجارية من 18 بليون دولار عام 1980، إلى 28 بليونا في عام 1995. ولكن معدل الزيادة منذ عام 1985، كان أقل بكثير من الفترة (1980 – 1985). أما إذا أخذنا في عين الاعتبار معدلات التضخم وقد كانت شديدة الارتفاع في كثير من البلدان العربيّة نتبين أن القيمة الحقيقية للإنفاق على التّعليم في البلدان العربيّة كان في انخفاض منذ بداية الفترة المدروسة.)1(
)1( المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم. الاستراتيجية العربيّة للتربية السابقة على المدرسة الابتدائية. تونس 1996، ص 13.
)2( اليونسكو. التقرير الإقليمي : مرجع سابق، 2000، ص 9 –14 .
)1( المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم : الاستراتيجية العربيّة للتربية السابقة على المدرسة الابتدائية، 2000 تونس، ص 32.
)1( اليونسكو. التقرير الإقليمي : مرجع سابق، 2000، ص 15 – 26.
)2( وزارة المعارف، مجلة المعرفة. الأمية مستفحلة – الجودة متدنية. العدد 58 أبريل 2000. الرياض، ص 122.
)1( وزارة المعارف : المرجع السابق ص 123.
)2( اليونسكو. التقرير الإقليمي : مرجع سابق، 2000، ص 14.
)3( اليونسكو : التقرير الإقليمي : مرجع سابق، 2000، ص 27 – 28.
)4( اليونسكو : المرجع السابق، 2000 ص 35
)1( المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم. رؤية مستقبلية للتعليم في الوطن العربي، مرجع سابق، طرابلس 1994.