أكاذيب المؤرخين المستعمرين على البربر
ان المؤرخين الأوروبيين المستعمرين، وحداهم في ذلك بعض المؤرخين المحدثين المغاربة قد
رووا: ان ثمن الأرض التي اشترتها عليسة كان ملأ جلد ثور من الذهب، وان مساحة الأرض
كان ما يحيط به الجلد إذا اقطع سيورا دقيقة.  وبعضهم يصف البربر بالغفلة وعليسة
بالغش والخداع فيقول: انها فاوضت الملك البربر )يوباس( على ان يكون لها من الأرض
مقدار ثور، فعمدت إلى قطعه سيورا، فأخذت أكثر مما توهمه الملك البربري، واستطاعت
بدهائها ان تدفع الثمن القيل وتأخذ الأرض الواسعة !! ان هذا هراء، وأسطورة باطلة.
فما كانت عليسة لتخدع ملك البربر وقومه بهذه الحيلة، وهي تطلب وهم، وتعمل
لرضاهم،وتحرص على خلق الطمأنينة والثقة بها في قلوب البربر. وما كان ليوناس القوي
بنفسه وبقومه الشجعان الصناديد، ان يسكنوا لعليسة، ويتركوها تستقر هي وقومها
في المغرب، وهي تخدعهم، وتهينهم بهذه الحيلة. لو فعلت عليسة ذلك لثارت عليها
ثائرة البربر. ولفعلوا بها فعل البزاة الهائجة بالحمامة الضعيفة إذا أرادت ان تحتل وكر
البزاة !
ان عليسة كانت ضعيفة في المغرب. لم تكن لها قوة حربية، ولا جيش كبير يرهب
البربر فتستطيع الجرأة على )يوباس( وختله، وخداعه بهذه الحيلة المكشوفة. ألا ترى
كيف عمدت إلى الانتحار لما طلب الملك يوباس ان يتزوج منها. 35 انها لم تستطع ن تمنع
نفسها منه بعد ان تأسست قرطاجنة ورسخت عروقها في المغرب، وتلاحقت بها أفواج
غزيرة من فينيقيا، وانضم إليها قومها المنبثون في مراسيهم ومدنهم بساحل المغرب
الطويل فغزر جمعها، وتأيدت بهم في افريقية، فكيف تستطيع خداع يوباس، وهي
ضيف في المكان،وقومها وأنصارها جماعة يسرة وتلك الناحية.
ان الأوروبيين المولعين باحتقار البربر قد أرادوا بهذه القصة ان يوحوا إلينا ان أجدادنا
كانوا جهلا أغبياء متوحشين فاستطاعت امرأة ان تضحك على ذقونهم، وتخلبهم
بقليل من الذهب للماع فيزهدوا في أرضهم وفي وطنهم الجميل !! وما علموا ان التاريخ
ق شهد للبربر بالذكاء والدهاء، وبالفطنة والإباء في كل أدوارهم حتى في عهود بداوتهم
قبل ان يتحضروا.
لقد حب يوباس بعليسة وصحبها، ورحب بهم البربر لمعرفتهم بالفينيقيين قبلها
بعهود طويلة. هؤلاء الفينيقيون الذين أحبوهم، واستفادوا منهم علما وحضارة
وغنى، أنهم ظرفاء ! قد أورثهم البحر من مياهه سلاسة في الطبع،وهم يتصاعدون
إليهم من اليم كما تتصاعد السحاب كلاهما خير للمغرب وسبب ازدهار وعمران !
ان أشرعة سفنهم إذا لاحت لهم في اليم وهم مقبلون إليهم من فينيقيا ليرونها
أجنحة قي سيرها الله للمغرب لتطير به. وان الأمواج البيضاء التي تقدم سفنهم هي
العنوان الجميل لهم،وهي علامة على نيتهم البيضاء وقلوبهم البيضاء للمغرب. أنهم
يحبونهم، وان الفينيقيين بحسن نيتهم، وإعجابهم بالبربر، واحترامهم وحبهم لهم،
35 - انظر هذه القصة في صفحة من هذا الجزء.
وحسن معاملتهم قد جعلوا البربر يحبونهم. ان هذا الحب وهذه الثقة،  وذلك الإعجاب
بالفينيقيين هو الذي جعل الملك يوباس يرحب بعليسة وقومها، ويفسح لهم في بلاده،
ويرضى بإنشاء دولة لهم في أرضه، لا الذهب، ولا حيلة عليسة وهاؤها. وإذا كانت عليسة
قد قطعت جلد الثور سيورا أحاطتها بالمكان فما أحاطت به كان لها. إذا كان هذا هو
الوقع كما ذكر المؤرخون فان ذلك باتفاق مع البربر علموه وارتضوه.
ان ملأ جلد ثور من لذهب هو الثمن لمعقول يحيط به إذا قطع سيورا. سيما في
مكان خال من لعمران كمكان قرطاجنة، وفي ربوة على خليج قد يزهد البربر في
سكناها والانتفاع بها. أنهم يهبون لسكنهم الجبال المنيفة، أما الربي المنخفضة فقلما
يسكنونها.
ان البربر جنس كريم ذكي، قد أتاحه الله للمغرب فعمره وحماه من الأعداء في كل
العهود. ان المغرب وطنهم الأثير وهم أبناؤه الأوفياء. فما كانوا ليبيعوا جزءا منه بالمال
حبا للمال وحده. وما كان لأجنبي ان يخدعهم ويحتل أرضهم بالحيلة، سيما عليسة
وقومها. ان يوباس أكثر منهم عددا، وأقوى شوكة. يستطيع ان يبطش بهم ويبتلعهم
لو أحس منهم شرا.

Post a Comment

أحدث أقدم