تعريف الثقافة


بحث عن الثقافة

يعد مفهوم الثقافة أحد المفاهيم المقاربة لمفهوم الهوية والمتداخلة معها  إلى درجة هناك من يقول بأنهلا وجود للهوية خارج إطار الثقافة، أو لا معنى لمفهوم الهوية خارج إطار الثقافة( ). وتتم الإشارة إلى الثقافة في معظم الدراسات والأبحاث حول الهوية باعتبارها مرادفاً لمفهوم الهوية، ولذا نرى من الضروري أن نحدد ونعرف مفهوم الثقافة ونعرف مدى علاقتها بالهوية وموقعها فيها.

1- الثقافة لغةً
      لم تشهد كلمة ازدهاراً وانتشاراً ككلمة الثقافة، وليس هناك مفهوم أكثر تداولاً واستخداماً كمفهوم الثقافة، ومع ذلك يبقى الغموض والالتباس متلازمين كلما طرح الموضوع للنقاش( ). وهناك بحوث ومؤلفات تخصصت في رصد نشأة المفهوم واشتقاقته اللغوية*، الثقافة في العربية مشتقة من (ثقف) وجاء في المعاجم العربية القديمة والحديثة بمعانٍ مترادفة تقترب كثيراً من المفهوم الحديث، ففي (لسان العرب) جاء "ثقف الشيء ثقفاً وثقافة، حذقه، ورجل ثقف، حاذق الفهم، ويقال ثقف الشيء بمعنى تعلمه بسرعة، وثقف : ذو فطنة وذكاء والمراد به أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه"( ).ويشار إلى ثقف في المعاجم الأخرى بمعانٍ مماثلة أو قريبة على الأقل ، ففي  (المصباح المنير) جاء "تثقفت الحديث، فهمته بسرعة وتثقفته، أقمت المعوج منه"( ). وجاء الكلمة في أساس البلاغة بمعنى طلب العلوم والمعارف،تشير الكلمة أيضا إلى الذكاء والفطنة والمهارة والدقة والسعي لتحصيل المعرفة وتهذيب الفكر وصقله وتقويم الاعوجاج والبحث والتقصي( ). فالثقافة إذن تحمل في طياتها مستوى إدراكياً ومعرفياً كما تحمل مستوى عمليا وتطبيقياً.
      والثقافة في اللغة الإنكليزية هي استعارة لكلمة (Culture) اللاتينية التي كانت تستخدم للتعبير عن الفعاليات الزراعية والعناية بالأرض أي (تنمية المزروعات داخل الأرض)، والتي انتقلت إلى التعبير عن الواقع الاجتماعي (أي تنمية الأفكار داخل الإنسان)( ).

2- تعريف الثقافة
      لاشك أن أقدم تعريفات الثقافة وأكثرها ذيوعاً حتى الآن هو تعريف الانثروبولوجي (إدوارد تايلور E.B.Taylor- 1832-1917)، والذي قدمه في كتاب (الثقافة البدائية- 1871). والذي يذهب فيه إلى أن  "الثقافة أو الحضارة، بالمعنى الإثنوغرافي الواسع: هي كل مركب يشتمل على المعارف أو المعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد وكل القابليات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع معين"( ). ويقول (جان بيير فارنييه J.P.Warnier) في مناقشته لتعريف (تايلور)، إن الثقافة هي العنصر المتحرك في الهوية، لأنها البنية الحاكمة لجميع البنيات الفرعية، ولأنها تكتسب وتتطور وتتعدل (فلا يوجد في العالم مجتمع لا يملك ثقافته الخاصة، أما عن علاقة اللغة بالثقافة فيقول: اللغة والثقافة تتبادلان صلات وثيقة ذلك أن بعض المسائل التي يعبر عنها جيداً في لغة ليس لها مقابل في لغة أخرى، واستيعاب ثقافة يعني في المقام الأول استيعاب لغتها، ويؤكد (فارنييه) أن اللغة والثقافة تقعان في قلب ظاهرات الهوية( ). ومن هذا المنطلق تتحدد الهوية بصفتها مجموعة قوائم السلوك واللغة والثقافة التي تسمح لشخص ما أن يتعرف على انتمائه إلى جماعة اجتماعية ويتماثل معها، غير أن الهوية لا تتعلق فقط بالولادة أو بالاختيارات التي تقوم بها الذوات، لأن تعيين الهوية سياقي ومتغير فالواقع أن التقاليد التي تُنقل الثقافة عبرها، تبصم الإنسان منذ طفولته جسداً وروحاً بكيفية غير قابلة للمحو.
      وماعدا هذا التعريف، يمكن أن نعد أكثر من مائة وستين تعريفاً للثقافة لعلماء ينتمون إلى تخصصات مختلفة منها الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد والسياسة والجغرافيا، ومن الطبيعي أن يركز كل عالم يمثل تخصصاً معيناً على محكات معينة، وأن يعطي نقلاً لظواهر من الثقافة دون أخرى بحسب ماينصرف إليه اهتمامه النابع من تخصصه( ). وهناك من يقول بأنه عندما يستخدم العلماء الاجتماعيون مصطلح الثقافة، فإنهم يتحدثون عن مفهوم أقل تحديداً مما يشيع في الحديث اليومي، ففي العلوم الاجتماعية تعني الثقافة كل ما هو موجود في المجتمع الإنساني، ويتم توارثه اجتماعياً وليس بيولوجياً، بينما يميل الاستخدام الشائع للثقافة إلى الإشارة إلى الفنون والآداب فقط، فالثقافة –إذن- مصطلح عام يدل على الجوانب الرمزية والمكتسبة في المجتمع الإنساني( ).