العفة والحلم والعدل عند العرب في عصر الجاهلية




العفة والحلم والعدل عند العرب في عصر الجاهلية
الخصال الحميدة



العفة :
      وهي المحافظة على العرض ،ويرى المتلمس الضبعي أن من لم يعن بصون عرضه كان لئيما ، قال ( ) :
      ومن كان ذا عرض كريم فلم يصن  له حسبا كان اللئيم المذمما
فصاحب الأصل الشريف يجب أن يصون هذه الأمانة ، قال المثقب العبدي ( )  :
      يجعل المال عطايا جمة       إن بذل المال في العرض أمم
      لا يبالي طيب النفس به       تلف المال إذا  العرض سلـم

والعفة تقتضي فضلا عن تجنب العار ، وصون العرض – المحافظة على أعراض الآخرين ، ولعل هذا المظهر من أسمى مظاهر العفة ، قال عنترة ( ) :
      أغشى فتـاة الحـي عند  حليلها    وإذا غزا في الجيش لا أغشاها
      وأغض طرفي إن بدت لي جارتي   حتـى يواري جارتـي مثواها

وحاتم الطائي لا يمشي إلى بيت جارته حرصا على سمعتها ، وحفاظا على جاره ، وعدم خيانته ، قال ( ) :
      أذا ما بت أختل عرس جاري       ليخفيني الظلام فلا خفيت
      أأفضح جارتي وأخون جاري        معاذ الله أفعـل ما حييت
ولا نراه يطرق جارته بعد  هجعه الليل إلا بهدية تحمل ، ولا يتصبى عرس ابن عمه ، في غفلة منه ،قال ( ) :
      ولا نطرق الجارات من بعد هجعة   من الليل إلا بالهدية تحمل

وقال أيضا ( ) :
      وما تشتكيني جارتي غير أنني            إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
      سيبلغهـا خيري ويرجع بعلها       إليها ولم يقصرعلي ستـورها

ورثـت الخنسـاء أخاها صخرا بعفته ، وغضه الطرف عن النساء ، فقالت ( ):
      لم تره جارة يمشي بساحتها   لريبة حين يخلى بيته الجار
وامتدح النابغة عفة الغساسنة ، فقال ( ) :
      رقاق النعال طيب حجراتهم   يحيون بالريحان يوم السباسب
وافتخر الحادرة بعفة قبيلته ذبيان أمام سمية ، فقال ( )  :
      إنا نعف فلا نريب حليفنا      ونكف شح نفوسنا في المطمع

وزها أبو داود الإيادي بعفة نفسه وعزتها ،وطلب إلى باكيته أن تذرف الدموع على هذه الخصال ، فقال ( ) :
      إذا ما مت فابكيني لشيئين لا يقل          كذبت وشر الباكيات كذوبها
      بعفة نفس حين  يذكـرمطمـع            وعزتها إن كان أمر يريبها
الحلم :
      من يستقرئ الأشعار التي تعرضت للحلم يجدها تدور في معظمها حول معنيين : الأناة والعقل . والحليم كما يتبين من الشعر الذي عرض له ، هو الذي يوصف بالتأني والروية وضبط النفس عن هيجان الغضب ،كما يوصف برجاحة العقل ، وسداد الرأي .
      فمن الشعر الذي عبر بالحلم عن الأناة والروية وضبط النفس قول وعلة بن الحارث الجرمي ( ) :
      مـا بال مـن أسعى لأجبر عظمه   حفاظا وينوي من سفاهته كسرى
      أعود على ذي الجهل والذنب منهم   بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري
      أناة وحلما وانتظارا  بهـم غـدا    فما أنا بالواهي ولا الضرع العمر
وقوله أيضا حين قتل بعض أقاربه أخاه ( ) :
      قومي هم قتلوا أميم أخي             فإذا رميت يصيبني سهمـي
      فلئن عفوت لأعفون جللا            ولئن سطوت لأوهن عظمي

ولمعن بن أوس قصيدة تحكي فلسفته في الحياة ، فهو يصور حال صديقه الذي بادره بالإساءة ، وأصر على قطيعته ، وأمعن في سوء معاملته . ونراه يكظم غيظه ، ويتألق نجمه ببلوغه قمة الحلم ، قال ( ) :
      وذي  رحم قلمـت أظفـار ضغنـه بحلمي عنه وهو  ليس لـه حلـم
      وإن أعف عنه أغض عينا على قذى وما يستوي حرب الأقارب والسلم

نماذج مضيئة :
      فمن تلك النماذج ما تناقلته كتب الأدب والأخبار عن حلم قيس بن عاصم ، فقد ورد ان الأحنف بن قيس ، الذي يضرب به المثل في الحلم ، قال : تعلمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري ، بينما هو قاعد بفنائه ، أتته جماعة ، فيهم مقتول ومكتوف ، وقيل له هذا ابنك ، قتله ابن أخيك ، " ثم التفت إلى ابن له في المجلس ، فقال له : قم فأطلق عن ابن عمك ، ووار أخاك واحمل إلى أمه مئة من الابل ،فأنها غريبة ( ) .
      ومن هذا القبيل ما ورد أيضا عن الحارث بن عباد البكري من أنه كان من أحلم الناس في زمانه ، حتى أنه اعتزل حرب البسوس بين قومه وتغلب في البداية، آملا أن تصطلح القبيلتان ، وبلغ من حلمه أنه حينما بلغه مصرع ابنه بجير على يد المهلهـل بـن ربيعة ،قال : نعم القتيل إن أصلح بين هذين الحيين ، وسكنت الحرب به ( ) .



العدل :
      لقد أصبح واضحا لدينا من الشعر الجاهلي أن الإنسان العربي اعتمد في حياته على ضروب من القيم الخلقية التي كان لها نصيب وافر في تهذيب سلوكه تجاه الآخرين ، وتنظيم علاقاته الاجتماعية ، بحيث غدت قادرة على أن تجعله يعيش حياة أقرب إلى الأمن والاطمئنان منها إلى الخوف والاضطراب .
      وإذا كانت حياته القبلية قد دفعته ، غالبا إلى الاعتماد على القوة ، حفاظا على وجوده ، وحرصا على معاشه ، فإن القيم الخلقية ، والعدل منها خاصة ، قد كبحت في كثير من الأحيان ، ذلك الاندفاع ، منبهة إياه إلى حق الآخرين في الوجود والعيش .
      إن العدل والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه كانت لدى كثير من الشعراء الجاهليين منهجا في الحياة يدعون إلى التمسك به ، ولهذا نجد زهير بن أبي سلمى معجبا بقوم هرم بن سنان المري وساداتهم ،لما عرفوا به من عدل وصحة حكم ورضا بهما . حتى ان القبائل الأخرى تلجأ إليهم لحل ما يقع بينها من خلاف ، فيرضى الجميع بحكمهم وعدلهم ( ) :
      متى يشتجر قوم تقل سرواتهم        هم بيننا فهم رضا  وهم عـدل
      هـم جردوا أحكام كل مضلة        من العقم لا يلفى لأمثالها فصل
      بعزمـة مأمور مطيع وآمر         مطاع فلا يلفى  لحزمهـم مثل

وتبين لنا بعض الأشعار أن من أهم دواعي فخر الشاعر بنفسه أن يتحلى بالعدل والإنصاف ، فلا يميل به الهوى عن الحق ، خاصة إذا كان سيدا شريفا في قومه ، كشأن عامر بن الطفيل الذي يقول ( ) :
      فإن لنـا حكومـة كـل  يوم        يبين  في مفاصله  الصواب
      وإني سوف أحكم غيـرعـاد       ولا قذع إذا التبس الجـواب
      حكومة حازم لا عيب  فيهـا        إذا ما القوم كظهم الخطـاب




أخلاق العرب قبل الإسلام
الأدب العربي في العصر الجاهلي
ثقافة الالتزام الأخلاقي في الشعر الجاهلي
القيم الأخلاقية الإسلامية في الشعر الجاهلي
العفة والحلم والعدل عند العرب في عصر الجاهلية
الصفات الخلقية الحميدة في العصر الجاهلي
الادب في العصر الجاهلي
مكارم اخلاق العرب في الجاهلية
اخلاق العرب في العصر الجاهلي
الاخلاق الحميدة عند العرب في الجاهلية
اخلاق حسنه عند العرب قبل الاسلام
العادات السيئة عند العرب قبل الاسلام
ملخص الادب في العصر الجاهلي