ثقافة المواطنة

 تحليل مضمون الثقافة السائدة وتحليل أطر عملية التغيير الهادفة الى ايجاد ثقافة المواطنة بوصفها شرطاً أساسياً لنجاح أي عملية تحول ديمقراطي. علماً بأن عملية التربية والتعليم تشكل أحد وسائل إعادة إنتاج الثقافة السائدة أو تغييرها عبر ما تقدمه من قيم ومعرفة تستهدف تمكين الاجيال الناشئة من الخبرات التي تؤهلهم للاضطلاع بمتطلبات الحياة والقيام بالمهام الموكلة إليهم في المجتمع.
ولذلك سلطت الدراسة الضوء على واقع مقررات التربية المدنية والوطنية في عدد من الأقطار العربية، وهي: الأردن ومصر ولبنان؛ حيث ابرزت أوجه القوة والنقص التي تشوب المناهج من حيث مدى تضمنها لقيم المواطنة من منظور حقوق الانسان، وفيما إذا كانت قادرة على تعزيز العملية الديمقراطية وبناء أنظمة حكم رشيدة، بالاضافة إلى اقتراح القيم المرغوبة فيها لتدعيم مناهج التربية المدنية والوطنية في المراحل الدراسية المختلفة والتي قد تسهم في تحقيق الغايات المنشودة.
ويأمل فريق البحث أن تفيد هذه الدراسة بما تصل إليه من نتائج ذات دلالة في تحقيق الأهداف المنشودة، وأهمها بناء المواطنة من منظور حقوق الانسان وإعادة النظر في بناء مناهج مقررات التربية المدنية والوطنية فـي مراحل التعليم المختلفة في الدول العربية سواء على صعيد الأهداف أم المحتوى. كما يأمل ان يستفيد منها أصحاب المصلحة والمعنيين في مجالات التربية والمواطنة وحقوق الانسان في الدول مجتمع الدراسة بما يسهم في تطوير هذه المنهاج وتقويمها تماشياً مع التغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة جراء ثورات الربيع العربي وحركات الاصلاح الشاملة فيها. 
       مشكلة الدراسة وتساؤلاتها :
تواجه الدولة العربية الحديثة كثيراً من التحديات أخطرها أزمة المواطنة وما يصاحبها من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وقد أدت التغيرات التي شهدها العالم العربي جراء ثورات الربيع العربي عام 2011 إلى زيادة الاهتمام بترسيخ قيم المواطنة من منظور حقوق الانسان لدى الأفراد باعتبارها صمام أمان لتماسك النسيج المجتمعي في هذه الدول، ولنجاح عمليات التحول الديمقراطي ووقف إعادة انتاج قيم أنظمة الحكم السلطوية، خصوصاً وأن ثورات الربيع العربي قد لا تثمر عن تحولات ديمقراطية ملموسة طالما أن النظام التعليمي قد يعيد إنتاج قيم الاستبداد التي تغيب قيم المواطنة التي تشكل القاعدة الفكرية لازدهار الديموقراطية، علاوة على تعليم الطلبة قيما هي أبعد ما تكون عن ثقافة حقوق الانسان التي تقبل المساواة والتنوّع والتعددية والتسامح مع الآراء المختلفة.
ولما كان ترسيخ قيم المواطنة يتطلب إصلاح التعليم وتزويد الأفراد بالمعارف والقيم والمهارات التي تؤثر في استعداد الطلبة للمشاركة العامة وتساعدهم على التكيف مع المتغيرات ومواجهة التحديات، فإن تعليم قيم المواطنة يقع عادة في صلب عملية تعليم الطلبة المهارات اللازمة لانجاح العملية الديمقراطية. علما بأن الديمقراطية لن تتوطد في المجتمعات العربية إلا في ظل ثقافة حقوق الانسان التي تعلم المواطن كيف يفكر بحرية ويقبل التنوع ويحترم وجهات النظر المختلفة، ويسعى إلى المشاركة ويتحمّل المعارضة ويشجعها، سيما وان العالم اجمع على اعتبار حقوق الانسان شروطا موضوعية لترسيخ قيم المواطنة؛ إذ أنه لابد من أن تصبح المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات قيمة اجتماعية وأخلاقية وممارسة سلوكية، تعبر عن فضلية معاملة جميع المواطنين على قدم المساواة، دون تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس.   ولذلك ثمّة حاجة ملحّة لإصلاح التعليم من أجل تعزيز المواطنة من منظور حقوق الانسان إذا ما أريد للديمقراطية أن تترسخ في العالم العربي.
وعليه تسهم مقررات التربية المدنية والوطنية بشكل خاص، ومقررات الدراسات الاجتماعية بفروعها المختلفة التاريخ والجغرافيا واللغات والدين وغيرها بشكل عام، في تنمية قيم المواطنة لما تتضمنه من معلومات وقيم عن النظام السياسي ومؤسسات الدولة، والحقوق والواجبات الوطنية، والانتماء والولاء للوطن، وتعزيز الوحدة الوطنية، بالإضافة إلى تضمنها مفاهيم المساواة في الحقوق والواجبات، والعدل الاجتماعي، والتعاون والتسامح، وتقبل الاختلاف في الآراء والتعددية والمشاركة.  كما أنها تعكس واقع المجتمع وآماله وتطلعاته وماضيه وحاضره ومستقبله.
وفي هذا الصدد، فإن أحد أهم المشكلات التي تواجه المجتمعات العربية تتمثل في بناء المواطنة بمفهومها المعاصر القائم على حقوق الانسان، مما يتطلب إلقاء الضوء على دور النسق التعليمي في مجال إكساب قيم المواطنة من منظور حقوق الانسان، أو ما يطلق عليه "التنشئة السياسية الاجتماعية" التي تعتبر أهم وسائل بناء المواطنة وإنجاح عملية التحول الديمقراطي.
وفي ضوء ما تقدم تتمثل مشكلة الدراسة في السؤال الرئيس الآتي :" ما أبرز قيم المواطنة من  منظور حقوق الانسان المتضمنة في كتب التربية المدنية والوطنية لآخر صف من صفوف  المرحلة الثانوية في الدول مجتمع الدراسة (الأردن ومصر ولبنان)؟" ويتفرع عن هذا السؤال الرئيس الأسئلة الفرعية الآتية :
1-      ما مدى تضمن مقررات التربية المدنية والوطنية لقيم المواطنة من منظور حقوق الانسان في كتب الصف الأخير من صفوف المرحلة الثانوية في الدول مجتمع الدراسة؟
2-      كيف يعرض مفهوم المواطنة من منظور حقوق الانسان في مناهج التربية المدنية والوطنية في الصف الأخير من صفوف المرحلة الثانوية؟
3-      ما هي أوجه الشبه والاختلاف بين الدول مجتمع الدراسة في مجال تعليم المواطنة من منظور حقوق الانسان في مقررات التربية المدنية والوطنية؟
4-      ما هي جوانب القوة والضعف في منهاج التربية المدنية والوطنية في الدول مجتمع الدراسة من وجهة نظر أصحاب المصلحة والعلاقة؟
علماً بأن هذه الاسئلة تمكن فريق البحث من تحديد الدور الذي تقوم بها مقررات التربية المدنية والوطنية في غرس قيم المواطنة التي تتناسب ومفاهيم حقوق الانسان واتجاهاتها والدور المطلوب لبناء دولة تحترم المواطنة وحقوق الانسان.
       منهجية الدراسة:
استخدم فريق البحث منهج تحليل المحتوى (Content Analysis) للإجابة عن سؤال الدراسة الاساسي والاسئلة المتفرعه عنه التي تحمل الأرقام (1، 2، 3)، وذلك كي يتمكن من الكشف عن أبرز قيم المواطنة المتضمنة في مقررات التربية المدنية والوطنية لآخر صف من صفوف المرحلة الثانوية في دول مجتمع الدراسة (الأردن ومصر ولبنان)، حيث يصف هذا المنهج المحتوى وصفاً كمياً موضوعياً منظماً.
وجدير بالذكر أنه تم بناء أداة تحليل المضمون لتشمل فئات التحليل كافة قيم المواطنة من منظور حقوق الإنسان الواردة في الصكوك الدولية لحقوق الانسان، وخصوصاً أن هذه الحقوق متواشجة ومتلاحمة لا انفصال بين مكوناتها وأساسها المساواة وعدم التمييز بين المنتفعين بها. بالاضافة إلى الواجبات التي تضمنتها الصكوك الدولية لحقوق الانسان. كما تم الاستعانة في هذه الخطوة بالأدب النظري عن تعليم المواطنة وحقوق الانسان والدراسات السابقة ذات العلاقة بموضوع البحث. 
وبهدف الاجابة على السؤال رقم (4) من تساؤلات الدراسة، قام فريق البحث بتصميم استمارة خاصة بإجراء المقابلات مع اصحاب العلاقة والمصلحة  في الدول مجتمع الدراسة لتفسير النتائج التي خلص إليها فريق البحث في تحليل المضمون وبيان وجهات نظرهم في عوامل قوة وضعف المقررات الدراسية في تنشئة الطلبة على قيم المواطنة من منظور حقوق الانسان بالاعتماد على خبراتهم وتصوراتهم المرتبطة بالمواطنة.
علماً بأن الدراسة اقتصرت على مقررات التربية المدنية والوطنية  لآخر صف من صفوف المرحلة الثانوية للعام الدراسي 2011/2012، وذلك لسببين: الاول، أهمية هذه المرحلة العمرية التي يكون فيها الطلبة قادرين على الاستجابة لما يعرض عليهم من القيم سلباً أو إيجاباً، وعادة ما تسعى فلسفة التعليم إلى توظيف هذه القدرة لدى الطلبة للوصول إلى سلوك مرغوب فيه. والثاني، أن هذه المرحلة العمرية تمثل المرحلة الاخيرة من التعليم المدرسي التي يتبعها الانتقال إلى التعليم الجامعي أو الدخول في مجال العمل؛ أي أن هؤلاء الطلبة هم من سيقود ويشكل المجتمع والحكومة في المستقبل القريب.  وجدير بالذكر أن الاقتصار على المرحلة الثانوية يمكن فريق البحث من عقد المقارنات بين الدول مجتمع الدراسة، حيث تقتصر كتب التربية المدنية والوطنية في مصر على المرحلة الثانوية فقط.
كما ان اختيار هذه الدول الثلاثة من جملة الدول العربية بصفتها موضع الدراسة قد ارتبط بعدة اسباب يأتي في مقدمتها: حدوث تغيير في النظام السياسي المصري عقب ثورة 25 كانون الثاني، بما يعنيه ذلك من ان مصر يمكن اعتبارها احدى النماذج للاقطار العربية التي حصل فيها تغيير للنظام السياسي عدا عن كونها اكبر دولة عربية. اما الاردن فحاول التكيف مع ثورات الربيع العربي من خلال جملة من الاصلاحات السياسية والقانونية التي ادخلها الى بنية النظام السياسي، وهو يمثل عينة للاقطار العربية التي حاولت انظمتها السياسية التكيف التدريجي مع المتغيرات السياسية التي اعقبت ثورات الربيع العربي. وأما لبنان فيمثل احدى الاقطار العربية التي لم تتأثر بالشكل الذي تأثرت به الاقطار العربية الاخرى من ثورات الربيع العربي لأسباب عديده اهمها طبيعة نظامه السياسي والاجتماعي، بالاضافة الى ان لبنان كدولة يقوم على التعددية الدينية والمذهبية والسياسية. 




       صدق أداة تحليل المضمون وثباتها:
للتأكد من صدق أداة تحليل المضمون تم عرضها على ثلاثة خبراء مختصين في مجال دراسة المواطنة وحقوق الانسان ، حيث تم تضمين ملاحظاتهم في الأداة سواء المتعلقة بمدى شمولها وكفاية أبعادها، أو تلك المتعلقة بصياغة بعض الأبعاد أو المؤشرات الفرعية لها لتكون مفهومة وواضحة، الأمر الذي يفترض معه أن الأداة صالحة لقياس ما صممت لقياسه وأنها تتمتع بالصدق.
وقد قام رئيس فريق البحث وإحدى مساعدتيه – كل على حدا – بقراءة الدروس الواردة في المقررات عينة البحث قراءة واعية بهدف التعرف على قيم المواطنة من منظور حقوق الإنسان المتضمنة فيها، وكما وردت في أداة التحليل، ثم تحديد المدلول لكل وحدة من وحدات المضمون وتحديد المجال الذي تنتمي لها الفقرة (الترميز) . وهكذا تم تسجيل تكرار واحد لكل حق ظهر في المضمون الذي تم تحليله، أو كلما كان النص يؤدي في مفهومه إلى حق (الفكرة)، ثم جرى تفريغ نتائج التحليل في جداول تكرارية لكل كتاب.  وجدير بالذكر أن رئيس فريق البحث وإحدى مساعدتيه قام كل منهما ولوحده بقراءة الدروس الواردة في المقررات عينة البحث مرتين متباعدتين بمعدل عشرة أيام، ليتأكد كل منهما بأن الترميز الذي دونه على متن الكتاب لم يتغير، وفيما إذا كانت هناك تغيرات قد حدثت في التعرف على مفاهيم حقوق الإنسان المتضمنة فيها. وهذه الخطوة تسهم في جعل عملية التحليل أكثر دقة.
كما جرى حساب نسبة الاتفاق بين رئيس فريق البحث ومساعدته في تحليل الفقرات ، والتي بلغت 0.86، ثم استخراج معامل الثبات لعملية التحليل وفقا لمعادلة هولستي ، والذي بلغ 0.92، وهي قيمة مرتفعة تؤكد سلامة التحليل وثباته.  وفي نهاية المطاف جرى استخدام برنامج Excel  لتحليل البيانات رقمياً ومعالجتها واستخراج النتائج. 
       صعوبات الدراسة
واجه فريق البحث جملة من الصعوبات أثناء إعداده لهذه الدراسة، علماً بأنه تمكن من التغلب عليها وتجاوزها علمياً وفنياً، ويمكن ذكر أبرز هذه الصعوبات بما يلي:  
1.      تبني نظرية سياسية تربوية واضحة يمكن الانطلاق منها في صياغة مشكلة الدراسة وفرضياتها وتحليل النتائج وفقا لها، وقد كانت هناك أكثر من نظرية وجد أن أفضلها هي "النظرية التربوية النقدية".
2.      اختلاف النسق التعليمي بين الدول موضع الدراسة من حيث تعليم مادة التربية المدنية والوطنية بشكل مستقل أم عبر تضمينها في مناهج المقررات الدراسية الأخرى، وكذلك فيما إذا كانت تدرس ضمن جميع المراحل التعليمية أم مراحل تعليمية محددة،  وكذلك فيما إذا كانت هناك مصفوفة زمنية معتمدة بشكل رسمي من الدولة تراعي إدماج قيم معينة في كل مرحلة تعليمية وبشكل يحقق مبدأ التكامل والشمول أم أن هذه المصفوفة غير موجودة أصلاً.
3.      اختلاف طريقة التعبير عن الحق الوارد في مناهج الدول مجتمع الدراسة وطريقة التطرق اليه والتعامل معه، وقد اعتمد فريق البحث على عناصر الحق الموجودة في التعليقات العامة للجان التعاقدية الدولية ما أمكن ذلك لضمان إدراج هذا الحق في ضمن إطاره الواضح في عملية التحليل.
4.      كان هناك صعوبة في توزيع الاستمارة الخاصة بالمقابلات في الدول موضع الدراسة وخصوصاً مصر، خصوصاً في ظل محدودية الفترة الزمنية لتجهيز الدراسة بشكلها النهائي.
       التعريفات الاجرائية لمصطلحات الدراسة:
اولا: مفهوم  القيم:
تعرف القيم بأنها موجهات محددة للسلوك تظهر ضمن الثقافة العامة للمجتمع، وتتخذ أوجه طيبة أو شريرة أو بين ذلك، فهي بمثابة اعتقاد ثابت بنمط معين من السلوك بأنه افضل نمط سلوكي سواء على الصعيد الذاتي أو الاجتماعي.  وتعرف بأنها نماذج معيارية تحدد السلوك المرغوب في نظام معين تجاه بيئة معينة دون تمييز بين عمل الوحدات وأوضاعها الخاصة، ولذلك تمثل هذه القيم بؤرة التكامل بالنسبة لأي ثقافة، فتوجه السلوك والتصرف في بيئة معينة.  كما تعرف القيم بأنها "مجموعة من المقاييس التي تجعل فرد ما أو جماعة يصدر حكما نحو موضوع معين أو شيء ما بأنه مرغوب أو غير مرغوب فيه، وذلك في ضوء تقدير الفرد أو الجماعة بهذه الأشياء أو الموضوعات وفق ما يتلقاه من معارف وخبرات ومبادئ وما يؤمن به من مثل في الإطار الذي يعيش فيه، ويستدل على القيم من خلال أفعال وأقوال وتصرفات الفرد أو الجماعة".  وهكذا يمكن القول أن القيم مجموعة من المعايير التي يحكم بها على الأشياء بالحسن والقبح او باعتبارها تفضيلات يختارها الفرد، أو باعتبارها حاجات ودوافع واهتمامات واتجاهات ومعتقدات ترتبط بالفرد.
كما تقدم هذه التعاريف نتيجة أساسية مفادها أن التغيير الثقافي يسبق عادة التغير في البناء الاجتماعي، وهنا تلعب المدرسة دوراً أساسياً في إعداد الطلبة لأدوار مستقبلية من خلال تنشئتهم على قيم المجتمع الاساسية؛ أي أن بناء المواطنة يعتمد على نسبة السكان الذين يخضعون لاستراتيجية التحديث السلوكي، كما أن مظاهر الاصلاح السياسي والاجتماعي في أي دولة يجب أن يتماشى مع مظاهر الاصلاح الثقافي؛ وذلك كون الثقافة هي المعيار لنجاح أي اصلاح وتحقيق غاياته. 
ثانيا: مفهوم المواطنة:
انعكس سياق التطور التاريخي لهذا المفهوم على تعريفاته المختلفة، فانتقل من الإشارة إلى نسبة الانتماء التاريخي والثقافي والحضاري إلى بلد معين والشعور بالتعلق به أكثر من غيره؛ إلى تضمن أبعاد جديدة تتضمن الحقوق والواجبات والمبادرات والمسؤوليات تجاه النفس وتجاه الجماعة التي ينتمي إليها، وهذه الحقوق والواجبات لا تمارس إلا في مجتمع عادل وديمقراطي يحرص على المساواة وتكافؤ الفرص وتحمل أعباء التضحية من أجل ترسيخ هذه المبادئ وحمايتها وفتح أفاق ممارستها برؤية تتطلع إلى المستقبل بفعالية.
عرّفت المواطنة بأنها: "علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق، والمواطنة تدل ضمناً على مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات، وهي على وجه العموم تسبغ على المواطنة حقوقاً سياسية".   وتعرف بأنها الارتباط الاجتماعي والقانوني بين الأفراد، الذي يلتزم بموجبه الفرد اجتماعياً وقانونياً بالجمع بين الفردية والديمقراطية، ويكون الفرد مواطناً إذا ما التزم باحترام القانون واتباع القواعد ودفع الضرائب والمحافظة على أموال الدولة وأداء الخدمة العسكرية والإسهام في نهضة المجتمع المحلي وتحسين نوعية الحياة السياسية والمدنية للدولة.  كما تعرف على أنها تمثل وضعية أو مكانة الفرد في المجتمع باعتباره مواطناً، وبما يستتبع ذلك من تمتعه بمجموعة من الحقوق، والواجبات، والهويات التي تربط المواطنين بالدولة القومية التابعين لها.
ويمكن القول بأن المواطنة باعتبارها ظاهرة اجتماعية نمائية ذات طابع ارتقائي ثلاثة عناصر برزت على مدى عدة قرون من الزمن، فالجوانب والأبعاد المدنية للمواطنة التي برزت على السطح في إنجلترا خلال القرن الثامن عشر تزود المواطنين بالحقوق الفردية، مثل: حرية التعبير عن الرأي، وحق الملكية، والعدالة والمساواة أمام القانون. أما البعد السياسي للمواطنة الذي برز للمرة الأولى خلال القرن التاسع عشر فيمنح المواطنين كافة الفرص والإمكانيات اللازمة لممارسة السلطة السياسية المتاحة لهم، من خلال المشاركة في العملية السياسية في المجتمع. وأما البعد الاجتماعي للمواطنة الذي ظهر للمرة الأولى خلال القرن العشرين فيزود المواطنين بكافة الخدمات الصحية والتعليمية وخدمات الرفاهية اللازمة لهم، للمشاركة بشكل كامل في مجتمعاتهم الثقافية، فضلاً عن المشاركة في ثقافاتهم المدنية الوطنية.
خلاصة تعريفات مفهوم المواطنة أنها تحدد الحقوق وواجبات يفرضها انتماء الفرد إلى مجتمع معين في مكان محدد، كما أنها ترتبط بشعور الفرد نحو مجتمعه ووطنه واعتزازه بالانتماء إليه، واستعداده للتضحية من أجله وإقباله طواعية على المشاركة في أنشطة وإجراءات وأعمال تستهدف المصلحة العامة. وقد ارتبط المفهوم تاريخياً بالتطور في حق المشاركة في النشاطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بفاعلية ومسؤولية، فضلاً عن المساواة أمام القانون. ولذلك هناك خمسة جوانب رئيسة للمواطنة تتمثل في الأمانة نحو الناس الذين يشاركونه الانتماء إلى نفس الوطن، والاخلاص والشعور الداخلي بوجوب الاهتمام بمن يعيش ضمن نطاق الوطن، والاحترام الذي يبدي فيه الفرد سماحاً لآراء الآخرين ووجهات نظرهم وإن لم تتفق مع وجهة نظره ورأيه الخاص، علاوة على تقبل القوانين والأعراف السائدة. وأخيراً المسؤولية التي يتحمل بموجبها الفرد مسؤولية فردية نحو نفسه، ومسؤولية اجتماعية نحو المجتمع تؤدي إلى نموه.
ثالثا: التربية على المواطنة
يتفق معظم علماء الاجتماع السياسي والتربية على أن هدف التربية هو تحقيق المواطنة.  ولذلك يقصد بالتربـية على المواطنة عملية التنشئة الاجتماعية التي تستهدف بناء الفرد المتكامل والمتوازن في جوانب شخصيته فكرياً وروحياً واجتماعياً وإنسانياً، والواعي لحقوقه والملتزم بواجباته، والمؤمن بحقوق الإنسان ومبادئ العدالة والمساواة للناس كافة، والقادر على الإنتاج والتنمية والمبادرة المبدعة، والمعتز بانتمائه إلى وطنه، والمتحلي بالروح العلمية والموضوعية والسلوك الديمقراطي، والمتسم بالوسطية والتسامح والاعتدال. أي أن التربية على المواطنة هي تربية على ثقافة أداء الواجبات قبل أخذ الحقوق، وتربية على حقوق الإنسان والديمقراطية عبر منهجية شاملة تربط بين المعرفة والوجدان والأداء. بالاضافة إلى أنها تربية على ثقافة التسامح والحوار والسلام والمبادرة وخلق فرص عمل جديدة لا على التكيّف مع البيئة فقط، كما أنها تربية على الأسلوب العلمي، والتفكير النقدي في المناقشة والبحث عن الوقائع والأدلة وتحمّل المسؤولية تجاه حقوق الأفراد والجماعات بما يؤدي إلى تماسك المجتمع ووحدته. علماً بأن التربية على المواطنة تتمثل في ثلاثة أبعاد هي: البعد المعرفي والبعد الوجداني والبعد الأدائي أو السلوكي. 
وفي هذا الإطار يرى علماء الاجتماع والتربية أن للتعليم في المدرسة عدة وظائف أساسية من أهمها: نقل الثقافة والمعرفة والمعلومات في المجتمع، واكتساب القيم والميول والاتجاهات، ومن ثم تنمية قيم المواطنة وسلوكياتها. وهنا تؤدي المناهج المدرسية دوراً هاماً في بناء المواطنة لدى الطلبة بشكل خاص، وهذا يتطلب أن تقدم المناهج تصوراً واضحاً لمفهوم المواطنة وتساعد الطلبة على القيام بأدوارهم المستقبلية.
رابعا: حقوق الانسان:
على الرغم من شيوع استخدام مصطلح "حقوق الإنسان" في الأدبيات الحديثة بمختلف أصنافها الفكرية والسياسية والقانونية والتربوية، وكذلك في الخطاب السياسي المعاصر بشكل عام،إلا أن الباحثين اختلفوا في تعريفه باختلاف المدارس المعرفية والفكرية والأيديولوجية. ويمكن في هذا السياق تقديم تعريف إجرائي لحقوق الانسان على أنها ضمانات قانونية عالمية تحمي الأفراد والمجموعات من الأفعال التي تعيق التمتع بالحريات الأساسية وكرامة الإنسان، وإن أهم ميزات حقوق الإنسان ما يلي: أنها مضمونة دولياً، أنها محمية قانوناً، أنها تركز على كرامة الإنسان، أنها تحمي الأفراد والمجموعات، أنها ملزمة للدول والجهات الفاعلة فيها، وأنه لايمكن التنازل عنها أو نزعها، أنها متساوية ومترابطة، أنها عالمية.  وقد تم الاعتماد على الصكوك الدولية لحقوق الانسان في استخراج وتصنيف جملة الحقوق الانسانية التي ينبغي قياسها في مقررات التربية المدنية والوطنية.
       الادبيات السابقة:
هناك جملة من الأدبيات السابقة التي اعتمدت عليها الدراسة،  ويمكن تصنيفها إلى دراسات نظرية وأخرى تطبيقية، أما الدراسات التطبيقية فقد تناولت تحليل مناهج التربية المدنية والوطنية والاجتماعية،أو تناولت قيم المواطنة وتخطيط المناهج الدراسية في ضوئها، أو مدى تمثل الطلبة لقيم ومفاهيم المواطنة. كما تناولت هذه الدراسات مدى تضمن المقررات التربوية لمفاهيم حقوق الانسان، وقد خلص فريق البحث إلى جملة من النتائج التي تضمنتها الدراسات السابقة وأهمها:
1-      عكست هذه الدراسات اتجاهاً عالمياً للاهتمام بالمواطنة وتخطيط المقررات والمناهج الدراسية لتزويد الناشئة والشباب بجوانب التعلم اللازمة لإعداد المواطنة المسؤولة في المستقبل.
2-      كشفت نتائج الدراسات عن ضرورة الاهتمام بتطوير مناهج المقررات التربية الوطنية والاجتماعية لتقوم بالدور المنوط بها في التربية السياسية للناشئة، وإعدادهم للمواطنة المسؤولة في المستقبل.
لقد استفادت هذه الدراسة من الدراسات السابقة في إعداد الإطار النظري، وبناء أداة الدراسة، وتفسير وتحليل النتائج التي خلصت اليها، لكن ما يميز هذه  الدراسة عن غيرها من  الدراسات السابقة التي تناولت تحليل مضمون المواطنة هي انفرادها في تحليل قيم المواطنة من منظور حقوق الانسان المتضمنة في محتوى كتب التربية المدنية والوطنية لآخر صف من صفوف المرحلة الثانوية في عدة دول عربية، وبما يعنيه ذلك من دخول هؤلاء إلى مرحلة جديدة في حياتهم سواء على الصعيد العملي أم الدراسي. كما تشكل هذه الدراسة أساساً لإجراء دراسات أخرى في المستقبل سواء على صعيد تحليل مضمون قيم المواطنة من منظور حقوق الانسان في المقررات التعليمية داخل الدولة نفسها أو على صعيد إعداد دراسات مقارنة بين أكثر من دولة عربية أو على صعيد إجراء دراسات مشابهة في دول أخرى لم يتم التطرق إليها في هذه الدراسة. 
       الاطار النظري للدراسة: العلاقة بين المواطنة والتعليم والتغير الاجتماعي في المجتمع
لا تنفصل فكرة المواطنة عن الفلسفة السياسية الليبرالية التي ظهرت في القرن الثامن عشر، والتي ربطت المواطنة بنشوء الدولة كإطار اجتماعي لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم وممتلكاتهم في إطار سيادة القانون، كما شهد القرن التاسع عشر تطوراً في فكرة المواطنة من خلال تعزيز الحقوق السياسية بعد إقرار الحقوق المدنية، وبشكل خاص قبول مبدأ الاقتراع العام. بمعنى أنه لا يمكن فصل فكرة المواطنة عن فلسفة الأنوار التي بحثت في شرعية السلطة السياسية ومفهوم العقد الاجتماعي القائم على فكرة الإرادة العامة وأن الحكومة أداة ضمان الحرية وليست أداة قهر، وهو ما تبلور في مرتكزات النظام الديمقراطي بوصفه نظاماً لإدارة الصراع يسمح بالتنافس الحر على القيم والأهداف التي يحرص عليها المواطنون.  أما في القرن العشرين فقد توسعت فكرة المواطنة لتشمل حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعد التطور الذي حصل بإقرار الشرعة الدولية لحقوق الانسان وأسفر عن تشييد مفهوم "دولة الرعاية".
وفي هذه الصدد، أمكن تحديد أربعة أبعاد رئيسية للمواطنة تتمتع بدرجة كبيرة من الديناميكية والترابط الوثيق في إطار السياق الراهن للعولمة وما تحمله من متغيرات متنوعة، وهي: 
1.      البعد المدني للمواطنة الذي يشير إلى أسلوب حياة المواطنين في المجتمع الديمقراطي، ويتضمن مجموعة القيم التي تشمل حرية التعبير عن الرأي والمساواة أمام القانون، وحرية الاجتماع وتكوين الجمعيات والوصول إلى المعلومات. بالإضافة إلى القيود المفروضة على قدرة الحكومة في صنع واتخاذ القرارات المتعلقة بالمواطنين والجماعات والمؤسسات ذات المصالح الخاصة في المجتمع.
2.      البعد السياسي للمواطنة الذي يشير إلى مجموعة الحقوق والواجبات السياسية التي تضمن تمتع الفرد بالحق في التصويت والانتخاب والمشاركة السياسية وتقلد المناصب العامة.
3.      البعد الاجتماعي الاقتصادي للمواطنة الذي يشير إلى مجموعة العلاقات التي تربط مابين أفراد المجتمع في سياق اجتماعي معين, وتتطلب ضرورة تمتعهم بالولاء والإنتماء والتضامن الاجتماعي بالإضافة إلى حقوقهم في التمتع بالرفاهية والكفاية الاقتصادية، مثل: تمتعهم بالحق في العمل، والحد الأدنى من وسائل المعيشة وكسب الرزق، والعيش في بيئة آمنة.
4.      البعد الثقافي للمواطنة الذي يشير إلى مدى الوعي بالتراث الثقافي المشترك للمجتمع، وكذلك الاعتراف بأبعاد التنوع الثقافي وحقوق الأقليات، وتأكيد مبدأ المساواة القانونية وحماية الفرد من كافة أشكال التمييز التي تظهر بسبب عضويته في مجموعة أو فئة معينة في المجتمع .
أما على صعيد الجهود العلمية النظرية التي قدمت لتحديد طبيعة العلاقة ما بين التعليم والمواطنة والتغير الاجتماعي في المجتمع، فقد تمثلت بالأساس في مجال نظرية "التربية النقدية"،  والتي تقدم رؤية مختلفة لطبيعة العلاقة بين التعليم والمجتمع، حيث تقوم هذه الرؤية على المرتكزات التالية:  
1.      التعليم نشاط غير محايد، والمعرفة التي تقدم في المدارس ليست محايدة، وإنما منحازة لفئات اجتماعية على حساب فئات اجتماعية أخرى .
2.      التعليم نشاط سياسي وأخلاقي، ويجب النظر إليه في إطار علاقات السلطة وصراع المصالح، كما أن التعليم يفترض تصوراً عن الحياة والمستقبل، وينطلق من رؤية معينة عن المجتمع والذات الانسانية، ويؤثر هذه التصور والرؤية بشكل مباشر في تحديد مكانة الأفراد في المجتمع، وهذه كلها ذات أبعاد سياسية وأخلاقية، كما أن الطبقة الحاكمة هي التي ترسم للتعليم أهدافه بصورة تتفق مع سياستها ومصالحها.
3.      التعليم نشاط مسيّس لا يخضع تماماً للسيطرة الكاملة من جانب الفئات الاجتماعية السائدة، ولكنه ميدان للتناقض والصراع، فالمدارس ليست وسائل لمعاودة الانتاج الاجتماعي والثقافي فحسب، كما أنّ الفئات الاجتماعية المهمشة لا تتلقى الرسائل المعرفية للمدرسة بصورة سلبية دائماً، بل تقلبها حينا وتتكيف معها حيناً وتقاومها أحياناً أخرى .
4.      يمكن الاستفادة من مناخ التناقض والصراع السائد في المدارس لتغيير الجوانب السلبية ومحاولات إخضاع الطلبة لإتجاه سياسي أو ثقافي يعبر عن هيمنة السلطة السائدة. ولهذا يمكن استخدام المدارس كساحة عامة لمناقشة الشأن العام وتنمية وعي الأفراد بحال القهر واللامساواة في المجتمع، وتشجيعهم على تحمل المسؤولية المدنية والعمل بصورة إيجابية لمقاومة القهر ونشر الحرية والديمقراطية .
وبمعنى آخر تقوم رؤية نظرية التربية النقدية على ضرورة رفع مستوى وعي الطلبة بالمؤسسات الحالية وتفكيكها ومناقشة أهدافها ودواعيها؛ وذلك من أجل ادراك منظومة علاقات القهر وإدراك الفرد لمكانه في هذه المنظومة كخطوة أولى ثم السعي العملي لتغيير الوضع القائم. ولذا يؤكد مفكرو نظرية التربية النقدية على أن التعليم هدف ووسيلة للتغيير في الوقت ذاته لخلق مجتمع جديد، وهنا يبرز التزام المناهج المدرسية في توظيف الوعي النقدي والعمل النقدي في إطار مشروع سياسي للتغيير أو أن تكرس رؤية وعلاقات السلطة القائمة.  
ويخلص فريق البحث إلى أن المواطنة من منظور حقوق الانسان تمثل مشروعاً تربوياً للتغيير الاقتصادي والسياسي والثقافي في الدولة العربية الحديثة، وتنشئة أجيال على فهم حقوق الانسان والديمقراطية كوسيلة لازمة لممارسة الحقوق والحريات، بحيث يتم من خلالها تغيير علاقات السلطة ومنع إعادة إنتاج الأنظمة السلطوية وقيمها لفترة ما بعد الربيع العربي. ولذا فإن تبني المناهج الدراسية لمنظور المواطنة يتفق مع المبادئ الأساسية للحرية والعدالة والمساواة، كما يشجع الطلبة على أن يصبحوا مواطنين يملكون زمام السلطة في المجتمع، وفي الوقت نفسه يمثل تعليم المواطنة من منظور حقوق الانسان عملية لإعداد الطلبة للمشاركة في المجتمع، وتزويدهم بالمعرفة اللازمة للتعامل مع العالم المعاصر المحيط بهم، وهذه أهم شروط المواطنة الديمقراطية في عالمنا المعاصر.
       نتائج الدراسة:
فيما يلي عرض للنتائج التي تم التوصل إليها من خلال تحليل مضمون مقررات التربية الوطنية لآخر صف من صفوف التربية المدنية والوطنية في الدول مجتمع الدراسة (الأردن ومصر ولينان)، حيث سيتم عرض هذه النتائج تبعاً لترتيب أسئلة الدراسة على النحو التالي :
        أمكن احصاء (685) قيمة بواسطة التحليل الكمي للنصوص المدرسية في مقررات التربية المدنية والوطنية لنهاية المرحلة الثانوية في دول مجتمع الدراسة مرتبطة بقيم المواطنة الواردة في أداة تحليل المضمون، وقد أظهر التحليل أن لبنان يحتل المرتبة الأولى من حيث مجموع قيم المواطنة التي تم رصدها في منهجها المقرر ويليها الأردن، حيث يشكل مجموع كل منهما ما نسبته على التوالي 46.13% و44.67% من المجموع الكلي لقيم المواطنة. أما مصر فقد احتلت المركز الأخير في مجموع قيم المواطنة التي لا تزيد نسبة تمثيلها عن 9.20% من المجموع الكلي. وفي هذا السياق يشار إلى أن نتائج المقابلات في الدول مجتمع الدراسة أوضحت باجماع المستجوبين أن هناك حاجة ملحة إلى زيادة حجم المادة المتعلقة بغرس قيم المواطنة من منظور حقوق الانسان، كما ايد هؤلاء ربط المواطنة وقيمها المختلفة الواردة في مقررات التربية الوطنية بحقوق الانسان الواردة في المواثيق الدولية. جدير بالذكر أن المستجوبين في كل من لبنان والأردن افادوا  باحتواء مقررات التربية المدنية والوطنية في الدولتين على دروس تغرس المواطنة من منظور حقوق الانسان بعكس الحال مع مصر التي اكد المستجيبون فيها على غياب قيم المواطنة من منظور حقوق الانسان عنها.
        اظهر التحليل الكمي أن مجموع القيم المرتبطة بالمواطنة في مقررات الدول الثلاث يعد ضئيلا مقارنة بعدد الفقرات الكلي التي اشتملتها، حيث تضمنت هذه المقررات ما نسبته  13.68% من الفقرات التي أشارت إلى المواطنة من منظور حقوق الانسان من المجموع الكلي للفقرات الواردة في هذه المقررات. ومع ذلك يتضح أن لبنان كانت في المركز الافضل في درجة الاهتمام البالغة 69.82% تلاها الأردن 17.75% فمصر 12.34%، أي أن لبنان نال درجة متوسطة على مقياس درجة الاهمية ، بينما نال كل من الاردن ومصر درجة منخفظة جدا، أما على الصعيد الكلي فقد كانت درجة الاهتمام منخفظة جدا. علما بأن تحليل نتائج المقابلات في الدول مجتمع الدراسة تشير إلى نتيجة عامة مفادها أنه لم يتم مراعاة قيم ومباديء حقوق الانسان عند وضع مناهج التربية المدنية والوطنية من وجهة نظر الاشخاص الذين تم مقابلتهم وعبئوا الاستمارة، وهؤلاء كانوا يرون أن هذه هي إحدى نقاط ضعف مقررات التربية المدنية والوطنية، وكانوا يدعون إلى اعتماد مفاهيم حقوق الانسان الوارده في الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها دولهم كاطار عام عند وضع المناهج الدراسية بشكل عام ومناهج التربية المدنية والوطنية بشكل خاص.  
        توزعت قيم المواطنة التي تم رصدها على الوحدات القيمية الرئيسية، وتبين من التحليل أن قيم الحقوق الاجتماعية تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد تكراراتها في مقررات التربية المدنية والوطنية في دول مجتمع الدراسة، وذلك بمجموع قيم يصل إلى (122) قيمة تشكل ما نسبته 17.81% من المجموع الكلي لقيم المواطنة. ثم تلتها في المرتبة الثانية قيم الحقوق الثقافية التي وصل عددها إلى (95) قيمة تشكل ما نسبته 13.87% من مجموع القيم، ثم قيم الحقوق الاقتصادية في المرتبة الثالثة والتي بلغ مجموع القيم المرتبة بها (93) تشكل ما نسبته 13.58% من مجموع القيم. بالمقابل تدرجت باقي القيم في النسب التي حصلت عليها وكانت اقل قيم المواطنة تكراراً هي قيم الانتماء والوحدة الوطنية بنسبة 4.23%.  وقد تعزى هذه النتيجة إلى وجود ارادة عند واضعي مناهج مقررات التربية الوطنية والمدنية بالابتعاد عن البعد السياسي للمواطنة المرتبط بالحقوق والحريات العامة، كحرية تشكيل الاحزاب والجمعيات وحق الانتخاب وحرية الرأي والتعبير وغيرها، والاكتفاء بتلك الحقوق الاجتماعية والثقافية والمدنية التي لا تثير الجدل للأنظمة السياسية، وربما تكشف المقابلات التي تم اجرائها عن نتيجة مفادها: وجود مشكلات يعاني منها المجتمع في الدول الثلاث الا أنه لم يتم التطرق اليها وخصوصا تلك المشكلات المتعلقة بالشق السياسي من شاكلة الفساد السياسي والحفاظ على المال العام في الأردن والطائفية وارتباطها بالمحسوبية والعنصرية السياسية في لبنان والتعصب السياسي في مصر (مشكلة ظهرت ما بعد ثورة 25 شباط) سيما وأن الحقوق السياسية كانت نسبتها صفرا في المقرر المصري. وقد اشار تحليل استمارات المقابلات الخاصة بالدولة المصرية إلى أن احد أهم نقاط ضعف مقررات التربية الوطنية في مصر خلوها من الاشارة إلى الحقوق السياسية في محاولة منها لتجنب تعليم الناشئة ما قد يؤدي إلى خلق "اضطرابات سياسية" وتكوين "حركات احتجاجبة" على الأوضاع السياسية القائمة في الدولة.