حقوق غير المسلمين في الدولة الاسلامية

حق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي

حقوق غير المسلمين في ارض الاسلام

معاملة غير المسلمين في الاسلام

ماحق غير المسلمين على المسلمين الوارد في

غير المسلمين في المجتمع الإسلامي

ما حق غير المسلمين على المسلمين

من واجبات غير المسلمين في بلاد الاسلام

حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام

حقوق غير المسلمين في الدولة الاسلامية

حق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي

       مع تغير الأوضاع وبروز المستجدات في ظل التداخل الذي تعيشه المجتمعات الإنسانية في الواقع المعاصر، فإنه يثار على الساحة الفكرية في ظل المطالبات بضرورة تعزيز الولاء للدين ما يتصل بحق المواطنـة والجنسيـة.
       وعند الحديث عن حق المواطنة الذي يعتبر حقا قانونيا ترتبه الدساتير والأنظمة في مختلف البلدان، فإن ثمة إشكالية تثار بخصوص الانتماء للإسلام، فأما بالنسبة للكلمة الفصل لحقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، فإنها تنظمها الأحكام التي تتصل بالأمان وعقد الذمة، وبالنسبة لأوضاع المسلم في المجتمع غير المسلم، فهي مسألة تشعبت فيها الآراء، وتتصل بالاختلاف الفقهي حول تقسيم العالم إلى دار للحرب ودار للإسلام، وما يتصل بحكم إقامة المسلم وحصوله على الجنسية من دول لا يمكن أن تُسبغ عليها صفة الإسلام.

أولا: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي

       لا يمكن الحديث عن الأحكام التي ينبغي أن تفعّل بالنسبة لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي دون الخوض في بابين فقهيين من أعظم الأبواب التي تبرز احترام الإسلام لإنسانية الإنسان، وذلك دون النظر إلى انتماءه أو عقيدته، وهذان البابان هما: ( باب الأمان وباب عقد الذمة ).

·                  الأمــان: إن الأمان هو ما يعطى للمحارب بعدم الاعتداء على نفسه وماله وعرضه ودينه.[1]، والإسلام  منح هذا الأمان لرعايا المشركين، وهم من هم في عداوتهم للإسلام والمسلمين، ورغبتهم الجامحة في استئصالهم، ومع ذلك كله لا يتردد في إعطاء الأمان لهم، وهو ما يدل على حرص الإسلام على حقن الدماء، ورغبته فيما فيه مصلحـة الإنسانية. والأصـل في الأمـان قول الله تعالى: < وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ >.[2]
       قال الأوزاعي: ( هي إلى يوم القيامة، فمن طلب أمانا ليسمع كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته، ثم يرده إلى مأمنه )).[3] وعن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه )، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال: ( ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة، لا يقبل منه صرفا ولا عدلا ). [4]
       أما بالنسبة لما يترتب على الأمان، فإنه يتمثل بالتزام يقع على كاهل المسلمين يتمثل بالأمان متى صدر منهم أو من أحدهم مما يدل عليه، ولو كان احتمالا ولو لم يقصده الصادر منه. وبذلك تترتب حرمة دم المستأمن وماله والتعرض لـه، ويسري ذلك على كل من اشترط عقد الأمان عليه.[5]
       وحقيقة فإن المطبق حاليا هو نظام الدولة وقانونها، حيث أنه بمجرد دخول هذا المستأمن إلى بلاد المسلمين أيا كانت، فإنه يخضع لحكمها وقانونها مثله مثل أي مواطن، كما أنه يخضع لنصوص أخرى كذلك استثناء، ومنها على سبيل المثال ما يتعلق بعقوبة الإبعاد عن البلاد إذا ارتكب جريمة معينة ينص عليها القانون.
       كذلك بالنسبة لمدة الأمان، فهي الأخرى منظمة بقوانين الدولة التي يدخلها الأجنبي بغض النظر عن انتماءه - مسلما كان أو غير مسلم -. وقد أورد عبد العليم محمدين اختلاف الفقهاء من كون المدة مؤقتة بسنة، أو أنها مرتبطة حسب الغرض الذي دخل من أجله غير المسلم أو الأجنبي إلى بلاد المسلمين، وهذا الموضوع لا مسوّغ لذكره في ظل الأنظمة السائدة، حيث يتم التعامل وفق القواعد المنظمة لها لكل قانون على حدة، حيث لا تنظر هذه الدول التي يغلب عليها الإسلام إلى اعتبار الدين بالنسبة لمنحها لتأشيرة الدخول من عدمه، فهي تمتلك أنظمة للتأشيرة تتفاوت شروطها وقيودها حسب الدولة التي تتعامل معها وفق حدود العلاقة التي تجمع بينهما بما يسمى بالمعاملة بالمثل.
       إن هذه المسائل المتصلة بمنح الأمان وما يتصل به من أحكام أصبحت في الواقع المعاصر مقننة بأحكام وأنظمة وفق ما يتلائم مع ظروف كل دولة في علاقتها مع الأخرى، ولم يعد يُنظر فيها إلى أحكام الدين التي أصلها الفقهاء القدماء، بل أصبح الاعتبار فيها مبنيا على مدى التمتع بالجنسية من عدمه.
       كما أن ما ذكره هؤلاء الفقهاء إنما كان من قبيل الاجتهاد في النص الذي تختلف دلالته باختلاف الظروف والأزمنة، وأن الأمر يختلف في ظل الواقع المعاصر، حيث أصبحت معظم الأوضاع والعلاقات منظمة بقوانين تختلف ما بين كل دولة وأخرى، وهذا ومن دون شك مرهون بيد حاكم المسلمين الذي لـه أن يجري في ذلك ما يرى فيه المصلحة التي تحكمها الظروف الآنية التي يعيشها المجتمع الإسلامي.

·                  عقد الذمة: يعتبر عقد الذمة أداة لتنظيم أوضاع وحقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، حيث يتصل أهل الذمة في هذه الحالة برابطة المواطنة التي تجمعهم مع المسلمين ممن يعيش في دار الإسلام، هذا على خلاف المستأمنين الذين لا تربطهم هذه الرابطة.
لقد قرر الفقهاء بالنسبة لشروط أخذ الجزية الحرية والعدل والرحمة؛ ولهذا اشترط فيمن تؤخذ منهم الذكورة والتكليف والحرية. كما أن آية الجزية تدل على أن إعطاء الجزية لا بد وأن يكون عن قدرة وغنى، فلا تجب على امرأة ولا صبي، ولا عبد ولا مجنون. كما أنها لا تجب على مسكين يتصدّق عليه، ولا من لا قدرة لـه على العمل، ولا على الأعمى أو المقعد وغيرهم من ذوي العاهات، ولا على المترهّّبين في الأديرة إلا إذا كان غنيا من الأغنياء، والمجنون في ذلك حكمه حكم الصبي.
ثم إن الحكمة من فرض الجزية على الذميين إنما هي في مقابل فرض الزكاة على المسلمين حتى يتساوى الفريقان؛ وذلك لأن المسلمين والذميين يستظلون براية واحدة، ويتمتعون بجميع الحقوق، وينتفعون بمرافق الدولة بنسبة واحدة؛ لذلك أوجب الله الجزية عليهم لبيت مال المسلمين نظير قيامهم بالدفاع عن الذميين وحمايتهم في البلاد الإسلامية التي يقيمون فيها، حيث يجب - بعد دفعها - حمايتهم والمحافظة عليهم، ودفع من قصدهم بأذى.[6]. وهي  بذلك تعد بدلا عن عدم قيامهم بواجب الدفاع الوطني عن كيان الدولة وحماية المواطنين.
       وقد ذكر وهبة الزحيلي بأن المسيحيين وغير المسلمين ممن يعيش في الأقاليم الإسلامية اليوم لا تفرض عليهم الجزية؛ علل ذلك بأن الذميين القاطنين اليوم في بلاد الإسلام يلتزمون بالخدمة العسكرية، ويشتركون في الحرب ضد الأعداء، أو يكونون عرضة لذلك، وعليه فإنه لا تجب عليهم الجزية.[7]
       ومما لا شك فيه أن هذه الجنسية التي أصبحت تمنح دون نظر لدين المواطن على السواء للمسلم وغير المسلم من شأنها أن تفرض على الشخص اشتراط الحماية للبلد التي يحمي جنسيتها، وإن كان غالبيتها من المسلمين، وهذا ما جعل الزحيلي يتوجه إلى إسقاط الجزية عنهم، هذا فضلا عن أنهم ليسوا من أهالي الأقاليم المفتوحة، بل هم من أهل الدار، بل وأحيانا يشكلون نسبة كبيرة من أهل البلد.
        إن جميع التحفظات التي أوردها الفقهاء بالنسبة لما يتصل بعقد الذمة كلها تصب في أن غير المسلمين في ديار المسلمين ينبغي ألا يظهروا دينهم على دين الإسلام، وألا يمارسوا أنشطة الدعوة إلى ديانتهم، وأن يحترموا شعائر المسلمين، والمسلمون في المقابل ينبغي ألا يتعرضوا لهم. وقد ذكر     أبو الأعلى المودودي بأن الغرض من عدم إظهارهم لشعائرهم هو تجنب تصادمهم مع المسلمين، والعمل على كل ما من شأنه عدم إثارة الفتنة بينهم وبين المسلمين.
       وبذلك فإن القاعدة المقررة بالنسبة لعلاقة المسلمين بغير المسلمين في المجتمع الإسلامي تقوم على أن ( لهم ما لنا، وعليهم ما علينا )، وأن علينا أن نتركهم وما يدينون.


[1] نقلا عن معجم لغة الفقهاء، ص 69. وقد أورد هذا النقل الزحيلي – وهبة، آثار الحرب في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة، مرجع سبق ذكره، ص 489.

[2] التوبة 6.



[3] نقلا عن شرح منتهى الإرادات ( 2 / 122 )، وحاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع ( 4 / 269 ). وقد أورد هذا النقل الزحيلي – وهبة، آثار الحرب في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة، مرجع سبق ذكره، ص 490.





[4] نقلا عن صحيح البحاري، حديث رقم 187 - كتاب فضائل المدينة - باب حرم المدينة، حديث رقم 3179 - كتاب الجزية والموادعة  - باب إثم من عاهد ثم غدر، صحيح مسلم ( 2 / 999 )، كتاب الحج- باب فضل المدينة، سنن أبي داود =  ( 1 / 269 )، كتاب المناسك- باب تحريم المدينة - التعليقات السلفية على سنن النسائي، حديث رقم ( 4738 ) كتاب القسامة   باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس ( 5 / 144 )، وسنن ابن ماجة ( 2 / 895 ) – =     كتاب الديات - باب المسلمين تتكافئ دماؤهم. وقد أورد هذا النقل الزحيلي – وهبة، آثار الحرب في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة، مرجع سبق ذكره، ص 490.

[5]  نقلا عن كتاب السير الكبير ( 1 / 179 )، وفتح القدير ( 5 / 462 )، والبناية في شرح الهداية ( 6 /  524 )، والشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي ( 2 / 186 )، والوسيط في المذهب ( 7 / 45 )، والمغني لابن قدامة ( 13 / 75 ). وقد أورد هذا النقل عبد العليم محمد محمدين، العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سبق ذكره، القاهرة - مصر، ص 501.



[6] السيد سابق، فقه السنة، مرجع سبق ذكره، ص 67.






[7] الزحيلي – وهبة، آثار الحرب في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة، مرجع سبق ذكره، ص699