الملك غازي والكويت

  دعوة الملك غازي لضم الكويت:
 لعب الملك غازي دورا فاعلا في إثارة الشباب الكويتي المتحمس للتغيير من خلال اذاعته التي نصبها في قصر الزهور, وكان هدف الملك غازي في بداية الأمر هو مساعدة الشعب الكويتي في الاصلاح والتغيير على غرار ما حصل للعراق بعد انتهاء الفترة العثمانية , و بعدها فترة الأنتداب البريطاني, وحصوله على الاستقلال وانظمامه الى عصبة الأمم.
أضف إلى ذلك مطالبة الشباب الكويتي للملك غازي بالإنضمام الى العراق على اعتبار ان الكويت هي جزء من أرض العراق وكانت تابعة لولاية البصرة في الزمن العثماني. كما نشط في ذلك التاريخ الوازع القومي العربي نتيجة لهيمنة  الاستعمار البريطاني وتفتيت الوطن العربي إلى دويلات ومحميات بريطانية, كل ذلك وغيرها قد فرضت المطالبة بالتوحد مع العراق.
أقتنع أخيرا الملك غازي أمام الدعوات المتكررة من الشباب الكويتي , ومن اعضاء المجلس التشريعي المنحل, علاوة على دعم التيار السياسي العراقي المناهض للانكليز من القيام بعمل عسكري لأحتلال الكويت وضمها للعراق بالقوة. أستغل الملك غياب نوري السعيد رئيس الوزراء في لندن لحضور مؤتمر بخصوص فلسطين, فعزم على أحتلال الكويت. يقول ناجي شوكت نائب رئيس الوزراء في وزارة نوري السعيد في مذكراته " كان للملك غازي محطة بث لاسلكية يستعملها من قصر الزهور, وتحيط به عصبة فيها القومي القح, وفيها الجاسوس الألماني المتردي باللباس القومي, وفيها السافل الغر, والظاهر ان هذه الجماعات كانت تؤثر فيه وتوجهه الوجهة التي تريدها. وفي إحدى الليالي المعروفة قرر الملك غازي احتلال الكويت, فأصدر أوامره الى رئيس أركان الجيش بتنفيذ هذا الأمر بالاحتلال. وفي الوقت نفسه أتصل بمتصرف لواء البصرة على محمود الشيخ علي هاتفيا, وطلب اليه أن يسند قطعات الجيش العراقي المرابطة في البصرة لاحتلال الكويت.
وكنت ما أزال قائما بوكالة رئاسة الوزراء لأن نوري السعيد ما زال في لندن, وفي صبيحة اليوم الثاني من الإيعاز, طلبت للحضور في البلاط الملكي, فلما حضرت وجدت في غرفة رئيس الديوان رشيد عالي, كلا من وزير الدفاع طه الهاشمي, ووكيل رئيس أركان الجيش. فبادرني طه بالكلام قائلا: ان الملك أتصل برئيس الجيش وأمره أن يحتل الكويت, كما طلب إلى متصرف البصرة تيسير هذا الاحتلال. وأضاف طه الى كلامه هذا, ولكننا لم ننفذ الأمر لعلمنا أنه صدر في الأمسيات المعروفة, وعليك الآن أن تتدارك الأمر وتعالجه.
وصل الملك إلى البلاط الساعة العشرة على عادته, فدخلت عليه بعد الاستئذان الأصولي, فاستقبلني بأدبه المعهود,ثم سألني ماذا فعلتم لاحتلال الكويت؟ قلت له إنك لم تكلمني ياسيدي في هذا الموضوع, وإنما كلمت رئيس أركان الجيش رأسا, كما أتصلت بمتصرف البصرة هاتفيا, وجلالتك تعلم أن الملك مصون غير مسؤول , لا سيما في مثل هذه الأمور الخطيرة, ورئيس الوزراء ما يزال في لندن من أجل قضية فلسطين, وأنا بغيابه لا استطيع ان أقدم على مثل هذا الاجراء الخطر والخطير لأن المسؤول الأصلي غائب, فأن كنت مصرا على تنفيذ ما امرت به فأني سأبرق الى لندن حالا ليعود الى بغداد فورا, ولكن من واجبي أن ألفت نظر جلالتك الى نقطتين هامتين في الموضوع, أولهما أنه ليس من المصلحة أن يستدعي نوري من لندن لأنه قائم بمهمة خطيرة, والثانية ان في الامكان احتلال الكويت خلال 24 ساعة. ولكن هل تعتقد جلالتك ان كلا من بريطانيا وايران والسعودية سيقفون مكتوفي الأيدي ويرحبون بهذا العمل الجسيم ؟ أنهم سينقمون علينا أشد النقمة ويقومون بإجراءات لا قبل لنا عليها, فهل جلالتك مستعد لمحاربة ثلاثة دول في آن واحد ؟
لم تكن هناك ضرورة لكلام أطول, فقد قال جلالته قولا وجيزا: طيب لننتظر عودة نوري ولا حاجة للاستعجال. فعدت الى غرفة رئيس الديوان وقصصت على الموجودين ما حدث, فارتاح الجميع وانتهت القضية بسلام (1).
وهكدا أسدل الستار على أول عملية ضم للكويت عن طريق التدخل العسكري, قادها شاب قليل الخبرة والتجربة أمام حدث جسيم كهذا,على الرغم من مناداة الكويتيين المتكرره له بضم الكويت للعراق.
العوامل التي أفشلت مشروع الملك غازي بضم الكويت:
1- موقف رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد الموالي لللبريطانيين, وقد وقف بوجه الملك غازي, وقد اشار العدساني في مذكراته الذي حمل نوري السعيد مسؤولية اخفاق الملك غازي في قضية الكويت, ويقول " وقف نوري السعيد في طريق المتحمسين, يخوفهم تارة من عواقب الحركة المندفعة, ويمني الملك غازي بأن قضية الكويت من السهل حلها ولكن بالدبلوماسية السلمية مع الانكليز بدلا من الحركات العسكرية المجهولة النتائج" (2).
2- الانزعاج البريطاني من تصرفات الملك غازي الذي ألب الشباب الكويتي من خلال اذاعة قصر الزهور, حيث خلق معارضة فاعلة في الكويت تنوي بالإطاحة بحكم آل الصباح. وقد تعرض الملك غازي لضغوط من الانكليز يساندهم نوري السعيد في وقف بث اذاعة قصر الزهور, وقد تم فعلا وقف الاذاعة و قررعدم التعامل مع البرقيات المرسلة له بهذا الخصوص. ثم توفي بعد اسابيع قليلة من وقف بث الاذاعة بحادث اصطدام سيارته بعمود كهرباء في منطقة الحارثية حيث يقع قصر الزهور. وقد وجه الاتهام في حينها الى الانكليز والى نوري السعيد, فانطلقت المظاهرات في العراق تندد بالحادث, وقتل المتظاهرون القنصل البريطاني في الموصل (3).