السياسات المالية في لبنان و أثرها في التنمية



:السياسات المالية في لبنان و أثرها في التنمية
بسبب الحروب التي طالت لبنان و صراعه الدائم مع العدو الاسرائيلي و وجود ضغوط سياسية و اجتماعية يواجه لبنان مشاكل رئسية سواء علي مستوي التنمية الشاملة و المستدامة او علي مستوي  إعادة الاعمار الناتج من هذه الحروب, لذا كانت السياسات المالية للبنان غير منتظمة و غير و اضحة و أصبح لا محالة عاجلاً أم آجلاً تواجه تحدّي إعادة الهيكلة، إذ أنّه حسب الأسكوا الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتبع سياسات ماليّة غير قابلة للإستدامة، ويوحي تفاقم المؤشرات أنّ النقاش في جدوى السياسات المعتمدة أو عدمه هو مراوغة مكلفة للتحديات، وكذلك هو البحث عن الحلول رزنامة الإجراءات نفسها، فمع أنّها تمكّنت حتى الآن من منع الإنهيار النقدي فقد تسبّبت بانهيارات أخرى لا تقل عنها خطيرة.  
و التساؤل الذي يفرض نفسه هو أي إعادة هيكلة نريد: هل بزيادة تدخل الدولة غير المنظم، هل في ردها إلى وظائفها السياديّة وتفكيك بنيتها الاجتماعيّة والخدماتيّة، وترك التصحيح من ثمَّ لقوى السوق، أمّ أنّ المطلوب القيام بإصلاح يتسم بالتحدي والحذر في الوقت نفسه، ويتعامل مباشرة مع أسئلة مؤجلة ومستعصية وهل أنّها مستحيلة في ظلّ الأزمة أم أنّها مخرج لا بد منه لتخطّي الصعوبات، وأي هندسة مالية؟ لأيّ رؤية اقتصاديّة إجتماعيّة.
على صعيد شروط التنمية:
لا يمكن إنجاز أهداف التنمية خارج دورة إقتصاديّة تتصف بالديمومة والاستقرار، فالتحولات النوعيّة في الهيكل الاقتصادي العام ونظم الانتاج، تتطلب مراكمة متواصلة ومن دون انقطاع للمكاسب التي يؤمنها النمو، وهذا ما يستدعي بدوره رسم سياسات مؤاتية.
في لبنان أدت السياسات المالية والنقديّة دوراً سلبيّاً على الصعد ذات الصلّة باحتياجات التنمية، وخصوصاً منها:
·        تخصيص الموارد.
·        المخاطر العامة والمردود.
·        التنافسيّة والقدرة على اجتذاب الاستثمارات.
·        الانسجام بين الدورتين الماليّة والسلعيّة.
وتصّور مؤشّرات عدّة انعكاس هذه السياسات على بيئة التنمية، ومن بينها:  
   1- توسّع الدورة الماليّة للاقتصاد بوتيرة أعلى بكثير من توسّع الدورة الانتاجيّة، مما ولّد حقوقاً نقديّة لدى دائني الخزينة لا تقابلها أصول حقيقيّة. وبحسب البنك الدولي  فإنّ الدين العام الضخم في لبنان والودائع المصرفيّة هما إلى حدٍّ ما وجهان لعملة واحدة، حيث يقدّم تراكم العجز تفسيراً معقولاً لارتفاع حجم موجودات القطاع المصرفي إلى أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج. وترتب على هذه الظاهرة جملة نتائج، أهمها: انحراف التسليف نحو المجالات الإقتصادية غير المجدية، وزيادة مباشرة في التكاليف، تشويه إضافي في بنية المداخيل، وفي توزيع حيازة الأصول السائلة.
   2- تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلّي الحقيقي حوالي 4% في الفترة 1995-2004، بالتزامن مع زيادة الميل المتوسط للإستهلاك. يلاحظ هنا نشوء ظاهرة الطلب المرتبط بالتدفقات وليس بالمداخيل، مع العلم أنّ هذه التدفقات غير مغطاة على نحو كامل بأرصدة حقيقة، وإنما بذمم مالية لا يتوقع لها التسوية، نتيجة التضخيم المفتعل في القيمة الحقيقية للأرصدة المتداولة. و كان من نتائج رفع التوقعات المالية والشرائية للأفراد، تأزيم الأوضاع المالية للأسر، فحوالي    35 % منها اضطرت للإستدانة لتغطية إحتياجاتها، وترتفع هذه النسبة عند الفئات الأفقر إلى أكثر من 45 % بينما لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الإدخار 13.3 %.
3- التأثير على هيكل التكاليف في الاقتصاد، بفعل السياسات المالية والنقديّة المعتمدة، وبتأثيرٍ من تضخّم الدين الحكومي.
4- تراجع عدالة توزيع المداخيل: وذلك بين الشرائح الاجتماعية التي تتأثر بالسياسات المالية والسياسات النقدية. و بين المناطق، بين الريف والمدينة
و من المعروف أن لبنان بعد الحرب المتعددة و التي المت بها كانت بحاجة ماسة إلى تخصيص للموارد يتناسب مع احتياجات النمو والتنمية والإعمار، المتمثلة على نحو رئيسي بـ: نمو مستدام؛ توظيف أفضل للتكنولوجيا؛ استيعاب للطاقات الماهرة؛ بنية تحتية متكاملة تتصف بالجودة؛ عدالة في التوزيع وإعادة التوزيع؛ مزايا تنافسيّة على المستوى الإقليمي؛ قدرة على تعبئة الموارد البشريّة والماديّة في الداخل. لكن الذي حدث هو أنّ ضخامة الأموال المتدفقة من الخارج وانضمامها فوراً إلى دورة تمويل الدين العام، تسبّب في نمو الطلب بمعدلات تفوق مستوى نمو الناتج. وقد نشأ عن ذلك: زيادة في أسعار منتجات القطاعات الاحتكاريّة، وأسعار السلع والخدمات غير الخاضعة للمنافسة الخارجيّة. كما أنّ ضعف الأساس الإقتصادي للنظام الضريبي وتفاوت معدلات الضريبة بين قطاع وآخر لأسباب ماليّة صرفه، أدّى إلى إخلال مشابه في توقعات المستثمرين. و كانت النتيجة الأبرز لتشوّه الأسعار النسبيّة سوء تخصيص الموارد وذلك على النحو التالي:
·        نمو القطاعات المنتجة للخدمات على حساب القطاعات المنتجة للسلع التبادليّة.
·        ارتباط الاستثمار والاستهلاك بحجم الموارد الماليّة أكثر من ارتباطها بالناتج.
·        ربط النمو والتوازنات الأساسيّة بقطاع عام غير منظم .



وتتمثل على نحو رئيسي بالآتي:
§        ضعف الإدارة الاقتصاديّة والإنمائيّة.
§        سياسات ماليّة ونقدية قصيرة الأمد.
§        تدخلات غير منظمة للدولة.
§        التبعية الاقتصادية
و لا تنحصر مشكلة إدارة برامج التجهيز والإنماء في البرمجة والتخطيط، بل تتعداها لتشمل التنظيم والتنفيذ وطريقة تحديد الحاجات ومستوى إشباعها، وقد تكثّفت هذه الإخفاقات مع تصاعد الأزمة الإقتصاديّة والماليّة لتحدث تحوّلاً حاسماً في تركيبة العناصر المؤثرة على قرارات التنمية، بحيث باتت أسيرة قواعد العمل التالية:
أ‌-       ربط مشاريع التنمية والتجهيز بالتمويل المتاح، بمعزل عن كلفة هذا التمويل وطرق الحصول عليه و تأثيره على حجم الدين العام
ب- أولوية الأهداف النقديّة والماليّة على الأهداف الاقتصاديّة والانمائيّة. يلاحظ في هذا المجال أنّ برامج التنمية كانت تتباطأ في الحالات التالية:
عندما كانت تتعارض مع أولوية دعم الليرة ودعم استقرار الأسعار، و ارتفاع مستويات العجز وتزايد معدل الدين العام/الناتج المحلّي.
  ج- التوافقات السياسيّة الموضعيّة والمؤقتة والتي يتطلّب تجديدها نفقات تعويضيّة باهظة، فمن دون ذلك لم يكن ممكناً مواصلة تنفيذ ما يعرف بالمشروع الإعماري الذي لا يحظى بقاعدة سياسيّة واجتماعيّة عريضة.
و من المعروف أن السياسات المالية والنقدية قصيرة الأمد التي يتبناها لبنان أدّت على المدى المتوسط إلى إبطاء النمو وإحباط عوامل التنمية علي مستوي جميع القطاعات.
من أهم دروس الأزمات المالية، هو أنَّ عزل السياسات بعضها عن بعض، والفصل بين مسارات النمو والتنمية والإعمار، نجح مؤقتاً في نقل الأزمة من حيِّز اجتماعي إقتصادي إلى آخر، لكن لم يمنعها لاحقاً من التمدد والاتساع بل الارتداد نحو مصدرها، حين عجزت الأدوات المتاحة عن استيعابها. ويمكن البناء على ذلك للتأكيد على أن لجم تصاعد الأزمة لا يتسنى ضمن آلية حسابية مبسَّطة بل في إطار تكيِّف حي له نتائجه المادية والبشرية، وتكاليفه المؤلمة والباهظة.