الاثنين، 3 أبريل، 2017

خصائص الدولة الحديثة

بحث عن الدولة الحديثة
خصائص الدولة الحديثة
لإبراز وتشخيص مميزات وخصائص الدولة الحديثة، يقارن الباحثون بين الدولة الحديثة والأنساق السياسية السابقة لها. وفي هذا الصدد، يقول (جوزيف شتراير)، بأن؛ تجزؤ للسلطات، وعدم الاستقرار المكاني، أي غياب الديمومة في المكان والزمان للوحدات السياسية، والولاء الشخصي، وشخصنة السلطات كانت مميزات الكيانات القديمة مثل الاقطاعيات والإمارات ماقبل نشوء الدول الحديثة( )، ويشير أيضاً أنه في العالم القديم، كانت الدول تنتسب، إجمالاً إلى فئتين، الإمبراطوريات الكبيرة ذات التلاحم الضعيف، والوحدات السياسية الصغيرة، المندمجة بقوة، مثل الحاضرة اليونانية وكان لكل من هذين النموذجين نواحي ضعفه؛ لقد كانت الامبراطوريات تتمتع بالقوة العسكرية، لكنها لم تكن تستوعب سوى قسم صغير من سكانها في العملية السياسية أو في أي نشاط آخر يتجاوز المصالح المحلية المباشرة، والحاضرة (دولة-مدينة) لم تكن تستطيع أن تحل مشكلة استيعاب أراض واسعة أو سكان جدد، لكن كانت دولة تصبح تارة نواة لامبراطورية، وتتحول إلى الامبراطورية، أما الدول الحديثة استطاعت أن تجمع مابين قوة الامبراطوريات القديمة والتلاحم الاجتماعي عند الدولة-المدينة حيث نجحت الدولة الحديثة في إعطاء شعور بالهوية المشتركة للجماعات المحلية( ). لذلك فإن الدولة الحديثة قوية وواسعة بصورة كافية( ).
ويقول (محمد سعيد طالب)، بأن الدولة الحديثة هي شكل أرقى من الدول السابقة، تستند إلى الفصل بين الديني والدنيوي (العلماني) والسياسي والمدني، وتنبثق من الإرادة العامة التي هي تعبير عن مجموع الإرادات الفردية( ). ويشير (شارلز تلي) بأن الدولة الحديثة هي الدولة-القومية، وهذا مايميزها بشكل جوهري عن الأنساق السابقة، ويضيف بأن الدولة الحديثة، حكمت شعبها (محكوميها) بصورة مباشرة، مثل دويلات المدن القديمة، ولكن في ظل الامبراطوريات حكمت كل دولة، رعاياها عبر وسطاء أقوياء تمتعوا باستقلالية واسعة عطلوا مطالب الدولة (السلطة المركزية) التي تعارضت ومصالحهم وحققوا أرباحاً لحسابهم الخاص من تفويض سلطات المركز لهم، وحصلت قومنة القوة المسلحة (التحول من الاعتماد على المرتزقة إلى تجنيد المحاربين في صفوف السكان المحليين الوطنيين، وهذا ماتجلى في فرنسا بعد الثورة 1789م)( )، ومهدت لأوربا الانتقال من الحكم غير المباشر إلى الحكم المباشر ومركزية الحكم، وبدأ التوسع الأكثر درامية في نشاط الدولة، حيث ازدادت واجبات الدولة تجاه المواطن صحيح أيضاً، حيث إن الدولة تراقب الصناعة وظروف العمل وتقييم وتنظيم النظم الوطنية للتعليم، وتنشئ وتصون خطوط الاتصالات وتفرض الرسوم لصالح الصناعات المحلية وتشرف وتراقب آلاف من النشاطات الأخرى، وأصبح المواطنون يطالبون بحقوقهم منها في  ميادين شديدة الاتساع تمتد من الحماية إلى القضاء. والى الانتاج والخدمات والتوزيع، وعلى الصعيد الداخلي تولت الدول فرض لغة وطنية رسمية وخدمة عسكرية وطنية وأشياء اخرى، وعلى الصعيد الخارجي فقد بدأت بالسيطرة على التحركات عبر الحدود، واستخدام التعرفة والرسوم كأدوات للسياسة الاقتصادية، ومعاملة الاجانب كأنواع مميزة من البشر، تستحق حقوقاً مجددة وتخضع للمراقبة، وتوحدت اللغات القومية، وانتظمت أسواق العمل والاقتصاد الوطنية وأخذ الجنود يمثلون الأمة، والسكان المدنيون يتحملون حرمانات ومسؤوليات مشتركة ومن بين العواقب الأخرى أخذت الخصائص السكانية بالتقارب داخل الدولة الواحدة والتباعد الأكبر بين الدول( ).
ويحدد (زهير شكر) أربعة معايير للتمييز بين الدولة الحديثة وأشكال الحكم السابقة مثل (الإمارات، الامبراطوريات، الدويلات، المدن، القبائل، الإقطاعيات...)، وهي كالآتي( ):

1) معيار الاستمرارية: حيث كان ظهور الدولة الحديثة نتيجة للتمييز الذي حصل بين السلطة وبين أشخاص الحكام، وهذا مايفسر المثل الفرنسي (مات الملك، وعاش الشعب)، أي مفهوم استمرارية الدولة بمعزل عن شخص الحاكم، ففي الماضي لم يكن للدولة استمرارية، ففي كل تغيير للحكام كانت تحدث أزمات وحروب أهلية، تختفي معها الدولة مؤقتاً أو يتغير شكلها وتكوينها، إذاً المعيار الأول هو، قيام مؤسسات سياسية غير شخصية، ودائمة نسبياً، وبروز فكرة فصل السلطة عن شخص من يمارسها، وهناك من يعتبر الثورة الفرنسية (1789م) هي بداية التحول نحو الفصل بين شخص الحاكم والدولة على اعتبار أن هذا الفصل هو وحده الذي يكفل خضوع الحكام لسياق القانون، كما أنه شرط ضروري لقيام النظام الديمقراطي القائم على سيادة الشعب( ).
2) معيار الحدود الثابتة: ولكي تتحول الجماعة البشرية المنظمة إلى دولة، لا بد من ثباتها في المكان بصورة كافية للعيش والعمل المشترك على أرض معينة، وطوال فترة من الزمن تتبلور لدى جماعة بشرية معينة النماذج التنظيمية الأساسية لتشييد أسس الدولة، لأن الدولة الحديثة ترتكز على مؤسسات دائمة، ومن الصعب إنشاء هذه المؤسسات ما لم يوجد مركز جغرافي ثابت تستطيع الجماعة الداخلية فيها أن تبني نظامها السياسي( ).
3) معيار السيادة: إن وجود مؤسسات مستقرة وثابتة فوق أرض محددة لا يكفي لوجود الدولة، فلا بد من أن يكون لهذه المؤسسات مكانة وسلطة، أي لا بد من تمتعها بالسيادة( ).
4) معيار المصلحة العامة: حيث يكون مشاعر الولاء تجاه الدولة نتيجة لاقتناع المواطنين بضرورة إعطاء الأولوية لمصالح الدولة التي تمثل الخير الجماعي الأعلى( ).
       وهكذا فإن ظهور الدولة الحديثة كان نتيجة لتبلور وحدات سياسية دائمة، وثابتة ومستقرة في إطار حدود جغرافية، وتطور مؤسسات دائمة وغير شخصية، والاقتناع الجماعي بضرورة وجود سلطة عليا وشيوع نزعة الولاء لهذه السلطة.
       ويشير (أنتوني غدنز) إلى الخصائص التي تميز الدولة الحديثة ويجمعها في النقاط الآتية( ):-
1)    السيادة: فالأراضي التي حكمتها الدول القديمة كانت غامضة الحدود إلى حد بعيد، مثلما كانت درجة السيطرة التي تفرضها عليها الحكومة المركزية ضعيفة جداً.
2)    المواطنية: فأغلب سكان الدول التقليدية القديمة لم تكن لهم أية حقوق سياسية أو صلاحيات تنفيذية، واقتصر الإنتماء للجماعة السياسية العامة على الطبقات المهيمنة أو الفئات المرفهة في العادة، وعلى العكس من ذلك، فإن أكثر الناس الذين يعيشون داخل حدود أنظمة سياسية في المجتمعات الحديثة يعتبرون أنفسهم جزءً من الدولة، رغم وجود لاجئين سياسيين أو مهاجرين، فإن جميع الناس هم أعضاء في نظام سياسي وطني محدد*.
3)    القومية: الدولة الحديثة تعتبر دولة قومية تطبق فيها فكرة المواطنة والإقرار بأن للناس (المحكومين) حقوق وواجبات ويدرك المواطنون فيها أنهم جزء من الدولة وأن لهم انتماء قومي وإحساس مشترك بأنهم جزء من كيان سياسي واسع.
وهناك من يميز الدولة الحديثة على أساس وجود مستوى متطور من الديمقراطية والعقلانية في الحكم والإدارة والتنظيم السياسي، فعلى سبيل المثال، يميز (ماكس فيبر) بين ثلاثة أنواع من السلطة السياسية كل نوع من هذه الأنواع يمثل مرحلة معينة من مراحل تطور المجتمعات، وهو يمثل حالة التحول والانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، ويمكن جعلها معياراً للتمييز بين السلطة في الدولة الحديثة والأنماط التقليدية للسلطة في الوحدات السياسية المختلفة ماقبل الدولة الحديثة حتى لو وجدت على شكل الدولة الحديثة وبأسمها . والأنواع الثلاثة هي كالآتي( ):-
1)    السلطة التقليدية: وهي تقوم في المجتمعات التقليدية على أساس التقاليد والأعراف وحكم العادة، ولايوجد في السلطة التقليدية المشروعة وظائف ومراكز وظيفية واضحة، وإنما مراكز شخصية لدعم مركز ذوي السلطة، وحيث إنه لا توجد صلاحيات واضحة الحدود والمعالم، فإن ذوي السلطة التقليدية المشروعة يمارسونها على نحو تعسفي كاستخدام الفصل والعفو وبغياب الصلاحيات الواضحة والتخصص يختفي التمييز مابين النشاط السياسي والنشاط الخاص، وبالتالي المصالح العامة والمصالح الخاصة.
2)    السلطة الملهمة أو الكاريزماتية: وهذه السلطة تستوحي مسيرة التاريخ بوعي مكثف وإرادة قوية، وتقوم على أساس تفوق الشخصية لدى الزعيم، أو على الأقل هكذا ينظر إليه من يلتف حوله من الأتباع أو المؤازرين، فالزعيم الملهم يستقطب حوله إخلاص مؤيديه له، وثقتهم بشخصه، لهيبته أو بطولته أو صفاته النادرة أو غير ذلك. ومن ثم فإنه عندما يمارس السلطة، لن يتقيد بالمؤسسات القائمة، ولا بالسوابق في الحكم، وفي بعض الأحيان تكاد مشيئته الشخصية تقف على قدم المساواة مع القواعد القانونية، وطاعة الأفراد له لا تتأتى من عرف أو قانون وإنما من إيمان كامل به.
3)    السلطة العقلانية أو القانونية: وهي التي توجد في المجتمعات الحديثة والمتطورة، وتقوم على مجموعة من القواعد القانونية المبنية على أسس المنطق والعقل. وكل من له سلطات يستمد صلاحياته من هذه القواعد القانونية والدستورية، ومصدر السلطات قائم أساساً في طبيعة النظام الشرعي ذاته. فهناك تمييز مابين الوظائف وبين الأشخاص الذين يشغلونها، ولذلك فإن سلطة الأفراد متأتية من الوظائف التي يشغلونها، أما خارج نطاق ذلك، فإنهم ليسوا سوى أشخاص اعتياديين وتجسد البيروقراطية السلطة الشرعية العقلانية-القانونية.
ويرى (ماكس فيبر) أن البيروقراطية هي التدرجية التي تحل مكان السلطات الملهمة، والسلطات التقليدية، وأن تجريد السلطة من طابعها الشخص الذي كان أساس المجتمع التقليدي في السابق هو ما نقل أوربا من مرحلة النظام الإقطاعي إلى مرحلة الدولة-الأمة بشكلها الديمقراطي بعد أن مرت بمرحلة الملكيات المطلقة. وتجسد الدولة الحديثة الشكل¬ العقلاني القانوني من السلطة السياسية وهكذا يتحقق بناء الدولة عند (ماكس فيبر) بفضل إقامة شكل شرعي للسلطة والسيطرة، ضد التجنيد الوراثي، وتشكل ولادة الإدارة الديوانية (البيروقراطية) تقريباً بذرة الدولة الحديثة( ). ويؤكد (فيبر) على أن الخروج من الإقطاعية يتحقق من خلال تركز السلطات العسكرية باللجوء إلى نمط معين من الجيش لا يرتبط بروابط التبعية الشخصية، بل بقيام الحكام بدفع منتظم لرواتب الجنود، وبذلك تنضج الدولة الحديثة بقضائها على كل المظاهر الشخصية والوراثية وقطع الصلة نهائياً بين ممارسة وظائف الدولة المدنية والعسكرية وبين أية رابطة ملكية محتملة لصالح الماسكين بزمام هذه الوظائف إن ولادة الدولة هي نهاية للوراثة، تميز وتمركز وتؤسس الحكم والإدارة، ولكن عليها دفع أجور موظفيها، حتى يتماثل هؤلاء كلياً وفعلياً مع وظائفهم، ويبتعدون من حيث دورهم عن إنتمائهم الاجتماعي التقليدي السابق على وجود الدولة( ). إذاً يرى فيبر أن تجريد السلطة في الدولة الحديثة من طابعها الشخصي وفيه كل موظف يشغل وظيفة تتمايز بمكانها في التدرجية الإدارية، كما تتميز أيضاً بالتحديد الدقيق لصلاحياتها، ويكافأ الموظف براتب ثابت ومنظم ثم يخضع نشاطه إلى رقابة رئيسه الأعلى الذي يتمتع بصلاحيات التعيين والترقية وإيقاع العقوبات وفق ضوابط رأس واضحة وقانونية( ).
ويشير (عبد الله العروي) إلى أبرز مظاهر الاختلاف والتمييز بين الدولة الحديثة وبين الأنماط الأخرى التقليدية للوحدات السياسية، والذي يتجلى في شكل وطبيعة كل من (الجيش، الإدارة، الاقتصاد، التعليم)( )، حسب منهج (فيبر) للتمييز بين الدولة الحديثة والأنماط الأخرى للوحدات السياسية، وكان (ماكيفيللي) قد طرح قبل (فيبر) مشكلة الجيش الوطني، حيث قال إن إيطاليا لن تكون دولة موحدة ما لم تستغنِ عن المرتزقة وتدافع بنفسها عن نفسها. والمؤرخون ركزوا بصورة أكثر على إصلاح الإدارة العمومية، والدليل الأوضح على الثورة الإدارية هو القانون النابليوني الذي جمع في كتاب واحد موجز كل القوانين الواجب تطبيقها على جميع المواطنين بدون تمييز جغرافي أو عرقي أو طبقي ولاتعني البيروقراطية مجموعة من الموظفين كيفما كانوا بل تعني موظفين يعملون وكأنهم جيش مدني، إن (ماكس فيبر) هو الذي جعل من هذا المفهوم محور اجتماعيات السياسة وعلامة دالة على اكتمال الدولة العصرية( ). وهكذا بالإضافة إلى التطورات والإصلاحات في المجالات الاقتصادية والتعليمية، فنموذج دولة نابليون هو البارز في هذا المجال، فأصبح من واجب الدولة التدخل في هذه المجالات، بالإضافة إلى الإصلاحات في مجالات الإنتاج وتنظيمه وتغيير وتطوير وعصرنة التعليم وجعله عمومياً، فكان لنابليون سياسة ثقافية وعلمية أيضاً بمعنى حقيقي، وكان هدفها توحيد لغة التلقين والتعامل الإداري الرسمي من خلال توحيد لغة التعليم في المواد المدرسية وهذا يركز ويقوي أيضاً التلاحم القومي، فيقوي فعالية الجيش، والإدارة وينمي الاقتصاد، إذاً التوحيد اللغوي يوازي نشأة سوق وطنية.
ويعطينا (عبد الله العروي) جدولاً يوضح فيه عناصر التمييز بين الدولة الحديثة ونموذجها (الدولة النابليونية مقابل علامة I) والدولة التقليدية ونموذجها (الامبراطورية النمساوية مقابل علامة II).

جدول (1) ( )
المميزات
الدولة  الجيش الإدارة الاقتصاد     التعليم
دولة نابليون I      وطني
شعبي
ديمقراطي    توحيدية
تجريبية
تعميمية       موحد السوق
توجيهي
إنتاجي مؤمم
موحد اللغة
تطبيقي
دولة النمسا II     محترف
ارستقراطي
موالي عرفية
محلية
متفاوتة       مجزأ
مهجور
استهلاكي     كنسي
متعدد اللهجات واللغات
أدبي

جدول (2)
نموذج I     نموذج II
توحيد تعدد
نظام   عادات
فعالية مجانية
تجريد تجريبية

       إن نموذج (I) هو مايعنيه الجميع حالياً بالدولة الحديثة، والنموذج (II) هو الدولة التقليدية، ولم تصل أية دولة في التاريخ إلى صفاء الأول، ولم تبقَ أية دولة حالياً وفيّة تماماً للنموذج الثاني( ).
       وهناك من يرى بأن الاقتصاد النقدي للدولة الحديثة يساعدها على تدمير كل شكل تقليدي للسلطة، وبناء الدولة الحديثة ليس سوى شكل من أشكال مركزة السلطة السياسية والإدارة، وهو يتم حسب نماذج مختلفة( ). وظهور الدولة الحديثة هو عبارة عن الاستقلال التام للنسق السياسي عن النسق الاجتماعي حسب رؤية (تالكوت بارسونز)( ).
ويشير (علي عباس مراد) إلى النقاط الثلاثة الآتية التي تميز الدولة الحديثة أو الدولة بصورة عامة، عن باقي الأشكال التقليدية للسلطة السياسية( ):-
1)    استقلال البنى المؤسسية والهياكل التنظيمية للسلطة وانفصالها عن باقي البنى الاجتماعية ومؤسساتها وهياكلها.
2)    استقلال الأنشطة الوظيفية للسلطة السياسية وانفصالها عن الأنشطة الوظيفية الاجتماعية الأخرى.
3)    الطابع المؤسسي المجرد وغير الشخصي للسلطة ومناصبها.
وإذ دخلت أوربا عصر نهضتها بالدولة ومع الدولة، فقد كان من الطبيعي، أن يصبح ابتكار الدولة هو جوهر الحداثة الأوربية وسببها ونتيجتها في آن واحد، سواء فهمنا الدولة على أنها السلطة السياسية التي تتم ممارستها على المجتمع بأسره منظوراً إليه من زاوية تنظيمه السياسي الإجمالي، أو فهمناها على أنها المجتمع بأسره منظوراً إليه من زاوية تنظيمه السياسي الاجمالي أو فهمناها على  انها الدولة في مقابل الدولة، كأشخاص للقانون الدولي، يتفاعلون في إطار النظام الدولي هذه الدولة التي حققت الحداثة الأوربية وتحققت من خلالها، فعلت ذلك أساساً في سياق تفكيكها للعمليتين السياسية والاجتماعية وفصلها بينهما مما جعل من الوظيفة السياسية وظيفة مستقلة تتولاها هيئة مستقلة ومتخصصة حصرياً بمزاولتها. وهذا هو الإنجاز الاهم في ذلك السياق، لأنه كان الأساس الذي قام عليه اختلاف الدولة وتميزها عن الأشكال التقليدية السابقة للسلطة السياسية التي لم تعرف من قبل لا استقلال سياسي عن الاجتماعي ولا التخصص الوظيفي السياسي، وهو مايعني أن أشكال السلطة تلك كانت تنظيماً اجتماعياً بقدر ماهي تنظيم سياسي وبطريقة مباشرة، ولم يكن فيها سياسة ولا دولة بمعنى ضيق ومستقل). وبذلك فقد أصبح من أبرز خصائص الدولة ومميزاتها، الاعتراف باستقلال النطاقين/المديين، الاجتماعي والسياسي عن بعضهما على المستويين الوجوديين المؤسسي والوظيفي، مع الإقرار باستحالة افتراقهما وحتمية تعايشهما وتفاعلهما وتكامل أدوارهما.
وبذلك تجسدت الدولة، جوهر الحداثة الأوربية ومقدمتها، ونتيجتها في ثلاث عناصر تكوينية: ( )
1)    السلطة السياسية.
2)    المجتمع المدني.
3)    مبادئ التفاعل بينهما وضوابطه وآلياته.
والعنصر الأخير هو ماأصبح يعرف باسم (النظام الديمقراطي)، وجوهره هو المشاركة الشعبية في العملية السياسية، لتتخذ الدولة ونظام التفاعل فيها شكل مثلث متساوي الأضلاع قاعدته هي الديمقراطية/المشاركة السياسية الشعبية التي يقوم عليها وجود السلطة السياسية، والمجتمع المدني وتعايشهما وتفاعلاتهما كضلعين متقابلين ومتكافئين في هذا المثلث.
       ومايهمنا هنا من هذين النموذجين للحكم أو النظم السياسية (الأنماط التقليدية للنظام السياسي والدولة الحديثة)، هو أنهما نموذجان مؤسسان للهوية، حيث يقوم نموذج الامبراطورية كنمط تقليدي للسلطة السياسية على التعدد (الجيش المتعدد الجنسيات، الأعراف والقواعد القانونية المتعددة، السوق الاقتصادية المجزأة، التعليم الموزع بين هيئات مختلفة وتقليدية)، فأن نموذج الدولة الحديثة قائمة على الوحدة (الجيش المكون من جنسية واحدة، القوانين الموحدة، السوق الواحدة، لغة التلقين الواحدة)، وبذلك فأن منطق الدولة في نمط الدولة الحديثة هو منطق التوحيد والتجريد والتعميم، في حين أن منطق الامبراطورية هو منطق التعدد والتجريبية والمجانية( ). ونحن يهمنا في هذه الدراسة النموذج التوحيدي المركزي (نموذج الدولة الحديثة). بقدر ما ان هذا النموذج هو المسؤول عن الهوية الموحدة والقائم عليها والمحتاج اليها.