الخميس، 23 مارس، 2017

تعريف الافلاس لغة واصطلاحا

مفهوم الإفلاس
       لما كانت التجارة تقوم على أساس الثقة والائتمان والالتزام الدقيق بقواعد القانون، كان لزاماً على المشرع الوطني وضع قواعد قانونية خاصة بالإفلاس بوصفه وضعاً مخلاً بالائتمان التجاري(40)، إذ إن توقف التاجر عن الوفاء بالتزاماته في الميعاد المحدد لها يؤدي إلى ضياع الثقة به ومن ثم انهيار مركزه المالي و من ثم إفلاسه وما يستتبع ذلك من آثار خطيرة أخرى، لأن إفلاس تاجر ما قد يؤدي إلى إفلاس سلسلة من التجار ومن ثم التأثير سلباً على الوضع الإقتصادي والتجاري لبلد ما وغير ذلك من الآثار السلبية المترتبة على الإفلاس، نتيجة لذلك أصبح من اللازم توضيح مفهوم الإفلاس من خلال تعريفه وبيان الشروط اللازم توافرها لشهر إفلاس التاجر والتمييز بين نوعي الإفلاس تبعاً لحسن نية التاجر المفلس أو سوء نيته، لذا سنقسم هذا المبحث على ثلاثة مطالب نتناول في الأول تعريف الإفلاس وفي الثاني شروط شهره، أما الثالث فسيكون مخصصاً لبيان أنواع الإفلاس .
المطلب الأول
 تعريف الإفلاس
       للاحاطة بتعريف الإفلاس لا بدّ من تناوله من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية .
أولاً : الإفلاس لغة :
       الإفلاس في اللغة مشتق من فلس يفلس إفلاساً، أي فقد ماله فيقال " افلس كثير من التجار بسبب الازمة الاقتصادية "، وافلس الرجل : صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم أو صار إلى حال يقال فيها ليس معه فَلْس، كما يقال أُقهر الرجل صار إلى حال يُقهر عليها و أُذل الرجل صار إلى حال يُذل فيها(41)، وجمع الفلس على افلس وفلوس بناءً على معنى القلة والكثرة، ولكـــــن الإفلاس في حقيقته الانتقال من حالة اليسر إلى حالة العسر(42)، ويُفلس إفلاساً : صار مفلساً كأنما صارت دراهمه فُلُوساً وزيوفاً، وفي الحديث من أدرك ماله عند رجل قد أفلس فهو أحقُ به ؛ وشيء مُفلس اللّون إذا كان على جِلده لُمَعٌ كالفُلُوس، وفلوس قطعة مضروبة من النحاس يتعامل بها، و الفلاس بائع الفلوس أي النقود النحاسية(43)، وفَلَس الحاكم المفلس تَفليساً : نادى عليه أنه افْلَس(44)، قال رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم - : " أتدرون ما المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا يا رسول الله من لادرهم له و لا متاع، قال ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة حسناته امثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا و أخذ من عرض هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن بقي عليه شيء أخذ من سيئاتهم، فيرد عليه، ثم صار إلى النار"(45) .
ثانياً : الإفلاس اصطلاحاً :
       عرف فقهاء المسلمين الإفلاس بتعريفات مختلفة، إذ عرف بعض الفقهاء الإفلاس بقولهم "حالة أن يكون الدين الذي على الرجل أكثر من ماله، وسواء كان غير ذي مال اصلاً، أم كان له مال إلا أنه اقل من دينه "(46)، وذهب آخرون إلى القول بأن الإفلاس " حالة تكون فيها اموال الشخص قاصـرة عن ديونه فان كانت مساوية لها أو زائدة فلا يحجر عليـه بالأجماع "(47)، وفي جميع التعاريف المتقدم ذكرها يتضح ان فقهاء المسلمين و ان اختلفوا في صياغتهم لتعريف الإفلاس إلا أنهم اتفقوا على أن الإفلاس يتحقق عندما تكون اموال الشخص غير كافية لسداد ديونه أي إن اصوله أقل من خصومه أما إذا كانت امواله كافية فقط لأداء ديونه أو تزيد عنها فلا نكون أمام حالة إفلاس .
     وكما عرف فقهاء المسلمين الإفلاس بتعريفات مختلفة، فإنهم عرفوا المفلس ايضاً بتعريفات مختلفة إذ عرفه بعضهم بقولهم " المفلس من حجر عليه لنقص ماله عن دين عليه لأدمي، بخلاف دين الله تعالى "(48)، وعرفه بعضهم الآخر بقولهم " المفلس من لا يفي ماله بدينه "(49) .
     ويلاحظ من التعاريف أعلاه أن فقهاء الشريعة الاسلامية يطلقون مصطلح المدين المفلس على الشخص الذي تقل امواله عن ديونه، وقد تأثر المشرع العراقي بذلك، إذ نصت المادة (270) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 على أن " المدين المفلس الذي يكون دينه المستحق الاداء أزيد من ماله إذا خاف غرمائه ضياع ماله أو خافوا أن يخفيه أو أن يجعله باسم غيره وكان خوفهم مبنياً على اسباب معقولة و راجعوا المحكمة في حجره عن التصرف في ماله أو اقراره بدين لآخر حجرته المحكمة "، إذ اطلق المشرع العراقي مصطلح المدين المفلس على الشخص الذي يكون دينه المستحق الاداء أزيد من ماله في حين إن نظام الإفلاس يطبق على التاجر المفلس أما غير التاجر فيطبق عليه نظام الاعسار(50)، لذا كان على المشرع العراقي استخدام مصطلح المدين المعسر بدلاً من مصطلح المدين المفلس في مطلع المادة (270) من القانون المدني العراقي .
      أما في الاصطلاح القانوني فأن للإفلاس معنى أخص من معناه اللغوي أو الشرعي إذ تجاذب فقهاء القانون عند تعريفهم للإفلاس إلى جانبين، فعرفه جانب من الفقه بأنه " طريق للتنفيذ الجماعي على اموال المدين التاجر الذي توقف عن سداد ديونه في ميعاد استحقاقها "(51)، وذهب آخرون إلى القول بأن الإفلاس " نظام خاص بالتجار تحكمه قواعد القانون التجاري وهو يفترض توقف التاجر المدين عن دفع ديونه التجارية المستحقة "(52)، ويلاحظ أن جميع التعاريف المتقدم ذكرها تشير إلى أن الإفلاس نظام يطبق على التاجر المتوقف عن دفع ديونه التجارية المستحقة الاداء حتى و إن كان في مركز مالي جيد أي إن مجرد توقف التاجر عن دفع ديونه التجارية يبرر شهر إفلاسه .
       في حين ذهب جانب آخر من الفقه إلى تعريف الإفلاس بطريقة مختلفة، أذ عرفه أحدهم بأنه " نظام قانوني للتنفيذ الجماعي على اموال المدين التاجر الذي يتوقف عن دفع ديونه التجارية في مواعيد استحقاقها متى كان هذا التوقف يكشف عن انهيار ائتمانه "(53)، و عرفه آخر بأنه " نظام جماعي القصد منه حماية الائتمان التجاري وتحقيق المساواة بين الدائنين في توزيع اموال موجودات مدينهم الذي اصيبت اعماله وفعالياته التجارية بالارتباك والاضطراب بحيث أدى ذلك إلى توقفه عن وفاء ديونه الحالة المستحقة وفاءً نقدياً "(54) .
       في ضوء التعاريف أعلاه يتضح أن التاجر يعتبر مفلساً متى توقف عن دفع دينه التجاري أثر اضطراب مركزه المالي من خلال تعبير "...انهيار ائتمانه" في التعريف الأول و تعبير "...الارتباك و الاضطراب..." في التعريف الثاني و من ثم لا يمكن شهر إفلاس التاجر لمجرد توقفه عن دفع ديونه ما لم يقترن ذلك باضطراب مركزه المالي .
       يلاحظ مما تقدم ان مسألة وضع تعريف لمصطلح الإفلاس قد اوجدت خلافاً فقهياً، إلا ان هذا الخلاف لا يمكن تلمسه في القوانين التي عالجت موضوع الإفلاس، لأن جميع القوانين التي اطلعنا عليها لم تضع تعريفاً لمصطلح الإفلاس و إنما اشارت فقط إلى الشروط التي ينبغي توافرها للحكم على تاجر ما بالإفلاس(55) .
       و أخيراً وبعد بيان تعريف الإفلاس في ضوء الفقه الاســـــــلامي والقانوني يمـــــــكن تعريفه بأنـــــه " نظام جماعي يهدف إلى تصفية امـوال التاجر المتوقف عن دفع ديونه التجارية المستحقـة الاداء أثر اضطراب مركزه المالي وتوزيعها على دائنيه بعد صدور حكم من المحكمة المختصة بذلك "(56) .