الاثنين، 26 ديسمبر، 2016

نقد مذهب المادية

الماديــــة

المادية لغة : نسبة إلى المادة ، وهي الجسم الذي يتركب من أجزاء أو : كل جسم ذي امتداد ووزن يشغل حيزاً، ومادة الشيء : أصوله وعناصره التي يتكون منها .
معناها الاصطلاحي المعاصر :
اتجاه إلحادي لا يؤمن إلا بالمحسوسات ، ويجحد وجود الله ، وينكر سائر الغيبيات كالبعث والوحي والنبوات والأديان وغيرها .

نشأة المادية وأسبابها:
نشأت المادية في أوروبا بفعل عوامل شتى منها :
1- التيه الذي عاشته أوروبا في عصورها المتأخرة بعدما أصيبت بالغرور العلمي التجريبي.
2- وبعد ما عانت طويلا من ضلالات ومزاعم الديانات المحرفة كالنصرانية واليهودية. وقد افرز الاتجاه المادي مذاهب إلحادية كثيرة أبرزها: الشيوعية والوجودية، والحسية، والعلمانية.
الأسس التي قامت عليها: 
1)           يزعمون أن الوجود كله في الكون المادي الخاضع للإدراك الحسي.
2)           وأن المادة الأولى للكون عديمة الحياة، وأنها بالتطور الذاتي ارتقت صفاتها حتى وصل الكون إلى ما هو عليه الآن.
3)           وتزعم المادية أن الحياة ظهرت في الكون المادي نتيجة للمصادفة.
4)           الزعم بأن الدين يحارب العلم وأن العلم ينافي الدين.
5)           وتزعم المادية أن لا وجود لشيء اسمه الروح.
6)           وتنكر وجود الإله وتزعم أن الإنسان هو الذي اخترع بخياله فكرة الرب الخالق القدير المهيمن العليم الحكيم.
7)           وتمثل المادية طابع الفكر الغربي المعاصر والتي لا يتم الإيمان فيها إلا بما هو محسوس مع إنكار الغيب والروح إنكاراً تاماً، وتدعي أن الكون مادي لا صانع له.
8)           وأن الموت والفناء الدائم الذي لا يعقبه شيء نهاية كل حي.
9)           إن إنسان العصر الحديث في عالم الماديين لا يدخل عقله شيء لا تلمسه حواسه وتختبره وتتحقق من وجوده محسوساً ملموساً.
10)    وأن الدعوة إلى الفضائل أمراض اجتماعية وأنها من مزاعم رجال الدين.
ومن روادها: "أبيقور"، "ديموقرايطس"، "توماس هويز"، "دافيد هيوم"، "شوبنهور"، "كارل ماركس"، "نيتشه"، وستالين وإنجلز وغيرهم.
المادة أزليتها وأبديتها وأسبقيتها في الوجود على الفكر لقد جاء عن الفكر المادي قوله : " فليس للكون نهاية ولا حدود ، العالم أبدي وليس له أي بداية ولن يكون له أي نهاية ، ومن هنا فأي عالم غيبي " غير مادي غير موجود ولا يمكن أن يوجد .
تتحكم المادية في هذا العصر تحكماً يكاد يكون مطلقاً في تفكير الناس وفي سلوكهم وفي كل حركة من حركاتهم ، وعمل من أعمالهم وذلك بصورة لم تكن تعرفها الإنسانية من قبل ، على هذه القوة القاهرة المتسلطة ، وبهذا الشمول الذي أحتل رقعة كبيرة من هذا العالم .
فلقد غلبت المادة على منازع التفكير الإنساني بعد أن أصبحت المحسوسات هي أساس التعامل في مجال الفكر – كما هي الأساس في الأخذ والعطاء في مناحي النشاط الإنساني كله .
إن إنسان العصر الحديث في عالم الماديين لا يدخل إلى عقله شيئاً لا تلمسه حواسه وتختبره ، وتتحقق من وجوده محسوساً ملموساً منظوراً ، فلا غرابة في أن يكون موقف هذا العقل المادي من مقررات الأديان موقفاً قلقاً مضطرباً ، يتأرجح بين الشك والإنكار ، حتى ينتهي أمره إلى إنكار الأديان جملة.
ولهذا تنكر المادية على الديانات جميعها هذه المشاعر الإنسانية التي يعمل الدين على غرسها وتنميتها في نفوس المتدينين من الرحمة والمودة والإيثار والعطـف والإحســــان والتكـــافل وكــــل ما يشــــيع في كيان الإنسان من عواطف إنسانية نحو أهله وقرابته ومجتمعه والإنسانية كلها بل عالم الحيوان أيضاً .
إن المادية تعد هذه العواطف الإنسانية وأمثالها أمراضاً اجتماعية خبيثة دخلت على عقول الناس وسكنت في مشاعرهم عن طريق الخداع والتضليل
ثم ترى المادية – من جهة أخرى – أنه لن تسلم للناس حياتهم ، ولن تتحرر أفكارهم ونوازعهم ولن يصح وجودهم ، إلا إذا اقتلعت من نفوسهم هذه العواطف من جذورها.
يدعي الفيلسوف الألماني " نيتشه " أن الرحمة والتعاون والحب وكافة الفضائل التي تنادي بها الأديان هي مجموعة من الدجل والخرافات تستهدف رعاية الغوغاء والدهماء والقطعان – وهؤلاء جميعاً هم فقراء ومرضى وضعفاء يعوقون التطور الإنســـــاني – في حين أنه يـــجب أن نخلص لنوعنا البشري بأن نبقى على الأقويــــاء في الذهــــن والجســــــم والروح ونعمل على إفناء الآخرين.
النظريات المؤيدة للفكر الإلحادي المادي:
نظريات فرويد، وداروين، ودور كايم، وبرجسون، وسارتر، ومكيافيلي، وماركوز، وأوجيست كونت.
مدخل لمناقشة مزاعم الماديين:
أولاً:إثبات وجود الله :
وقد دل على وجوده : العقل ، والحس ، والفطرة ، والشرع .
أما دلالة الفطرة على وجوده :
فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم ، ولا ينصرف ، عن هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها لقول النبي صلى الله عليه وسلم  : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " رواه البخاري .
والإنسان وحتى الملحد إذا أصابته الضراء قال : يا الله ، من غير أن يشعر لأن فطرة الإنسان تدل على وجود الرب عز وجل  .
قال تعالى : [ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ] الأعراف (172) .
وفي الحديث القدسي : " وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ...." رواه مسلم .
2 ـ أما دلالة العقل على وجود الله تعالى :
   فلأن هذه المخلوقات سابقها ولا حقها لابد لها من خالق أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها ولا يمكن أن توجد صدفة ، لأن كل حادث لابد له من محدث ؛ ولأن وجودها على هذا النظام البديع ، والتناسق المتآلف والارتباط الملتحم بين الأسباب والمسببات دلالة على وجود المدبر والخالق : قال تعالى :[وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ] يــس(37 ، 40) .
وقد أشار الله تعالى إلى هذا الدليل العقلي بقوله تعالى : [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ]  الحـج (74) .
وسئل أعرابي فقيل له : بم عرفت ربك ؟ والأعرابي لا يعرف إلا ما كان أمامه فقال : البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ، ألا تدل على السميع البصير ؟ بلى .
 وسئل أعرابي آخر بم عرفت ربك قال: بنقض العزائم وصرف الهمم.
3 ـ أما دلالة الحس على وجود الله تعالى فمن وجهين :
أ‌- ما نشاهده ونسمعه من إجابة دعاء الداعين وغوث المكروبين مما يدل دلالة قاطعة على وجود الله تعالى .
قال تعالى :[وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ] الأنبياء (76) .
وقال تعالى : [ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ] الأنفال (9) .
وقال تعالى : [ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ] الأنبياء (83 ـ84) .
وفي صحيح البخاري ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " أن أعرابياً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم  يخطب فقال : يارسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا ، فرفع صلى الله عليه وسلم  يديه ودعا فثار السحاب أمثال الجبال ......" الحديث .
ومازالت إجابة الداعين أمراً مشهوداً إلى يومنا هذا .
ب‌- ومن دلالة الحس أنّ آيات الأنبياء والتي تسمى المعجزات ويشاهدها الناس أو يسمعون بها برهان قاطع على وجود مرسلهم وهو الله تعالى ؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر يجريها الله تعالى تأييداً لرسله ونصراً لهم .
[فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ] الشعراء (63).
وإحياء عيسى الموتى بإذن الله [ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ ] آل عمران (49) . ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة منها : [اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ] القمر(1) .
فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييداً لرسله ونصراً لهم تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى .
4ـ الدليل الشرعي
كل الشرع إذا تأمله الإنسان علم أن الذي أنـزله وشرعه هو الرب جل وعلا [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا] النساء (82) .
فائتلاف القرآن وعدم تناقضة وتصديق بعضه بعضاً وما جاء به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق  كل ذلك يدل على أن القرآن نـزل من عند الله تعالى  .
ثانياً : نقد الأصول المادية:
تقوم المادية الحديثة الملحدة على فلسفة جدلية عقيمة مناقضة للبرهان العقلي ومنافية للدليل العلمي ومضادة للنصوص الإلهية، ويظهر عوار تلك الأصول من خلال النقاط التالية:
1)      تزعم المادية ألا وجود إلا للمادة، ولا تعترف بغيب ولا إله، وهذه مغالطة كبرى تنكشف حين تقف المادية حائرة أمام الحقائق التي تسقط مزاعمها الإلحادية، تلك الحقائق التي يجدها الماديون في أنفسهم وفي الخلق من حولهم كالروح، والعقل، والنفس، والشعور، و الحياة، والموت، فهذه وغيرها حقائق معلومة، وليست محسوسة بأي حاسة من الحواس الخمس، قال الله تعالى:[ وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون }الذاريات 20ـ 21 ، وقال تعالى: { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ].الإسراء 85
2)      تزعم المادية أن مصادر المعرفة مقصورة على الحواس، وتنكر مصادر المعرفة الأخرى من الوحي والفطرة والعقل السليم، وهذا الزعم يتصادم مع العقل والواقع والعلم.
3)      تزعم المادية  أن الإيمان نقيض العلم وأن الدين يحارب العلم، وهذا برهان على جهلها المركب بالدين الحق، وحكمها هذا إنما يرد على الديانة النصرانية المزيفة المحرفة التي زيفها رجال الكنسية حين حاربوا العلوم التجريبية بأهوائهم، وزعموا أنهم يفعلون ذلك باسم الدين.
أما الإسلام فإنه يقوم على العلم، ويرتكز عليه ويوجبه ويرغب فيه، قال تعالى: [ اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ]. العلق 1ـ5
وقال تعالى:[ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ].المجادلة 11
4)      والماديون يجحدون وجود الخالق سبحانه وتعالى، وهم بذلك يخالفون الحس، ويصادمون الفطرة والعقل السليم، ويبرهنون على جهلهم المركب ببراهين واهية، ويخالفون دلائل العلم ومقتضيات الفطرة السليمة، ويرد عليهم بالأدلة من الحس والعقل والفطرة والشرع التي تثبت وجود الإله، ويرد عليهم بما قد قيل لأسلافهم كما قال تعالى:[ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون }الطور 36
 وقوله تعالى: { وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ]. يس 78ـ79
ونقول لهؤلاء الماديين – إن الإسلام إذ يدعوا الناس إلى الإيمان بالحياة الآخرة لا يحرمهم شيئاً من طيبات هذه الدنيا ، بل إنه يطلق كل قوى الخير فيهم ليعملوا جادين في كل ميدان من ميادين الحياة ، وليجنوا من ثمرات عملهم وجدهم وجهدهم كل طيب – دون جرح من الدين الذي يقول الله فيه (( وما جعل عليكم في الدين من حرج )) الحج 78 .
فإذا كان الدين الإسلامي يدعو إلى الإيمان بالحياة الآخرة ، فإنه لا يدعوا إلى الكفر بالحياة الدنيا – ولا يقيم في نفس المؤمن عداوة بينهما  بل إن الإسلام يزكي العمل للآخرة والدنيا معاً ما دام هذا العمل قائماً على طريق الحق والخير والإحسان .
فأي شي من طيبات هذه الحياة حرمه الإسلام على الناس ؟ وأي عمل طيب لم يدع الناس إليه ، ويعدهم بالجزاء الحسن عليه في الدنيا والآخرة ؟ ألم يقل الله سبحانه " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيــبات ما أحل الله لكم ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " المائدة 87
بل ألم يقل جل ذكره " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " . الأعراف 32
فأي قوة من قوى الإنسان الخيرة لم يطلقها الإسلام وأي رغبة من رغبات الإنسان الشريفة الكريمة وقف الإسلام حائلاً دونها .