الاثنين، 14 نوفمبر، 2016

المؤسَّسات الثَّقافيَّة

المؤسَّسات الثَّقافيَّة

مرَّ التنظيم المؤسَّساتي وآليات التسيير للشأن الثَّقافي بالمغرب منذ الاستقلال إلى الآن بثلاث مراحل أساسية:
·           مرحلة البحث عن الذات، التي أدَّت إلى ظهور وزارة الشؤون الثَّقافيَّة عند نهاية الستينيات.
·           مرحلة وضع القوانين والآليات الضرورية لهيكلة الحقل الثَّقافي على جميع مستوياته: التنظيمية والتنشيطية والإنتاجية، وقد لعبت وزارة الشؤون الثَّقافيَّة دورًا أساسيًّا في بناء هذه المرحلة التي امتدت حتى أواخر التسعينيات من القرن الماضي.
·           مرحلة إشراك المواطن وإدماجه في الحياة الثَّقافيَّة، وذلك مع بداية هذا القرن بتأسيس وزارة الثَّقافة مؤسَّسةً حكوميَّةً مطالبة بوضع آليات ملائمة من أجل إشراك الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين كافة لجعل الثَّقافة قطاعًا اقتصاديًّا كباقي القطاعات التنموية الأخرى.
بعدما أُحدِثَت وزارة الثَّقافة سنة 2002 مكانَ وزارةِ الشؤون الثَّقافيَّة، صدر في سنة 2006 مرسوم في شأن اختصاصات وتنظيم هذه الوزارة (مرسوم رقم 2.06.328 بتاريخ 10 نونبر 2006 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5480 لـ7 ديسمبر 2006). في هذا المرسوم نلاحظ أنه تمَّ الاحتفاظ بنفس الاختصاصات العامَّة التي كانت تتمتع بها سابقتها. في حين نلاحظ على الصعيد التنظيمي أنه قد أُعطِيَت فيه الأهميَّة أكثر لتدبير الشأن الإداري والمالي وذلك بخلق مديرية خاصَّة على المستوى المركزي في هذا الباب، نيطت بها مهمَّة تدبير الموارد البشرية للوزارة وذلك بتحديد احتياجاتها والعمل على تطويرها وبخاصَّة في ميدان التكوين والتكوين المستمرِّ، وإعادة النظر في توزيع المسؤوليات بين مختلف مستويات التنظيم مركزيًّا وجهويًّا ومَحَلِّيًّا بتخويل المصالح غير الممركزة مزيدًا من المسؤوليات في كل ما يتعلق بتدبير وإنجاز المشروعات، وهو ما تبلور في هيكلة جديدة للوزارة بدأ العمل بها مع بداية سنة 2007.
أما على مستوى التدبير المالي للوزارة، فقد اعتمدت مقاربة جديدة في تدبير الميزانية على أساس النتائج، من خلال اعتماد نظام شمولية الاعتمادات ووضع مؤشرات لقياس مدى نجاعة البرامج والمشروعات المنجزة وإعادة النظر في بنود الميزانية بارتباط مع البرامج المهيكَلة للوزارة والمتمثلة في تحديث الإدارة ولا مركزة السياسات الثَّقافيَّة، وحماية وإنعاش التُّراث الثَّقافي ودعم الكتاب والقراءة العمومية والفنون وأجرأةعقود البرامج لتأطير التزامات الإدارة المركزية والمصالح الممركزة. وتتجلى الأهميَّة التي أُعطِيَت لهذه المديرية من خلال هيكلة تنظيمها العصرية التي تحتوي على عدة أقسام ومصالح مختصَّة في مختلف مجالات تدخل هذه المديرية (انظر جدول6 في الفصل الثاني من هذا البحث).
وفي ما يخصُّ إعادة توزيع المسؤوليات، فإنه تعزيزًا للا مركزية التسيير الثَّقافي، قد تمَّ على صعيد كل الجهات الإدارية للمملكة (عددها 16 جهة)، إحداث مديريات جهوية (انظر جدول7 في الفصل الثاني من هذا البحث)، وذلك بصدور قرار وزاري (قرار رقم 1007.06 بتاريخ 11 نونبر 2006 الصادر بالجرية الرسمية عدد 5486 لـ28 ديسمبر 2006). ستتولى هذه المديريات السهر على إعداد وتفعيل وتنفيذ سياسة الوزارة في المجال الثَّقافي على المستوى الجهوي وذلك باتخاذ جميع التدابير التقنية والاقتصادية الكفيلة بالتمكن من استثمار التُّراث الثَّقافي والفني وكذا الرفع من قيمة هذا الإنتاج وتحسين ظروف بروزه بتشجيع الممارسات الثَّقافيَّة بكل أشكالها. كما نيطت بهذه المديريات مهمَّة الإسهام في تحديد استراتيجية ثقافيَّة وفنية جهوية وتنفيذها والإشراف على جميع الوحدات الثَّقافيَّة الموجودة داخل النفوذ الترابي للمديريات الجهوية ما لم يكُن لذلك نص مخالف (قد تكون وحدات ثقافيَّة تابعةً للجماعات الْمَحَلِّيَّة أو للخواصِّ).
تدخل هذه الإصلاحات في ما تسميه وزارة الثَّقافة "برنامج تحديث الإدارة وإعمال الحكامة" كخيار استراتيجي تنهجه لتحسين سير العمل الثَّقافي عبر تطوير مصالحها مركزيًّا وجهويًّا وإقليميًّا وتأهيل المؤسَّسات الثَّقافيَّة ماديًّا وبشريًّا ولوجيستيكيًّا وتعبئة الموارد البشرية. ولهذا الغرض رُصد من الميزانية العامَّة للوزارة لسنة 2009 ما قدره 151.715.730 درهمًا، أي ما يمثل 23,14% من هذه الميزانية (انظر جدول 5.6 في الفصل6 من هذا البحث). وخصَّصت من هذه الميزانية مبلغ 16.333.720 درهم للمديريات الجهوية، أي بمعدل نحو مليون درهم لكل جهة.
فبعد إرساء المديريات الجهوية للثَّقافة كوحدات إدارية جديدة مسخَّرة لإعادة هيكلة العمل الثَّقافي على المستوى الجهوي والإقليمي والْمَحَلِّيِّ، وبعد تزويدها بوسائل العمل المادية والمعنوية، شرع بتفويض الاعتمادات المالية لها بشكل تدريجي منذ 2008 من أجل تنفيذ برامجها، وهكذا أصبح عديد من التعقيدات المرتبطة بالتدبير المالي الممركز في طريقه إلى الزوال.
أما على مستوى مؤسَّسات التكوين العالي والبحث العلمي التابعة لوزارة الثَّقافة (المعهد الوطني لعلوم الآثار والتُّراث "INSAP" والمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثَّقافي "ISADAC")، فقد تمَّ فيهما منذ سنة 2008 الشروع في تطبيق النظام الإداري والبيداغوجي الجديد المعتمَد بالجامعات المغربية والمتمثل في استقلالية التسيير الإداري والبيداغوجي للمؤسَّسات، وذلك تنفيذًا للقانون 00.01 المتعلق بإصلاح الجامعة المغربية.

    مكانة/ دور وتطوير المؤسَّسات الثَّقافيَّة الرئيسية

منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي ومجيء حكومة التوافق الوطني (حكومة التناوب سنة 1998)، بدأ الحقل الثَّقافي المغربي يعرف تحوُّلات هامَّة على مختلف المستويات وذلك بفضل وضع استراتيجية، من طرف الدولة، متكاملة ومحدَّدة الأهداف لإدارة الشأن الثَّقافي معتمِدةً التحاور والتشاور مع مختلف الهيئات والفاعليَّات المهتمة بالثَّقافة. وأهمّ ما تهدف إليه هذه الاستراتيجية:
·           خلق وعي ثقافي ديناميكي يخدم التنمية المستدامة.
·           مواكبة الثَّقافة للعولمة والتكيُّف مع متغيُّراتها ومستجداتها.
·           تمكين المغرب من بناء هياكل ثقافيَّة عصرية تستجيب لحاجاته في مجال التُّراث والفنون والكتاب.
·           جعل التنشيط الثَّقافي وسيلة أساسية من وسائل التنمية الْمَحَلِّيَّة.
·           تفعيل العمل الثَّقافي من خلال دعم عمل الجمعيات المتميز.
·           تحديث الإدارة الثَّقافيَّة وتحبينالمنظومة التشريعية المرتبطة بقطاع الثَّقافة.
وانسجامًا مع هذا التوجُّه، عرف الشأن الثَّقافي بالمغرب عدة إصلاحات على المستوى التنظيمي والبنية التحتية:
على مستوى وزارة الثَّقافة
اعتمد المغرب ومنذ الاستقلال نهج سياسة اللا مركزية وإن تميزت هذه السياسة في العقود الأولى ببطء في صيرورتها ودون استراتيجية واضحة المعالم، لكن مع مطلع هذا القرن، ستعرف هذه السياسة وتيرة لا بأس بها كمًّا وكيفًا، ففي هذا الإطار، تمَّت إعادة هيكلة عديد من المنشآت العمومية ومنها تلك التابعة مباشرة لوزارة الثَّقافة وذلك بتمتيعها بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي مع احتفاظها بوظيفتها مؤسَّسةً عامَّةً. حيث صدر سنة 2003 قانون إحداث المكتبة الوطنية للمملكة المغربية (قانون رقم 67.99 بتاريخ 11 نونبر 2003 الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5171 لـ22 ديسمبر 2003) التي كانت في السابق تُدعَى "المكتبة العامَّة للمغرب" تحت الرعاية المباشرة لوزارة الثَّقافة ومن قبلها لوزارة الشؤون الثَّقافيَّة.
وفي إطار سياسة الأوراش الكبرى التنموية التي يعرفها المغرب منذ نحو عقد من الزمن، ومن أجل النهوض بالمشهد الثَّقافي المغربي وتعزيز بنيته التحتية، فقد تمَّ اعتماد من طرف الدولة مشروع بناء المتحف الوطني للآثار وعلوم الأرض بالرباط الذي سيرى النور في أفق 2012، ويهدف هذا المتحف إلى التعريف بتاريخ المغرب حيث سيضمُّ مجموعة من المآثر منذ تكوُّن الأرض، أي منذ ثلاثة ملايين سنة بالنسبة إلى المغرب، إلى غاية القرن التاسع عشر. وبجانب هذا المتحف تَمَّ اعتماد أيضًا بناء مسرح وطني جديد سيدشَّن بناؤه على ضفاف نهر أبي رقراق بالرباط قريبًا، ويُنتظر من هذا المسرح أن يكون أكبر من المسرح الوطني محمد الخامس الحالي. إضافة إلى هذين المشروعين سيظهر قريبًا متحف للحُلِيِّ والألبسة النسائية، وفي سنة 2011 سيدشَّن بالرباط متحف الفن المعاصر والمعهد العالي للموسيقى والكوريغرافيا، وهما مشروعان ضخمان، بدأت منذ سنتين أشغال تجهيزهما. ومما لا شك فيه أن هذه المشروعات الثَّقافيَّة الضخمة، التي ستضاف إلى المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، ستعزِّز البنية التحتية الثَّقافيَّة لعاصمة المغرب.



على مستوى القطاع السمعي-البصري
على هذا المستوى، قد عرف هذا القطاع بدوره إصلاحات تنظيمية وهيكلية هامَّة مع مطلع سنة 2002 وذلك في إطار استراتيجية مبنية على ثلاثة محاور أساسية هي تحرير القطاع في إطار منظم وإقامة قطب سمعيّ-بصريّ فعَّال وتنافسي ظلَّ منذ سنة 1958 محتكَرًا من طرف الدولة، ومراجعة آليات تمويل ودعم القطاع السمعي-البصري عن طريق سوق الإشهار ووضع آليات محفزة على التنمية وصناعة حقيقية للبرامج ودور المركز السينمائي المغربي، وكذا دعم نوعية التكوين المرتبط بمهن القطاع السمعي-البصري.
وفي هذا الإطار، صدر قانون رقم 77.03 (سنة 2005) المتعلق بالاتصال السمعي-البصري الذي يضع الإطار القانوني لتحرير هذا القطاع. ويندرج هذا القانون في سياق التطوُّرات العميقة التي يشهدها المغرب تعزيزًا للاختيار الديموقراطي، وتمتينًا لأُسُس دولة الحقِّ والقانون ولمجال الحريات العامَّة (وأي نشاط ثقافي ما هو إلاَّ جزء منها)، في إطار تشييد المشروع المجتمعي الحداثي الديموقراطي. ويُعتبر إصلاح المجال السمعي-البصري من المكونات الهامَّة لهذا المنحى الإصلاحي العامِّ، لِمَا له من دور في تكريس قيم الحرية والتعدُّدية والحداثة والانفتاح، واحترام حقوق الإنسان وصيانة كرامته وتأهيل البلاد سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا. ويهدف هذا القانون في الأساس إلى:
- النهوض بممارسة حرية الاتصال السمعي-البصري، وضمان حرية التعبير الفردية والجماعية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، واحترام حقوق الإنسان.
- الإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثَّقافيَّة والإعلامية وطنيًّا وجهويًّا ومَحَلِّيًّا في إطار تنافسيّ يضمن تنوُّع عروض الخدمات وتعدُّد الاتجاهات والأفكار والإسهام الفعالة للمتدخلين كافة في المشهد السمعي-البصري.
- الحفاظ على التُّراث الثَّقافي للأُمَّة في غناه وتنوُّعه عبر تشجيع الإبداع الفني والعلمي والتكنولوجي وضمان إشعاعه.
- احترام القوانين والتنظيمات المتعلقة بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
وبالموازاة مع هذا القانون، صدر ظهير (سنة 2002) يتعلق بإحداث الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري ومرسوم يقتضي بوضع حدّ لاحتكار الدولة في مجال البث الإذاعي والتلفزي ويفتح المجال للمبادرة الحرة للاتصال السمعي-البصري.
تقوم الهيئة العليا بترخيص لكل شخص معنوي قصد إحداث محطات إذاعية أو تلفزية خاصَّة يستوفي شروط الإعلان (appel d'offre) وذلك طبقًا لدفتر التحملات الذي تضع بنوده هذه الهيئة. وفي ما يخصُّ القطاع العمومي للاتصال السمعي-البصري فيتمُّ إحداثه على شكل شركات وطنية للاتصال السمعي-البصري بترخيص من الهيئة العليا وطبقًا لدفتر التحملات، وينبغي أن تهدف هذه الشركات إلى الاستجابة لحاجات الثَّقافة والإعلام والترفيه وذلك عن طريق برمجة ذات مرجعية عامَّة ومتنوعة موجَّهة إلى أكبر فئة من الجمهور تستند إلى الحضارة المغربية الإسلامية العربية الأمازيغية وإلى قيم الديموقراطية والحرية والانفتاح والتسامح والحداثة. وهكذا، تمَّ تحويل "الإذاعة والتلفزة المغربية" و"المصلحة المستقلَّة للإشهار" إلى شركة مساهمة تسمى "الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة" (SNRT)، سنة 2005، تخضع للتشريع المتعلق بشركات الإسهام وللقانون السمعي-البصري ولقانونها الأساسي. ويرجع أصل هذه الشركة إلى 15 فبراير 1928 حينها كانت مؤسَّسة تُدعَى "راديو المغرب" لتتحول في 22 أكتوبر 1966 إلى منشأة عمومية تسمى "الإذاعة المغربية" لتصبح في سنة 1978 تحت إشراف وزارة الإعلام.
أما في ما يخصُّ القناة التلفزية الخاصَّة سابقا "2-M"، فقد خضعت أيضًا للقانون 77.03 حيث أصبحت تُدعَى "شركة أبحاث وإنتاج السمعي-البصري" (شركة مجهولة الاسم) (SOREAD-2M) ذات رأسمال تملك أكثر من نصفه الدولة المغربية، لتكون بذلك بجانب "الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة" قطبًا عموميًّا للسمعي-البصري. كما تمَّ إحداث في إطار هذا القانون السمعي-البصري الجديد، 14 محطة إذاعية وطنية منها وجهوية وقناة تلفزية واحدة فضائية (Medi1-Sat).
في ما يخصُّ القطاع السينمائي، فقد عرف تطورا ملحوظًا على مستوى الإنتاج الوطني خلال السنوات الأخيرة حيث وصل إلى 15 فيلمًا طويلاً و50 فيلمًا قصيرًا سنة 2009 (للمقارنة، فإن فيلموغرافية المغرب إلى نهاية التسعينيات كانت تحتوي على 353 فيلمًا، منها 95 فيلمًا طويلاً و285 فيلمًا قصيرًا، أي بمعدل سنوي يناهز نحو فيلمَين طويلَين و6 أفلام قصيرة وذلك منذ الاستقلال)، وهذا راجع إلى الدعم المالي الذي يقدمه المركز السينمائي المغربي للإنتاج السينمائي حيث بلغت ميزانيته سنة 2009 نحو 60 مليون درهم وذلك بفضل الدعم الذي تقدمه الدولة لصندوق الدعم التابع للمركز والْمُحْدَث سنة 1987، كما تمَّ تعديله وتكميله في 2005. أما على مستوى الإنتاج السينمائي الدولي داخل المغرب، فقد عرفت الاستثمارات الأجنبية في هذا الميدان ارتفاعًا جِدَّ مُهِمٍّ حيث وصلت سنة 2007 إلى 563 مليون درهم (472 م.د. سنة 2006 و293 م.د. سنة 2005).
وتجدر الإشارة إلى أنه بموجَب عقد البرنامج (contrat programme) الذي يربط الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بالحكومة والموقَّع في 8 فبراير 2006 استفادت الشركة من دعم مالي على مدى ثلاث سنوات بما مجموعه 1.760.000.000 درهم.
على مستوى التماسك الاجتماعي والثَّقافي
في إطار تقوية الوحدة الوطنية وتعزيز هويتها، صدر سنة 2001 ظهير إحداث المعهد الملكي للثَّقافة الأمازيغية (رقم 1.01.299 بتاريخ 17 أكتوبر 2001 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 4948 لـ1 نونبر 2001) الذي تمَّ تدشين مقر له بالرباط في ديسمبر 2006. ويهدف هذا المعهد إلى اتخاذ التدابير التي من شأنها الحفاظ على الثَّقافة الأمازيغية والنهوض بها في جميع تدابيرها ويعمل على تنفيذ السياسات التي تعتمدها الدولة من أجل إدراج الأمازيغية في المنظومة التربوية وضمان إشعاعها في الفضاء الاجتماعي والثَّقافي والإعلامي الوطني والجهوي والْمَحَلِّيّ.
وتربط هذا المعهد اتفاقية شراكة وتعاون مع مجموعة من الفاعلين في ميدان الثَّقافة أهمها وزارة الثَّقافة (منذ ماي 2004)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربة والعلوم والثَّقافة (دجنبر 2005)، ومؤسَّسة دار العلوم الإنسانية بفرنسا (أبريل 2004)، وكذا مع عدة جامعات مغربية وأجنبية.

                       الشراكة أو أشكال التعاون الظاهرة حديثًا

أهمُّ الشراكات التي عرفها الحقل الثَّقافي المغربي في العشر السنوات الأخيرة بين وزارة الثَّقافة والمهتمين كافة بالمجال الثَّقافي:
·           اتفاقيات الشراكة والتعاون الثَّقافي مع الجماعات الْمَحَلِّيَّة.
·           اتفاقيات التعاون الثَّقافي الدولي.
·           اتفاقيات الشراكة والتعاون الثَّقافي مع القطاع الخاصّ.
الشراكة والتعاون الثَّقافي مع الجماعات الْمَحَلِّيَّة
قبل أن نتعرض للشراكة والتعاون مع الجماعات الْمَحَلِّيَّة، لا بدّ من التطرُّق إلى الثَّقافة في التشريعات القانونية المنظمة لهذه الأخيرة.
يُعتبر الظهير رقم 1.02.297 (3 أكتوبر 2002) في شأن تنفيذ القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي الصادر سنة 2002، أول قانون جماعي يحدد بصفة واضحةٍ الدورَ الذي أصبح منوطًا بالجماعات الْمَحَلِّيَّة في أخذ التدابير اللازمة لضمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثَّقافيَّة، إذ يحدِّد هذا الظهير في مادته الحادية والأربعين حول التجهيزات والأعمال الاجتماعية والثَّقافيَّة ما يلي:
·           يقرر المجلس الجماعي أو يسهم في إنجاز وصيانة وتدبير التجهيزات الاجتماعية والثَّقافيَّة والرياضية، بخاصَّةٍ المركبات الثَّقافيَّة والمكتبات الجماعية والمتاحف والمسارح والمعاهد الفنية والموسيقية وحضانة ورياض الأطفال.
·           يتخذ أو يساهم في اتخاذ كل الأعمال الضرورية لإنعاش الأنشطة الاجتماعية والثَّقافيَّة والرياضية، ولهذه الغاية يشارك في التنشيط الاجتماعي والثَّقافي والرياضي بمساعدة الهيئات العمومية المكلفة بالثَّقافة والشبيبة والرياضة والعمل الاجتماعي، كما يشجع ويساند المنظَّمات والجمعيات ذات الطابع الاجتماعي والثَّقافي والرياضي.
·           يسهم في الحفاظ على خصوصيات التُّراث الثَّقافي الْمَحَلِّيّ وإنعاشها.
وتنص المادَّة 35 من هذا الظهير المتعلقة باختصاصات مجلس العمالة أو الإقليم، على أن يسهم المجلس في الحفاظ على المواقع الطبيعية والتُّراث التاريخي والثَّقافي والفني وإعادة تأهيلها والرفع من قيمتها.
وهكذا، وبموجب هذا النص القانوني، تصبح مجالس الجماعات الْمَحَلِّيَّة منخرطة مباشرة في الإسهام في تطوير الشأن الثَّقافي الْمَحَلِّيّ واتخاذ التدابير الضرورية لإنعاشه.
انطلاقًا من هذا المعطى، اعتمدت وزارة الثَّقافة ضمن استراتيجيتها الرامية إلى دعم اللا مركزية وتوسيع شبكة المؤسَّسات الثَّقافيَّة، أسلوب الشراكة مع الجماعات الْمَحَلِّيَّة، وذلك بتشجيع مبادرات هذه الأخيرة الهادفة إلى المحافظة على المصادر المتنوعة والغنية للثَّقافة المغربية بكل الجهات وتوفير البنيات التحتية الثَّقافيَّة، وتشجيع الطاقات الخلاَّقة للإسهام في تنمية وتطوير كل أشكال الابتكار والإبداع الثَّقافي والفني.
وبذلك غدت الجماعات الْمَحَلِّيَّة إحدى الركائز الأساسية التي تعول عليها وزارة الثَّقافة لتحقيق اللا مركزية الثَّقافيَّة، حيث تعمل على إشراكها في تخطيط وبرمجة وإنجاز المشروعات الثَّقافيَّة حتى تتمكن من تقليص التفاوت الثَّقافي بين الجهات، ودعم الخصوصيات الثَّقافيَّة الجهوية، وتحقيق توزيع متوازن وعادل للعمل الثَّقافي.
ومن أولويات مخطَّط التنمية الثَّقافيَّة 2000-2004، التعاون والشراكة بين وزارة الثَّقافة وجميع المهتمين بالمجال الثَّقافي من قطاعات حكومية ومجالس منتخبة ومؤسَّسات المجتمع المدني لتحقيق نهضة ثقافيَّة وطنية متكاملة ورفع مستوى الخدمات الثَّقافيَّة وتحسين ظروف وسائل العمل، وترسيخ سياسة ثقافيَّة تعتمد أساسًا على اللا مركزية والجهوية والتشارك مع الجماعات الْمَحَلِّيَّة، وإعطاء الأولوية للعالَم القروي والمناطق النائية.
ويتمّ التعاون بين وزارة الثَّقافة والجماعات الْمَحَلِّيَّة عن طريق توقيع اتفاقيات شراكة تنص على التنسيق بين الطرفين في تنظيم الأنشطة والتظاهرات الثَّقافيَّة الْمَحَلِّيَّة، وإحداث وتسيير المؤسَّسات الثَّقافيَّة، والسهر على تطبيق القوانين الجاري بها العمل في ميدان المحافظة على المباني التاريخية والمواقع والتُّراث الثَّقافي بوجه عامٍّ، والتعاون في ميدان ترميم وصيانة وتوظيف المعالم التاريخية.
ويعتبر مشروع شبكة القراءة العمومية المتعلق بإحداث 11 خزانة وسائطية (médiathèques) الذي انطلق سنة 2003 وسينتهى به العمل في غضون هذه السنة (2009) من أهمّ المنجزات التي تمَّ تحقيقها حديثًا في إطار الشراكة والتعاون بين وزارة الثَّقافة والجماعات الْمَحَلِّيَّة.
اتفاقيات التعاون الثَّقافي الدولي
ارتكزت استراتيجية عمل وزارة الثَّقافة على تقوية العلاقات الثَّقافيَّة الثنائية والمتعددة الأطراف بين المغرب ومجموعة من الدول والهيئات بناءً على علاقات جديدة للشراكة والتبادل المثمر وضمان تمثيل المغرب في المحافل واللقاءات الدولية واستغلالها التعريف بالمغرب وعمق تراثه وحضارته وديناميكية تطوره. وفي هذا الإطار، تربط المغرب بعديد من الدول الشقيقة والصديقة اتفاقيات ثقافيَّة وبرامج تنفيذية تهمُّ مختلف مجالات الثَّقافة.
وبحكم التاريخ الحضاري للمغرب وقربه الجغرافي، أصبح المغرب في السنوات الأخيرة يتمتع بوضع متقدم في إطار الاتفاقيات التي تربطه بالاتحاد الأوربي تجعله يستفيد من عديد من البرامج الثَّقافيَّة والعلمية التي يمولها هذا الاتحاد في إطار سياسة الجوار الأوربية الجديدة التي أصبح ينهجها الاتحاد الأوربي منذ 2002.
إن الشراكة (association) بين المغرب والاتحاد الأوربي قد عرفت تطورًا مستقرًّا منذ الاتفاقيات التجارية الأولى سنة 1969 التي تطورت في ما بعد إلى اتفاقيات شراكة موقَّعة سنة 1996 والتي شرع في تطبيقها سنة 2000. وتقضي هذه الاتفاقية على مستوى التعاون الثَّقافي على:
·           تعزيز الحوار بين الثقافات بالخصوص عن طريق التعليم اللغوي ونشر الثَّقافة المغربية داخل بلدان الاتحاد الأوربي.
·           دعم إحداث فضاءات ثقافيَّة مغربية-أوربية.
·           تكثيف المشاركة المغربية في برامج التعاون الثَّقافي يورو مِدْ (Euro-med) المتعلقة بالإرث التُّراثي وقطاع السمعي-البصري.
·           تكثيف تبادل الخبرة في ميدان التنوع الثَّقافي والحوار بين الثقافات.
وفي اجتماعها الرابع للجنة المصغرة حول البحث والابتكار المنصوص عليها في اتفاقية الشراكة لـ1996 والمنعقدة في 13 نونبر 2007، أُعطِيَ تقييم من طرف الجانب المغربي حول مشاركة وزارة الثَّقافة في إطار برامج الاتحاد الأوربي، ويتلخص هذا التقييم في ما يلي:
·           إحداث دور للثَّقافة في مختلف جهات المغرب في إطار برنامج "MEDA".
·           الانتهاء من مشروعات "DELTA" و"QANTARA" في إطار برنامج حول الإرث التُّراثي الثَّقافي والمتعلق بالخصوص بتدبير وتأهيل الهياكل الإدارية.
·           إقامة عديد من التظاهرات لتقوية المبادلات الثَّقافيَّة والفنية في إطار برنامج التظاهرات الثَّقافيَّة المغربية في أوربا والأوربية بالمغرب.
في ما يخصُّ الآفاق المستقبلية، التي تحدد استراتيجية وزارة الثَّقافة، فإن الجزء الأكبر منها منبثق من برنامج سياسة الجوار للاتحاد الأوربي، ويهمُّ:
·           تأهيل المؤسَّسات الثَّقافيَّة الموجودة وخلق مؤسَّسات جديدة.
·           تقوية البحث الأركيولوجي وخلق مختبرات لترميم الممتلكات الثَّقافيَّة.
·           إحداث ورشات تلقينية فنية وتدعيم دور الثَّقافة.
وتجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوربي سبق أن طلب من المغرب التصديق على معاهدة الأمم المتحدة المتعلقة بالتنوع الثَّقافي، وهذا ما تمَّ فعلاً سنة 2008.
اتفاقيات الشراكة والتعاون الثَّقافي مع القطاع الخاصِّ
في ما يخصُّ المحافظة على الآثار وترميم المواقع الأثرية، فقد بدأ هذا النشاط الثَّقافي يعرف تدخُّل عديد من المؤسَّسات الخاصَّة في السنوات الأخيرة وأهمها مؤسَّسة "مزيان بنجلون"، ومؤسَّسة "عمر بنجلون"، ومؤسَّسة "كريم العمراني"، ومؤسَّسة "Fondation ONA"، ومؤسَّسة "الضحى" (Fondation Addoha). ومن أهمّ منجزات هذه المؤسَّسات منفردةً أو بالتعاون مع جهات أخرى:
- ترميم المدرسة البوعنانية بفاس.
- تأهيل الموقع التاريخي "وليلي" بشراكة مع وزارة الثَّقافة.
- ترميم وتأهيل "مسجد تنمل" بالشراكة مع مجموعة "أفريقيا" (Afriquia) و"سوميبي" (Somepi) والمعهد الأركيولوجي بمدريد (إسبانيا).
- ترميم منازل وأسوار وأبواب عتيقة بمدينة فاس بالشراكة مع مديرية الجماعات الْمَحَلِّيَّة التابعة لوزارة الداخلية وكتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية ومؤسَّسة "12 قرنًا لفاس".
أما على مستوى المتاحف، بالإضافة إلى 16 متحفًا تابعًا لوزارة الثَّقافة، وخمسة متاحف تابعة لمؤسَّسات عمومية أو شبه عمومية أخرى، فإن المؤسَّسات الخاصَّة تملك بدورها 11 متحفًا تهمُّ مختلف ميادين التُّراث المتحفي، هي:
·           متحف النجارين بفاس (الخشب: Bois).
·           متحف فيلا الفنون (Villa des Arts) بالدر البيضاء (Arts contemporains).
·           متحف الفن اليهودي بالدر البيضاء (ethnographique).
·           متحف دار الغازي بسلا (ethno - archéologique).
·           متحف "Majorelle" بمراكش (ethnographique).
·           متحف مؤسَّسة عمر بنجلون بمراكش (ethno - archéologique et arts contemporains).
·           متحف المفوضية الأمريكية بطنجة (ethnographique-peinture).
·           متحف "Forbs" بطنجة (miniatures de guerriers).
·           متحف مؤسَّسة "Laurain" بطنجة (traditions judaïses).
·           متحف الرسم بطنجة (peinture).
·           متحف "Bert Flint" بمراكش (ethnographique).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المتاحف الخاصَّة تخضع لقانون 22.80 كما تمَّ تتميمه وتعديله بقانون 19.05 (الجريدة الرسمية عدد 5435 لـ15 يوليو 2006) الخاصّ بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات.