الاثنين، 14 نوفمبر، 2016

نظرة تاريخية حول تطور المجتمع المغربي

نظرة تاريخية حول تطور المجتمع المغربي
يسجل العصر الحجري الأخير، وجود حضارة أمازيغية يرجع تاريخها إلى 5000 سنة على الأقل. إذ يُعتبر الأمازيغ (أي الناس الأحرار) الأكثر قدمًا في المغرب، وقد انضافت إليهم وانصهرت معهم روافد شرقية وأوروبية وإفريقية. وهكذا عرف المغرب إقامة حضارات متوسطية قديمة كالفينيقيين والقرطاجنِّيِّين والرومان، تاركة آثارها البارزة في مجال التنظيمات الحضرية (طنجيس، وليكسوس، وسلا، وليلي، والصويرة، وغيرها).
ولقد أتى العرب إلى المغرب بعديد من العناصر الأساسية: عرق جديد للتعمير ولغة جديدة محمَّلة بدين جديد (الإسلام).
كما أن هؤلاء العرب قد انضمُّوا إلى المجموعات الأمازيغية التي اعتنقت الإسلام، للقيام معًا بضمِّ المناطق الإيبيرية، مِمَّا جعل تاريخ هذه المنطقة مقترنا بتاريخ المغرب طَوَال عدة قرون.
وفي عام 789، قام إدريس الأول بتأسيس الدولة الإدريسية، وبناء مدينة فاس. وبذلك نشأ أول شكل للدولة الوطنية بالمغرب وأول عاصمة ذات إشعاع المنقطع النظير.
وطَوَال عدة قرون، اقترن مصير المغرب بمصير إسبانيا المسلمة، بحيث كان الملوك المرابطون والموحدون والمرينيون غالبًا ما يهبُّون لإغاثة الأندلس المسلمة. وقد أحدثت التدفقات السكنية الأندلسية والمغربية، الواحدة تلو الأخرى، مدنًا على ضفَّتَي مضيق جبل طارق.
ولم يكتمل الاستيطان العربي للمغرب بكيفية بارزة، إلاَّ خلال القرن السابع مع وفود قبيلة بني هلال، وخلال القرن الثامن مع مجيء قبيلة بني معقل. وسوف يستمر التمازج البشري مع التوافد المكثف لمسلمي ويهود الأندلس على مرحلتين: أولاهما فترة النزوح على أثر سقوط غرناطة أواخر القرن الخامس عشر، وثانيتهما وصول الموريسكيين المطرودين من إسبانيا في القرن السابع عشر. وقد أسهم هؤلاء المهاجرون الجدد في النهضة الحضارية المدينية بالمغرب.
كما كان المغرب قبلة لعديد من يهود إسبانيا النازحين مع العرب الأندلسيين أو الهاربين من محاكم التفتيش. وسيضاعف هؤلاء اليهود من عدد المجموعات العبرانية الموجودة في المغرب منذ ما قبل الإسلام. وبذلك شكّلت أرض المغرب بوتقة لانصهار السكان اليهود من أعراق مختلفة، ولا تزال إلى اليوم تتسم بخصوصية ثقافيَّة وتاريخية قوية.
وابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، لن يعرف تعمير المغرب سوى تعديلات طفيفة جاءت على شكل مدٍّ وجزرٍ للأقليات الأوروبية والجزائرية.
وفي ما يخصُّ الفترة الحديثة، فإن الهُوِيَّة المغربية قد تشكلت كذلك بواسطة الكفاح من أجل الاستقلال، وعبر التعبئة من أجل استكمال القضاء على الاستعمار، ولا سيما استرجاع الأقاليم الصحراوية. إن الكفاح ضد المستعمر ما بين 1912 و1934، وتعدد معاقل المقاومة المنسقة لإذكاء جذوة الانتماء المغربي، قد وحد مختلف القوى حول مشروع أكثر وطنية، يسمو فوق النعرات الإقليمية والقبلية.
وبتقبُّل التغيُّرات التي تطبع الواقع الراهن، فإن المجتمع المغربي شهد ويشهد وسيشهد تحوُّلات عميقة على مستوى ساكنته وبنياته ونظام قيمه وسلوكاته. كما أنه عرف خلال الخمسين سنة المنصرمة دينامية جديدة في تراثه ونشاطه الثَّقافي. وبالإضافة إلى ذلك فإن الجالية المغربية بالخارج تؤكد وجودها، فضلاً عن إسهامها في الاقتصاد الوطني، بوصفها فاعلاً لانفتاح البلاد، وعاملاً للتغيُّر الاجتماعي.
1)              تطور الساكنة المغربية منذ الاستقلال
نُظِّم أول إحصاء للسكان بعد الاستقلال سنة 1960. ومنذئذ دأب المغرب على تنظيم إحصاء عام للسكان كل عقد، وكان آخرها سنة 2004.
فمن 1960 إلى 2004، تضاعف عدد السكان بمعدل 2,6، متنقلاً من 11,6 مليون إلى 29,9 مليون نسمة، بحيث إن نسبة نموه السنوي انخفضت بنسبة 2,6% خلال الفترة المتراوحة بين 1960 و1970 وبنسبة 1,4% ما بين إحصاء 1994 وإحصاء 2004.
ويكتسي النمو الديموغرافي الحضري حدة أكبر مِمَّا هو عليه بالوسط القروي، إذ تطورت الساكنة الحضرية ما بين الإحصاءَين الأخيرين بوتيرة سنوية متوسطة قدرها 2,1%، فيما لم تتجاوز هذه النسبة 0,6% بالنسبة إلى الساكنة القروية.
وينبغي -ما دمنا نتحدث عن الثَّقافة- تأكيد أن النقاش العمومي حول المسألة الديموغرافية لم يتعرض في المغرب لتأويلات آيديولوجية أو سياسية قاطعة، كما هو الحال بالنسبة إلى عديد من البلدان.
وكنتيجة للنمو الديموغرافي المتسارع خلال العقدين الأولين من الاستقلال، فإن التجلي الديموغرافي عن كل سن للسكان المغاربة أضحى يعكس اليوم السمة الشابة والمتنامية للشرائح العمرية النشيطة. وتصل نسبة البالغين من العمر أقل من 15 سنة حاليًّا إلى %30، في حين تناهز نسبة البالغين من العمر ما بين 15 و59 سنة أكثر من62%. أما في ما يخصُّ نسبة الأشخاص المسنين فيلاحظ استقرارها النسبي على مدى الخمسين سنة الأخيرة، بحيث استقرت اليوم في نسبة 7,6%. وإذا كان صغر سن الساكنة بمثابة إمكان بشري مهمٍّ، فإنه جعل مختلف السياسات العمومية في مواجهة تحديات كمية، ولا سيما في ميادين التربية والصحة والشغل.