الأحد، 2 أكتوبر، 2016

تبخر الماء

تكمن أهمية الاحتياجات المائية للمحاصيل في كونها المعلومة الأساسية اللازم توفرها لوضع الخطط الإنمائية والمشاريع الإروائية الإستراتيجية، كتصاميم مشاريع الري، وتوفير المصادر المائية لتلبية هذه الاحتياجات خاصة في المناطق التي تعاني من شح في مواردها المائية. حتى في حالة توفر المياه بكثرة تبقى الحاجة ماسة لحسن استغلالها بما يتلاءم مع الاحتياجات المائية للمحاصيل الزراعية. كما أن جدولة الري الجيدة في الحقول والمزارع تعتمد كلياً على مدى دقة وصحة تقدير هذه الاحتياجات.

تعد الاحتياجات المائية للمحاصيل من المواضيع الهامة جداً في مجال الري، لأنها العنصر الحاسم لكل الحسابات المائية لأي بلد. وقد حظي هذا الموضوع باهتمام العاملين بمجال الري والزراعة في كل مكان بغية الوصول إلى نتائج يمكن الاعتماد عليها في خطط التنمية ومشروعات التوسع الزراعي. ومن الثابت عمليا وعلميا أن تقدير وتحديد الاحتياجات المائية للمحاصيل يعد المرحلة الأولى والمهمة لتخطيط الإدارة المثلى للمياه المتوفرة.

 الاستهلاك المائي.
 
يعرف الاستهلاك المائي بأنه كمية الماء المفقودة بالكامل نتيجة البخر من سطح التربة و النتح من النبات، بالإضافة إلى كمية المياه المستعملة في بناء أنسجة النباتات والعمليات الحيوية الأخرى المؤثرة في نموه التي تشكل نسبة 1% أو أقل من كمية المياه المستهلكة في عمليتي البخر و النتح. وبما أن الماء المستهلك في بناء أنسجة النبات ضئيل جداً مقارنة بالاستهلاك المائي الكلي، لذا استخدم المصطلح البخر-نتح Evapotranspiration (ET) للدلالة على الاستهلاك المائي. ويعبر عن الاستهلاك المائي بعمق مكافئ من الماء (مم/يوم، مم/شهر، مم/موسم).

ويعبر البخر عن عملية تحول السائل إلى بخار وانتشاره إلى المحيط الجوي، وينتج عادة من السطوح الطبيعية، كالمسطحات المائية المكشوفة أو التربة الجرداء أو من الغطاء النباتي. وتتطلب هذه العملية تبادل حراري قدره 590 سعر حراري تقريباً لكل جرام واحد من الماء.

ومفهوم البخر بالنسبة للاستهلاك المائي هو مقدار كمية المياه التي تتبخر من سطح الأرض المزروعة خلال فترة نمو المحصول طيلة الموسم الزراعي. وفي حالة استخدام نظام الري بالرش يشمل البخر أيضاً كمية المياه التي تساقطت على أوراق النباتات وتبخرت من سطوحها مباشرة. أما المتطلبات الرئيسية اللازم توفرها لعملية البخر هي توفر مصدر للطاقة الحرارية مع وجود فرق في تركيز بخار الماء بين سطح الماء والهواء المحيط به. وعادة الشمس هي المصدر الرئيسي للطاقة اللازمة لعملية البخر. لذا فإن العوامل الجوية المؤثرة على عملية البخر هي الإشعاع الشمسي، ودرجة الحرارة، وضغط البخار، وشدة الرياح السائدة في المنطقة. ومعدلات البخر تتغير قيمها خلال اليوم الواحد وعلى مدار السنة.
      
 عادة تصاحب مراحل نمو المحصول حركة مستمرة للماء من التربة إلى الجذور ثم الساق فالأوراق. وتختلف سرعة حركة الماء في النباتات، إذ تتراوح ما بين 0.25 و 1.25 م/ساعة. وقد تزداد كثيراً في حالات ارتفاع درجات الحرارة وهبوب الرياح. والنباتات تحتجز جزء بسيط من المياه التي تمتصها الجذور لبناء الأنسجة والفعاليات الحيوية الأخرى. أما إذا زاد معدل البخر من الأوراق عن معدل امتصاص الجذور للماء فغالباً يحدث ذبول للنبات ويتعثر نموه. كما أن النتح يتوقف إذا كانت الحرارة غير متاحة، وبالعكس يزداد معدل النتح عند زيادة درجات الحرارة. وقد يكون مصدر الحرارة من التربة أو الهواء أو من الإشعاع الشمسي المباشر. وعادة تكون أشعة الشمس المباشرة هي المصدر الرئيسي لعملية النتح.

 العوامل المؤثرة على الاستهلاك المائي.

يتأثر الاستهلاك المائي للنباتات بالعديد من العوامل البيئية المختلفة التي تؤثر أصلاً على عمليتي البخر والنتح. كما أن لكل من طريقة الري المتبعة، ودرجة كفاءة الري، وطبيعة تهيئة التربة تأثير على قيم الاستهلاك المائي للمحاصيل الزراعية. ومن أهم العوامل المؤثرة على الاستهلاك المائي ما يلي:

1.  العوامل الجوية (المناخية):

 تتوقف طبيعة البخر من المسطحات المائية والنباتية أو النتح من النباتات على طاقة الإشعاع الشمسي (شدة الإشعاع، وطول فترة الإشراق)، ودرجة الحرارة، وسرعة الرياح، والرطوبة النسبية (الرطوبة الجوية)، والأمطار. فطاقة الإشعاع الشمسي هي الأساس في عملية البخر-نتح لكونها المصدر الحراري المطلوب لهاتين العمليتين، بالإضافة إلى ذلك فإن عملية النتح لا يمكن أن تتم إلا خلال فترة الإضاءة، لأن للضوء تأثيراً في فتح الثغور وغلقها، فالنتح يقل كثيراً أثناء الليل. أما تأثير الرياح فهي تساعد على إزالة بخار الماء من فوق المنطقة المزروعة واستبداله بهواء جاف مما يساعد على زيادة معدل البخر-نتح في تلك المنطقة.

2.   عوامل التربة:

نتيجة لاختلاف الصفات الطبيعية للتربة من موقع لآخر يحدث تباين في معدلات رشح التربة. كما أن لكل من الجهد المائي والتوصيل الهيدروليكي تأثير واضح على معدل النتح. فهناك علاقة طردية بين جهد ماء التربة ومعدل النتح، حيث أن التربة يمكنها أن تجهز الماء لجذور النبات بنفس المعدل الذي تفقده بواسطة النتح. كما أن رداءة التوصيل الهيدروليكي للتربة يؤدي إلى خفض معدل النتح من النبات، لأن قدرة التربة على إيصال الماء إلى السطح في هذه الحالة تقل مما يؤدي إلى جفاف سطحها وتوقف معدل الإمداد. فالتأثيرات الفعالة المتعلقة بالتربة هي بناء التربة، وتركيبها، والإيصالية المائية، والجهد المائي. فالتربة الطينية المتماسكة يتبخر منها الماء أكثر من التربة الرملية الهشة.

 يؤثر انحدار ودرجة تعديل سطح الأرض الزراعية وبقايا المحصول في معدل الاستهلاك المائي،  كما أن نوع التربة ولونها له علاقة مباشرة في امتصاص الطاقة، فالتربة الفاتحة تعكس كمية أكبر من الأشعة الساقطة مقارنة بالتربة الداكنة، وزيادة المادة العضوية والمحتوى الرطوبي يقلل من الانعكاس.

3.  عوامل النبات:

تختلف النباتات فيما بينها في قيم الاستهلاك المائي، كما يختلف النبات نفسه في قيم الاستهلاك المائي من فترة إلى أخرى تبعاً لمرحلة نموه وازدياد حجمه، ومن عوامل النبات المؤثرة هي كثافة الغطاء النباتي، نوع النبات، مرحلة نموه، شكله وحجمه، وترتيب الأوراق وعدد الثغور فيها.

يزداد الاستهلاك المائي بزيادة كثافة الغطاء النباتي. ففي بداية مراحل النمو يتأثر بشكل رئيسي بالبخر من سطح التربة. أما في التربة التي  تكون كثافة النبات فيها بسيطة يكون فقد الماء سريع بعد الري مباشرة عن طريق البخر. ثم يقل الفقد مع ازدياد جفاف سطح التربة. بينما يبقى النتح دون تأثير تقريباً. وعندما ينمو النبات كثيفاً ويغطي سطح الأرض يقل البخر من التربة ويصبح أغلب الاستهلاك المائي ناتجاً عن عملية النتح.

تزداد قيم الاستهلاك المائي تبعاً لكبر حجم النبات خلال مراحل نموه المختلفة وزيادة عدد الثغرات للورقة الواحدة، وزيادة عمق الجذور وامتدادها، فالاستهلاك المائي يزداد تدريجياً من بدء الزراعة - نتيجة لزيادة نسبة السطح المغطى وكبر حجم النبات- إلى مرحلة التزهير، ثم ينخفض بعد ذلك نتيجة لبعض العوامل الحيوية أو الفسيولوجية الخاصة بالنبات. كما أن لون أوراق النباتات لها تأثير على الاستهلاك المائي أيضاً، فكلما كان اللون غامقاً كلما عكست كمية أقل من الطاقة الشمسية وبالتالي يزداد الاستهلاك المائي.



 البخر-نتح المرجعي.

هو مقدار معدل البخر-نتح من سطح غطاء نباتي قصير نامي بشكل جيد ويغطي الأرض تماماً ولا يعاني من نقص في الماء، أو يعرف بأنه الحد الأعلى للبخر والنتح من محصول زراعي مروي جيداً وله سطح خشن مثل البرسيم ETr نامي بارتفاع يتراوح ما بين 0.30 و 0.50 متر، أو العشب القصير ETo. والبخر-نتح المرجعي يمكن تعريفه أيضاً بالصيغة التالية: هو كمية الماء المفقودة بواسطة عمليتي البخر و النتح في وحدة زمن معينة بواسطة محصول أخضر كامل النمو متجانس في النمو والارتفاع مع توفر الرطوبة الأرضية الكافية وبصورة مستمرة.

 البخر-نتح للمحصول ETc.

هو البخر-نتح الفعلي الذي يحتاجه النبات خلال فترة نموه، ويساوي البخر-نتح المرجعي (or ETr ETo) مضروباً بمعامل المحصول (Kc) كما هو موضح بالعلاقة التالية:
ETc  = ETr × Kc  
ETc  = ETo × Kc  
معامل المحصول Kc.

أن لكل محصول معامل خاص به نتيجة لاختلاف خصائصه التشريحية والفسيولوجية. ومعامل المحصول غير ثابت طيلة فترة نمو المحصول، بل أنه يتغير للمحصول الواحد من فترة إلى أخرى طيلة الموسم الزراعي. وهذا ناتج عن تغير الظروف الجوية ونوع التربة أو مرحلة النمو، بالإضافة إلى فترات الري خلال المرحلة الأولى من تطور النبات.

ويمكن أن يعرف معامل المحصول (Kc) بأنه النسبة بين البخر-نتح الحقيقي من المحصول النامي تحت ظروف مثالية ومنتجاً أفضل غلة اقتصادية إلى البخر-نتح الكامن (المرجعي) كما هو موضح في العلاقة التالية:
                                             
وعليه فإنه يمكن تقدير قيم معامل المحصول بقياس الاستهلاك المائي الأقصى للمحصول خلال فترة نموه و قسمته على قيم البخر-نتح المرجعي لمحصول البرسيم أو العشب المقاس خلال فترة النمو لنفس الموقع أو المحسوبة من المعادلات. و تختلف قيمة معامل المحصول حسب مرحلة النمو. بشكل عام تنقسم فترة نمو المحاصيل إلى أربعة مراحل رئيسية  (Allen et. al., 1998) هي:

·       المرحلة الأولى (مرحلة البداية أو الإنبات): يبدأ النبات بالإنبات وظهور البادرات وبداية النمو في هذه المرحلة تكون التربة مكشوفة إلى مغطاة جزئياً.
·       المرحلة الثانية (مرحلة التطور): ينمو النبات خضرياً ويصبح أكثر كثافة ويزيد من تغطية سطح الأرض.
·       المرحلة الثالثة (مرحلة الإثمار): تبدأ من أواسط النمو الخضري تقريباً ومرحلة التزهير وتكوين الثمار والنبات يكون أكثر كثافة ويغطي التربة كلياً.
·       المرحلة الرابعة (مرحلة النضج والحصاد): من نهاية المرحلة السابقة يبدأ النبات ينضج تماماً استعداداً للحصاد واصفرار وسقوط الأوراق. ويوضح الشكل التالي المراحل المختلفة للنيات.


يتأثر البخر-نتح في المرحلتين الأولى و الثانية بشكل رئيسي بالبخر من سطح التربة. فالتقدير الدقيق والجيد للبخر-نتح للمحصول يعتمد على دقة تقدير قيم معامل المحصول المستخدمة.