الأحد، 21 أغسطس، 2016

الثورات والإسلام



طراز الحكام والإسلام
هذا ما يقال إذا نظرنا إلى هذه القضية على ضوء العلم المكتسب بالتجارب، وأما إذا نظرنا إليها من الوجهة الإسلامية، فإن معاني تلك الألفاظ من اشتراكية وحرية ووحدة وثورة وجمهورية إما أن تكون موجودة في الإسلام الذي يستمد أحكامه من الكتاب والسنة، أو ليست موجودة. فإن كانت موجودة فيه، فقد وجب علينا أن نجعل الهم واحدا، ونرضى بالله صاحبا، فنجدد الدعوة إلى الإسلام الأول على صفائه وطهارته، ونخلصه من جميع الشوائب والأكدار والبدع التي طرأت عليه بمرور الزمان، وقد سعد أوائلنا به، ولم يكونوا قبله شيئا مذكورا. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها.

و هذا الدين الحنيف صالح لكل زمان ومكان ولجميع الناس، وقد جُرِّبَ فَصَحَّ، وجُرِّبَ خلافه مند عشرات السنين فلم يصح.

أما الاشتراكية، ففرض الزكاة والكفارات، والترغيب في صدقة التطوع، وتحريم الربا، و هو أخد فائدة على القروض سواء أكانت من الحكومة لأفراد الشعب وجماعاته، أم من أبناء الشعب بعضهم لبعض، وإباحة المضاربة برؤوس الأموال والسلم، وهو شراء الحبوب والثمار وغيرها في الذمة، بالتزام البائع إحضارها بعد اجل مسمى يمض على قبض الثمن، وكذلك إباحة الشركات التعاونية، حتى شركة الأبدان التي ليست لها رأس مال. ذلك وما أشبهه من أحكام الشريعة الغراء يغنينا عن الاشتراكية الأجنبية بأنواعها. فالإسلام نظام مستقل سبق إلى كل ما في تلك المذاهب من خير وتجنب كل ما فيها من شر.

و أما الحرية فإن الإسلام إذا رجعنا إلى أصله، وتركنا التعصب جانبا لكفيل بها على أكمل الوجوه، بالنسبة إلى المسلمين، وإلى غيرهم ممن يواطنهم أو يسالمهم من الطوائف الأخرى. وكلمة عمر بن الخطاب لما انتصر للقبطي من ابن عمرو بن العاص، وهي قولة "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" لا تزال ترن في الآذان، وقوله تعالى في سورة النحل {إِنِّ اللهَ يَأِمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ} [الآية:90]  قانون اجتماعي عظيم لمن فهمه ووقف للعمل به.

الثورات والإسلام
و أما الوحدة فنصوص الكتاب والسنة في وجوبها والتحذير من الفرقة صريحة لا تقبل التأويل، منها قوله تعالى في سورة آل عمران {واعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً ولاَ تَفَرَّقُواْ واذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الآية :103] ومنها قوله تعالى في سورة الأنعام {إن الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الآية :159].

و أما الثورة فلا تجوز في الإسلام إلا إذا ارتكب من يتولى الحكم الخيانة الكبرى، وهي الكفر بالله العلني، ومنه استحلال ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، وترك الجهاد في سبيل الله، ولا يجوز أن يكون الثائرون متلبسين بالجريمة نفسها، أو عازمين على ارتكابها متى تم لهم الأمر، فتكون الثورة على باطل مثله أو شر منه، مع ما يترتب عليها من إخلال الأمن، وسفك الدماء البريئة، وفتح باب الفتنة، حتى يترحم الناس على الزمان الذي مضى عليهم قبل الثورة.

فمتى توفرت شروطها. وكان رجالها أكفاء مخلصين يريدون بها وجه الله والإصلاح في الأرض، ونصر المظلوم، وكسب المعدوم، فإنها تكلل بالنجاح، ولا تحتاج إلى من يثور عليها فتتسلسل الثورات، وتلك هي الطامة الكبرى، وفي الخبر ( أمير غشوم، خير من فتنة تدوم).
الجمهورية والإسلام

و أما الجمهورية، فإن الإسلام يأمر بالشورى، ويشترط في الإمام شروطا معلومة، منها العلم والدين، والقدرة على القيام بالأمر، والجهاد في سبيل الله، وحماية حوزة المسلمين، ومتى وجدت هذه الشروط، استقامت الأمور، وسعد الإمام والرعية، رئيسهم ومرؤوسهم، فإن لم تتوفر فأقرب الناس إليها أقربهم من السعادة، والعكس بالعكس. هذا ما أراه واجبا علي من النصيحة لكلا الفريقين المتخاصمين من جمهوريين وملكيين.

أما الوحدة وما معها من الأمور السابقة فكلا الفريقين يدعيها، والمختلف فيه هو طريقها، فمن وجده وجدها. والشدة والعنف والارتجال أمور تتنافى مع الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الغاية بسلامة، فعليكم بالرفق، فإن الله يعطي بالرفق ما لا يعطيه بالعنف. وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين.