مكانة الاجتماعية للمرأة في العصر الجاهلي

مكانة الاجتماعية للمرأة  في العصر الجاهلي
نهضت المرأة العربية بدور هام في الحياة الاجتماعية في العصر الجاهلي ، في السلم والحرب، وحظيت بمكانة مرموقة في المجتمع العربي ، عصرئذ، بحيث لم يجد بعض الملوك بأساً من الانتساب إلى أمهاتهم، مثل : المنذر بن ماء السماء ، ملك الحيرة(512-554م) وماء السماء لقب أمه، مارية بنت عوف، لقبت به لجمالها( ). وعمرو بن المنذر المعروف بعمرو بن هند ، نسبة إلى أمه هند بنت عمرو بن حجر( ). ونسب ولد الياس بن مضر إلى أمهم خندف( )، ونسب بنو عمرو بن أُدّ بن طابخة إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة ( ) .
وليس أدل على علو منزلة المرأة كأم من افتخار أبنائها بنسبهم إليها، وزهوهم بحريتها، فهذا القتال الكلابي يفتخر بأمه الحرة، فيقول( ) :
لقـد ولـدتنـي حـرةٌ ربعيـةٌ           من اللاّء لم يحضرن في القيظ دندنا

والشنفرى يعتز بأمه الحرة،فيقول ( ) :
أنا ابن خيار الحجر بيتا ومنصبا          وأمـيّ ابنةُ الأحـرار لو تعرفينها

ومن الدلائل على قدرها في النفوس أنها كانت تجير الهارب وتحميه. فقد روي أن خماعة بنت عوف بن محلم الشيباني أجارت مروان بن زنباع العبسي، وكذلك فكيهة بنت قتادة بن مشنوء،أحد بني قيس بن ثعلبه، أجارت السليك بن السلكة( )، وروي عن ابن مسعود بن مالك الثقفي انه جعل خباء زوجته سبيعة بنت عبد شمس حرماً في حرب الفجار، بحيث أمن فيه مَنْ دخله من أعدائه من قريش وأصبح سالماً ( ).
وقد نبغ اكثر من واحدة منهن في الحرب، والسياسة ، والأدب، والشعر، والتجارة ، كجليلة، أخت جسّاس ، التي يلْفت النظرَ شعرُها الرائعُ المؤثّر ، وكأمِّ جندب، التي احتكم إليها أمير الشعر في عهدها : امرؤ القيس ، وعلقمة الفحلُ، وكالخنساء، التي امتازت بالرثاء فأبدعت….. ومنهن من اشتهرن بالحكمة، وحدة الذكاء ، وقوة العقل ، وسداد الرأي ، ومنهن ابنة الخُسّ الايادية ( )، وخصيلة بنت عامر بن الظرب العدواني، والحمراءُ بنتُ ضمرةَ النهشليّ، وحذامِ بنتُ الريّان ، التي قيل فيها ( ):
إذا قالت حذامِ فصدّقوها       فان القول ما قالت حذام

دورها في الحرب :
ولم تكن المرأة العربية في العصر الجاهلي بمنأى عن أحداث مجتمعها، ولم تكن أقل حماساً من الرّجل ، إذا دقت طبول الحرب في القبيلة معلنة بدء غارة لها على قوم، أو شنت عليها الغارة، فقد كانت المرأة تشارك الرجل في الحرب ، فتمضي مع المقاتلين في المؤخرة، تنشد الأهازيج وتضرب بالدفوف، ويبثثن في القوم الأناشيد الحماسية ( ) قال عمرو بن كلثوم ( )
علـى آثـارها  بيضٌ كرام         نحاذرُ أنْ تُفارقَ أو تهونا
ظعائنُ من بني جشم بن بكر        خَلَطْن بميسم  حَسَباً ودينا
أخذْنَ على بُعولتهـن عهدا          إذا لاقوْا فوارسَ  مُعْلمينَا
إِذا لم نحمهـنّ فـلا بقينـا         لشـيء بعدهن و لاحينيا

وإذا قُتل فارس ندبنْه نَدْباً حاراً ، وحضضن على الأخذ بثأره، من خلال أناشيد الانتقام التي يسمعها المرء في شعر الخنساء ( ) ، وكبشةَ أختِ عمرو بن معد يكرب ( )، وكرمة بنت ضلع، وهند بنت حذيفة الفزارية، وأم قرفة زوجة حذيفة بن بدر.
ونسمع صوتاً خفياً ، تبثّه بعض النساء، في إِحلال السّلام بين المتحاربين وخاصة إذا كانوا ذوي رَحِمٍ ، فقد أسهمت بيهسةُ بنتُ أوسٍ في إِطفاء الحرب التي نشبت بين عبس وذبيان ، وكان أبوها قد زوجها من الحارث بن عوف المرّي، وأراد أن يدخل عليها ، فقالت : أتفرغ لنكاح النساء ، والعرب تقتل بعضها؟ قلت : والخطاب لزوجها) فيكون ماذا ؟ قالت : أخرج إلى هؤلاء القوم، فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهل بيتك فلن يفوتك… قال: فخرجنا حتى أتينا القوم ، فمشينا فيما بينهم بالصلح ، فاصطلحوا….

 حقوقها :
 وقد كان من حقها أن تراقب أفعال الرجل، وتسأله عن أعماله ، وتناقش تصرفاته وتدعوه إلى الاستقامة ، فالزوجة مثلاً  كانت ترى أن زوجها ، وما مَلَكَ، إنما يعود خيره وشره عليها، فهي لذلك تحرص على ماله( )، وترى من حقها أن تلومه إن أسرفَ فتدعوه إلى الاعتدال ، وقد تقسو، أو تعنف في لومها، كما صور ذلك نبيهُ بنُ الحجاج ، بقوله : ( )
تلك عرساي تنطقاني بهجر    وتقولان قَوْلَ زورٍ وَهَتْرِ
فقد كانت ترى من حقّها أن تلّح على زوجها في التدبير والقصد عند الانفـاق( ).
كما كانت ترى من حقّها ،أيضاً، أن تراقب سلامته( )، وتحذره مغبة المخاطر( ).
وكان للمرأة حق التملّك ، فجليلة بنت المهلهل كان لها إبل يرعاها زيد الخيل( )، وكانت خديجة بنت خويلد تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم ( )، وهند زوجة أبي سفيان كانت ترسل بتجارتها إلى قبيلة كلب في الشام ( ).