أهمية دور القضاء في العالم في حماية حقوق الملكية الفكرية

القضاء بشكل عام، في كل الدول، لعب ولا يزال يلعب دوراً أساسيا في حماية حقوق الملكية الفكرية وتطوير القوانين المنظمة لهذه الحماية. السبب الرئيسي لذلك هو أن الحماية المنظمة المنهجية لحقوق الملكية الفكرية بدأت في فترة تاريخية متأخرة نسبياً بالمقارنة مع حماية باقي الحقوق المتصلة بالأموال المادية الثابتة والمنقولة. الاعتراف بحقوق الملكية الفكرية، بكل جوانبها مثل حق المؤلف أو البراءات أو العلامات التجارية، بدأ يأخذ هذا الطابع المنظم خلال الثلاثمائة سنة الأخيرة بعد ظهور الثورة الصناعية و ظهور أهمية هذه الحقوق في العملية الاقتصادية. فكانت هذه الحقوق ولا زالت، تتطور بسرعة تفوق سرعة المشرع على تنظيمها في قوانين و نصوص موضوعية، مما استدعى تدخل القضاء بشكل إيجابي وفعال، ليس فقط لتنفيذ القوانين الموضوعة المتعلقة بهذه الحقوق وتطبيقها بشكل آلي جامد، إنما لتطبيقها وتفسيرها بطريقة بناءة إيجابية بحيث يضع القواعد الأساسية التي تسهم في تطويرها وسد ثغراتها والتعامل مع التطورات التي لم يتعامل منها. وهكذا نجد أن الكثير من المبادئ المكرسة حالياً في قوانين الملكية الفكرية تم تطويرها بالأساس و الاعتراف بها من قبل القضاء في الدول المختلفة. ولعل أحد الأمثلة على هذه المسالة هي قواعد حماية العلامات المشهورة عالمياً بالنسبة لمنتجات مغايرة عن المنتجات التي تم تسجيل العلامة بالنسبة لها أو المستعملة عليها. لقد بدأت المحاكم الغربية و الأوروبية (الألمانية، الفرنسية وغيرها) تعترف بهذا المبدأ تدريجياً حتى تم تكريسه بالتدريج بموجب نصوص قانونية على المستويين الدولي و المحلي إلى تثبيته تريبس كل قوانين العلامات التجارية التي صدرت في السنوات الأخيرة. وهكذا لعب القضاء ولا يزال يلعب دوراً أساسياً في تطوير قواعد حماية الملكية الفكرية وقوانينها.

أداء القضاء العربي في حماية حقوق الملكية الفكرية
أهمية دور القضاء في حماية حقوق الملكية الفكرية تفوق أحيانا أهمية وجود النص التشريعي نفسه الذي يقرر و يعترف بالحق. وجود قضاء جيد مع عدم وجود نص تشريعي خاص يحمي حقوق الملكية الفكرية يعطي نتائج أفضل على صعيد الحماية من وجود قضاء و أجهزة ملحقة به غير مؤهلة حتى و لو كانت تتوفر بين لديها أفضل النصوص التشريعية و أحدثها التي تحمي حق الملكية الفكرية. القضاء الكفء يمكن أن يستند على المبادىء العامة للقانون المدني وقواعد العدالة من أجل حماية حق الملكية الفكرية، كما حصل في بعض البلدان العربية التي تأخر وجود قوانين لحماية العلامة التجارية فيها لأسباب معينة، و يمكن لقضاء غير مؤهل أن لا يطبق بشكل فعال أفضل و أحدث القوانين.

على سبيل المثال، في الوقت الذي لم يكن لدى مصر قانون خاص لحماية العلامة التجارية، حيث أن أول قانون خاص لحماية العلامة التجارية فيها صدر عام 1939، قام القضاء المصري بحماية هذا الحق استنادا على المبادىء العامة في القانون المدني و خاصة أحكام المسؤولية التقصيرية التي تعتبر أي اعتداء على أي حق عملا غير مشروع مستوجب للمسؤولية و التعويض واستنادا لمبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.
ومثال آخر على ذلك هو القضاء في الإمارات العربية المتحدة التي تأخر صدور أي قانون اتحادي لحماية العلامات التجارية فيها حتى 1992 فقام القضاء بحماية العلامات التجارية بناء على القواعد العامة للقانون المدني، قواعد العدالة والإنصاف والقانون الإسلامي[1].

و القضاء الأردني أيضاً لعب و لا يزال يلعب دوراً هاماً في حماية العلامات التجارية و تطوير قواعد الحماية. وفي سورية لعب القضاء منذ مرحلة الخمسينات دوراً هاماً في تطبيق أحكام المرسوم 47 لعام 46 وفي حل الغموض الذي لف بعض نصوصه ومواده.[2] ونشير إلى أن القضاء اللبناني توصل إلى حماية العلامات المشهورة بالنسبة لمنتجات مختلفة عن تلك التي تستعمل العلامة أو سجلت بشأنها، إذا توفرت شروط معينة، وذلك استناداً إلى الفقه الدولي والتطور القانوني في هذا المجال على الرغم من أن قانون العلامات التجارية اللبناني، الذي هو بدوره مطابقاً للسوري، لا ينص صراحة على حماية هذه العلامات بحكم قدمه.[3]

أكدت محكمة العدل الأوروبية في قرار هام صدر منذ أسابيع قليلة في 27 تشرين الثاني من عام [4]2003 أن الأصوات يمكن أن تستعمل كعلامة تجارية وأنها قادرة على أداء وظيفة العلامة التجارية في تمييز منتجات أو خدمات أحد المشاريع عن منتجات أو خدمات المشاريع الأخرى. بنفس الوقت، قامت هذه المحكمة بتحديد الشروط الصارمة التي يتوجب على العلامة الصوتية أن تحققها من أجل أن تكون قابلة للتسجيل حيث يجب أن يكون ممكن تمثيلها بشكل مرئي بطريقة واضحة، دقيقة، شاملة، وموضوعية. وبهذا فإن الصوت، مثلاً، الممكن تمثيله بنوته موسيقية كاملة تحدد مسافاته و أبعاده بشكل دقيق يمكن تسجيله كعلامة تجارية. بينما صوت حيوان أو ضجيج المحركات لا يمكن تسجيلها كعلامة لأنه لا يمكن تمثيلها بدقة وفق الشروط المبينة أعلاه في نوتة مثلاً، وإن كان يمكن تسجيلها على آلة تسجيل.

من المبادئ المقررة في قوانين العلامات التجارية عدم السماح باستخدام شعارات الدول أو المنظمات الدولية أو الإقليمية و رموزها كعلامات تجارية. أحد القرارات الصادرة حديثاً عن "لجنة الاستئناف الثانية" لدى "مكتب توحيد السوق الداخلية" في الاتحاد الأوروبي تعلق بطلب طريف من إحدى الجهات لتسجيل علامة تشابه لحد كبير شعار مؤسسات الاتحاد الأوروبي نفسه، حيث تتألف من حلقة من النجوم في وسطها الاختصار "ECA". فصدر القرار[5] يرفض تسجيل هذه العلامة استناداً للمبدأ المذكور والمؤكد في المادة (h) (1) 7 من "نظام العلامة الأوروبية" رقم 94/40 تاريخ 20 كانون الأول لعام 1993، المعطوفة على المادة6  من اتفاقية باريس للملكية الصناعية.

ولقد بين القرار أن الشعار المؤلف من دائرة من النجوم الصفراء/الذهبية على خلفية زرقاء أو من دائرة من النجوم البيضاء على خلفية سوداء محمي كشعار وكعلم للاتحاد الأوروبي ولا يجوز تقليده في علامة تجارية.

4-3   العلامة "24 BANK" و العلامة "24 Immobilien"
تقليدياً، تعامل قانون العلامات التجارية مع المنتجات المادية من بضاعة و مواد مختلفة. تقرير التشابه بين أنواع هذه المنتجات في سياق النظر في تشابه العلامات التي تمثلها أصبح يخضع لمعايير معروفة في القوانين المختلفة واجتهادات المحاكم. بعد تطور قانون العلامات التجارية وامتداد العلامات إلى الخدمات أيضاً، نشأت الحاجة لتطوير معايير تشابه بخصوص أداء الخدمات، لأنه بطبيعة الاختلاف بين المنتجات كمواد ملموسة والخدمات غير المادية التي تؤدى أداءً للزبائن، لا بد أن يكون هناك معايير خاصة لتقدير التشابه بين الخدمات. الاجتهاد القضائي ساعد كثيراً في بلورة هذه المعايير. أحد الأمثلة على ذلك من المحاكم الألمانية نبينه فيما يلي:
نظرت "لمحكمة الألمانية الفدرالية العليا" في دعوى تتعلق بإدعاء من صاحب علامة الخدمة: "24 BANK" المستعملة و المسجلة للخدمات المالية ضد العلامة "24 Immobilien" المستخدمة بالنسبة لمشروع إدارة بنك معلومات على الإنترنت يتعلق بالعقارات يوضع تحت خدمة الراغبين بالشراء أو
الاستئجار و الراغبين بالبيع والتأجير وقد سجلت هذه العلامة بتاريخ لاحق للعلامة الأولى. محكمة الدرجة الأولى ومحكمة الاستئناف رفضتا الدعوى بسبب عدم التشابه بين العلامتين والخدمات التي تتعلق كل من العلامتين بهما، أما المحكمة العليا فكان لها رأي آخر.

جاء في قرار المحكمة العليا[6] "أنه بحسب الاجتهاد المستقر لهذه المحكمة يتوجب، عند النظر إذا ما كان هناك احتمال للخلط بين العلامتين من قبل الجمهور، أن يتم النظر في ظروف كل قضية بشكل إفرادي على حدى. هناك ترابط وتفاعل بين التشابه بين العلامات أنفسهم والتشابه بين الخدمات التي يستعملون بالنسبة لها وبين قدرة العلامة الأولى على التمييز. بناء على ذلك، فإن التشابه القليل بين الخدمات يمكن أن يعوض بشدة التشابه بين العلامات نفسها، وبالعكس، وكذلك يمكن أن تعويضه بالقدرة الكبيرة على التمييز التي اكتسبتها العلامة الأولى. لقد وقعت محكمة الاستئناف بالخطأ عندما نفت وجود تشابه بين الخدمات المالية المصرفية المغطاة بعلامة المدعي وبين الخدمات التي تغطيها علامة المدعى عليه وهي توفير بنك معلومات على الإنترنت لخدمة المشترين والبائعين والمستأجرين والمؤجرين للعقارات". المحكمة تابعت أنه بحسب الاجتهاد القضائي لمحكمة العدل الأوروبية، فإنه عندما تم تحديد التشابه بين الخدمات يجب النظر إلى العلاقة بين الخدمات، وبشكل خاص لنوعها والهدف منها إضافة لرأي الجمهور عن هذه الخدمات ومن يؤديها عادة. "لقد أخطأت محكمة الاستئناف عندما لم تأخذ بعين الاعتبار العلاقة الوثيقة بين الخدمات المالية والمصرفية والخدمات المتصلة بالعقارات. هذه العلاقة تظهر، على سبيل المثال، من خلال واقع أن المصارف والمؤسسات المالية أصبحت تنشط في مجال العقارات والخدمات المتصلة بها. محكمة الاستئناف لم تأخذ بعين الاعتبار أن البنوك تنشط بشكل خاص في مجال التمويل العقارية، حيث أنها تمول صفقات الشراء للعقارات. لذلك، فإن رفض اعتبار أن هناك احتمال للخلط بين العلامتين لأنه لا يوجد تشابه بين الخدمات في غير محله".

مسألة قانونية أخرى هامة، و جديدة نسبياً، عالجتها المحكمة العليا في هذا القرار، هي مسألة التشابه عندما تتعلق المسألة ب "سلسلة" علامات. سلسلة العلامات تكون عندما تطور شركة أو مشروع سلسلة من علامات تشترك في جذر واحد تضيف إليه كلمة جديدة لتؤلف علامة جديدة، مثل علامة كيندر للشوكولا، حيث هناك "كيندر كانتري"، "كيندر بوينو"، "كيندر سوربريز" إلى أخره. والعلامة موضوع القرار وهي: "24 BANK" هي أيضاً علامة من سلسلة تستعملها الجهة المدعية في الخدمات المصرفية والمالية مثل: "24 DEPOT"، "24 DISPO"، "24KONTO"، "24 BANK" الخ. جميع هذه العلامات تتألف من الجذر الذي هو الرقم "24" إضافة إلى كلمة أخرى (الجدير بالذكر أن الكلمات الأخرى وصفية ولو كانت لوحدها لما كانت مؤهلة للحماية والتسجيل كعلامات، ولكن هذه مسألة أخرى). محكمة الاستئناف وجدت أنه لا يوجد تشابه إجمالي بين علامة الجهة المدعية "24 BANK" وعلامة المدعى عليه "24 Immobilien" حيث أن الانطباع العام الذي تتركه كل من العلامتين لدى الجمهور مختلف، على الرغم من اشتراكها في الرقم 24. محكمة النقض وافقت على هذه النتيجة، ولكن اعتبرت أنه لا بد أيضاً من التمحيص ما إذا كان هناك احتمال للخلط على اعتبار أن علامة المدعي هي "علامة سلسلة". المحكمة تابعت مبينة أنه عندما لا يكون هناك احتمال للخلط لدى الجمهور بناء على عدم التشابه الإجمالي، لا بد أيضاً من النظر في احتمال وجود الخلط بناء على حقيقة أن علامة المدعي هي علامة من سلسلة علامات تشترك بالجذر 24. فهناك يبقى احتمال أنه عندما ظهرت علامة المدعي عليه "24 Immobilien" التي تشترك في الجذر 24 مع علامة المدعي، وكون الخدمات مرتبطة، فإن الجمهور سوف يعتقد بأن علامة المدعى عليه هي علامة جديدة أوجدها المدعي من ضمن سلسلة العلامات التي طورها وتشترك بالجذر 24.

لذلك قامت المحكمة العليا بنقض الحكم والطلب من محكمة الاستئناف أن تمحص هذه المسألة وترى إن كان هناك احتمال للخلط بين العلامتين على هذه الأسس بتاريخ تسجيل المدعى عليه لعلامته.

يعتبر مبدأ استنفاد حقوق الملكية الفكرية أيضاً من المبادئ التي طورها القضاء في الدول المختلفة في العقود الأخيرة وبعد ذلك تم تبنيه من قبل الكثير من التشريعات الوطنية. باختصار، مبدأ الاستنفاد بصيغته البسيطة يعني أنه بمجرد أن يضع صاحب العلامة المنتج الذي يحمل هذه العلامة بإرادته في التداول يستنفد حقه تجاه هذه العلامة، فلا يعود بإمكانه أن يستند على حقه بالعلامة للتحكم بمصير المنتج الذي يحمل هذه العلامة.

لمبدأ استنفاد حقوق الملكية الفكرية تطبيقات كثيرة. إحدى محاكم الاستئناف الألمانية[7] قررت أنه لا يحق للشركة صاحبة العلامة المصنعة للسيارات التي تحمل هذه العلامة أن تمنع تاجر من استعمال صورة علامة المرسيدس –وهي النجمة الثلاثية المعروفة- وكذلك العلامة الكلمة "مرسيدس-بنز" على الإعلانات المتعلقة ببيع هذه السيارات، طالما أن هذا الاستعمال يكون ضمن الحدود المعروفة تجارياً بقصد بيع هذه السيارات ولا يتم استعماله بطريقة أخرى بحيث يقصد منه أن يستفيد التاجر كتاجر من سمعة هذه العلامة و الشركة التي تملكها. من جملة الاعتبارات التي أسندت المحكمة رأيها إليها هو مبدأ استنفاد الشركة صاحبة العلامة لحقها في منع التاجر من استخدام هذه العلامة في معرض بيع السيارات التي تحملها طالما أنها هي نفسها قامت بوضع هذه السيارات علامتها في التداول.

المحكمة العليا الألمانية حكمت في قرار حديث[8] بأن الرقم "1" يمكن أن يكون له قدرة على تمييز منتجات معينة كالسجائر ويسجل كعلامة تجارية، وليس بالضرورة أن يدل على الكمية دائماً. وبهذا قررت المحكمة المبدأ بأن هذا الرقم، أو غيره من الأرقام ذات الخانة الواحدة أي الأرقام من 1 إلى 9، يمكن أن تكون عندما تستعمل بالنسبة لخدمات أو منتجات معينة، دالة على الكمية وبالتالي لا يكون لها قدرة على التمييز ولا يصح استخدامها كعلامة. وقد سبق لنفس المحكمة أن قررت بالفعل بأن الرقم "1" لا يصح أن يستخدم كعلامة في معرض أداء بعض الخدمات الإذاعية لأنه بالنسبة لهذه الخدمات وطبيعتها محتمل أن يكون له دلالة على الكمية أو الرقم أو العدد. أما بخصوص المنتجات المعنية بهذه القضية وهي السجائر، فلا يدل هذا الرقم على الكمية أو العدد، بل قادر على تمييز المنتج كعلامة.

أحد المبادئ المقررة في قانون العلامات التجارية، أن العلامة التي يتم استخدامها بكثرة من مشاريع كثيرة، تفقد قدرتها على أداء وظيفتها كعلامة وهي الإشارة إلى مصدر منتجات معنية، بحيث أن شيوع استعمالها من قبل كثيرين يفقدها القدرة على تمييز منتجات مشروع معين. هذا كان موضوع قرار صادر عن المحكمة العليا في اليابان[9] حيث قررت المحكمة أن العلامة "SMILES" قد تم استخدامها من قبل مشاريع عديدة و لفترة طويلة في اليابان لدرجة أن الجمهور لم يعد يربط هذه العلامة مع منتجات مشروع معين، وبهذا فقدت هذه العلامة قدرتها على أداء وظيفتها كعلامة تجارية.

5-     قضايا مختارة من القضاء الأردني, اللبناني و السوري في مجال العلامات التجارية
هذا يعتبر من أكثر المبادئ التي أكد عليها القضاء الأردني, اللبناني و السوري.

محكمة النقض السورية قررت[10] أنه:
“يجوز الادعاء بأولوية استعمال العلامة الفارقة و لو لم يجر إيداعها، ذلك أن إيداع العلامة في مكتب الحماية، يهدف إلى المحافظة على حقوق صاحب العلامة الفارقة بإيجاد قرينة لصالحه تثبت أحقيته في ملكية هذه العلامة و ليس له أثر منشىء للحق و إنما أولوية الاستعمال هي التي تنشىء حق ملكية العلامة.

من حيث أن دعوى الجهة المدعية المطعون ضدها تقوم على إبطال تسجيل العلامة الفارقة (لاكو) الجاري لاسم الجهة الطاعنة تأسيسها على أن المدعية المذكورة هي صاحبة الحق في هذه العلامة بحكم أنها مسجلة باسمها في بلد المنشأ و مكتب الحماية الدولي و أنها هي التي تستعملها منذ تاريخ 1939 و أن الشركة الطاعنة رغم تسجيلها لهذه العلامة مؤخراً في عام 1952 في مكتب الحماية في سورية فإنه لم يسبق لها أن استعملتها و إنما تستعمل علامتها الأصلية و هي المسماة (لانكو). و من حيث أن الجهة الطاعنة لا تجادل في أن المطعون ضدها استعملت هذه العلامة و غنما تبني دفاعها على سبق إيداعها هذه العلامة للتسجيل و عدم حصول الإيداع من الجهة المطعون ضدها. و من حيث أن القرينة المستمدة من هذا الإيداع ليست من القرائن القاطعة و إنما تقبل إثبات العكس وفقاً لما استقر عليه اجتهاد هذه المحكمة في حكمها المؤرخ في 27 آب 1960.

و من حيث أن السير على خلاف هذا الرأي و إقرار أن سبق التسجيل ينشىء قرينة قاطعة لصاحب التسجيل إنما يتناقض مع قصد المشترع الذي هدف من هذه النصوص حماية أصحاب العلامات و الحيلولة دون تملك المغتصب العلامة إذا سبق صاحبها بالإيداع".

وكذلك فقد أكدت هذا المبدأ في قضايا أخرى عديدة فقد جاء في قرار يعود لعام [11]1962 أن:
"إن سبق تسجيل العلامة الفارقة لا يكسب حق أولوية استعمالها، و إنما العبرة هي للاستعمال الفعلي لهذه العلامة و هو مصدر حق ملكيتها و لو لم يقترن بالتسجيل.
ومن حيث أن ما يستطرد إليه الحكم من تحقق وزارة الاقتصاد من انعدام التشابه فانه لا يصلح أساسا لتبرير خطأ الحكم في هذا الصدد ذلك أن القضاء هو المرجع المختص في تقرير قيام هذا التشابه أو نفيه و ليس في قبول الوزارة تسجيل العلامتين ما يحد من سلطته في تقرير قيام التقليد.

ومن حيث أن الحكم المطعون فيه يستند في قضائه إلى الدعامة الثانية المستمدة من سبق تسجيل علامة الجهة المطعون ضدها معتبرا أن ذلك لا يكفي لإعطائها حق الأولوية بالاستعمال بالرغم من وجود التشابه.

ومن حيث أن المشترع الذي أفسح المجال أمام أصحاب العلاقة الفارقة لإيداع علاماتهم في مكتب الحماية إنما هدف إلى المحافظة على حقوقهم بإيجاد قرينة لصالحهم تثبت أحقيتهم في ملكية هذه العلامة و لكنه لم يجعل لهذا التسجيل أثرا منشأ للحق اعتبر أولوية الاستعمال هي المصدر الذي ينشأ عنه حق الملكية بدليل أنه فتح الباب في المادة 82 أمام كل مدع يطلب إبطال هذا التسجيل في مدى الخمس سنوات التالية للإيداع إذا اثبت انه صاحب الأولوية باستعمالها، و هو ما استقر عليه اجتهاد هذه المحكمة في حكمها المؤرخ 20/11/1961.

ومن حيث أن سبق التسجيل لا يعطي و الحالة هذه للسابق حق أولوية استعمال العلامة و العبرة في كل ذلك هي للاستعمال الفعلي لهذه العلامة الذي هو مصدر حق ملكيتها و لو لم يقترن بالتسجيل"

هذا المبدأ قررته أيضاً المحاكم اللبنانية. مثلاً، جاء في قرار لمحكمة استئناف بيروت[12] أن:
"تبنى ملكية العلامة الفارقة على أولوية الاستعمال في بلد معين وان التسجيل في دائرة الحماية له مفعول إعلاني فقط.

حيث أن النزاع ينحصر في معرفة من هو المالك الحقيقي لماركة "لافكس" في لبنان.

وحيث أن ملكية العلامة الفارقة وحمايتها هي نسبية أي أنها تنحصر في تجارة أو صناعة معينة وفي بلد معين، وذلك مع الاحتفاظ  بالاتفاقات لدولية في هذا الحقل.
وحيث أنه لمراجعة المواد 72 و73 و74 من القرار 2385 تاريخ 17/1/1934 واستناداً للمبادئ القانونية الراهنة يتبين أن ملكية العلامة الفارقة مبينة بصورة أساسية على أولوية الاستعمال في بلد معين وأنه ليس لتسجيل العلامة في دائرة حماية الملكية سوى مفعول إعلاني فقط.

وحيث أنه نتيجة لحق شركة سنتورو بملكية علامة "لافكس"، المستمدة من أولوية استعمالها لها في لبنان، يحق لها المطالبة بابطال كل التسجيلات في مكتب الحماية المخالفة لهذه الملكية"

كذلك قررت محكمة التمييز اللبنانية أن الإيداع في مكتب الحماية ليس شرطاً للمداعاة وجاء في هذا القرار[13]:

"التسجيل في مكتب الحماية ليس شرطاً للمداعاة. إن التسجيل في مكتب الحماية ليس من الشروط الواجب توفرها للمداعاة بالمزاحمة غير المشروعة إذ يستفاد من المادة 114 من القرار 2385 المتعلقة في المادة المذكورة هي الدعوى الجزائية وليس دعوى المزاحمة غير القانونية وهي دعوى مدنية بحتة.

إذا اعتبرت محكمة الأساس أن محاكاة شركة لإنتاج شركة أخرى بالأنموذج ونوع القماش من شأنه أن يخلق التباساً لدى المستهلك حول مصدر الإنتاج وأنه يشكل مزاحمة غير قانونية فأنها تكون قد مارست سلطانها المطلق في التقدير المعطى لها بموجب الفقرة الثانية من المادة 97 من القرار 2385"

القضاء الأردني أخذ أيضا بمبدأ أن الحق لأولوية الاستعمال و أعد انه في حال عدم ثبوت أولوية الاستعمال لأي من المتنازعين على العلامة فإن الحق يكون للسابق في تقديم طلب تسجيل للعلامة. وقد جاء في حكم لمحكمة العدل العليا انه:[14]

"بتاريخ 13/8/1987 أحال مسجل العلامات التجارية بموجب كتابه رقم ع ت/ط/10717 الخلاف الحاصل بين شركة شرعب للوكالات التجارية وبين السيد ذياب الشرقطلي بشأن طلبهما من مسجل العلامات التجارية تسجيل العلامة التجارية (صحة) في الصنف 29 من أجل اللحم والسمك والخضار والأثمار المحفوظة أو المجففة أو المطبوخة والحليب ومنتجاته والزيوت النباتية والسمن والمعلبات والمخلل.

وذكر مسجل العلامات التجارية بكتابه آنف الذكر أنه حصل خلاف حول ملكية العلامة التجارية المذكورة فقرر عدم الموافقة على الطلبين وأنه طلب إلى الفريقين الاتفاق فيما بينهما استناداً لأحكام المادة 17 من قانون العلامات التجارية, ولما لم يتم أي اتفاق فيما بينهما بعد مضي ثلاثة أشهر قرر تحويل الخلاف إلى محكمتنا عملاً بالفقرة الثانية من المادة 17 المذكورة من أجل اتخاذ القرار المناسب بهذا الخلاف.

وقد أرفق مسجل العلامات التجارية بكتابه المذكور ملفي الطلبين وقد استدعت محكمتنا الطرفين بجلسة علنية فلم تحضر شركة شرعب للوكالات التجارية بينما حضر السيد أحمد ذياب الشرقطلي الذي طلب تسجيل العلامة التجارية (صحة) باسمه.

ونحن بعد الاستماع للدعوى بجلسة علنية والإطلاع على أوراق الملفين المبرزين لم نجد أن أي من الطرفين قد قدم ما يثبت أولويته بتسجيل العلامة التجارية (صحة) باسمه ولذا فإنه تعتمد الأسبقية بتاريخ تقديم الطلب إلى مسجل العلامات التجارية أساساً لأحقية أحد الطرفين على الآخر بتسجيل العلامة التجارية المذكورة.

وحيث يتبين من ملف شركة شرعب للوكالات التجارية أنها تقدمت بطلبها بتاريخ 12/1/1987 ودفعت الرسوم في اليوم التالي بينما يتبين من ملف السيد أحمد الشرقطلي أنه تقدم بطلبه بتاريخ 2/3/1987 ودفع الرسوم بنفس اليوم.
فإننا نقرر تسجيل العلامة التجارية (صحة) باسم شركة شرعب للوكالات باعتبارها تقدمت بالطلب لتسجيل هذه العلامة بتاريخ سابق".

ولكن القانون في معظم الدول يسمح بإبطال تسجيل العلامات التي تعتدي على علامات أخرى بناء على أولوية الاستعمال أو على الأسباب الأخرى ضمن مدد معينة يصبح بعدها غير ممكن إلغاء تسجيل هذه العلامات وذلك من أجل أن لا يتهدد استقرار سجل العلامات ببقاء العلامة مهددة بالإبطال إلى ما لا نهاية. فالقانون الأردني يسمح بالإبطال ضمن مدة خمس سنوات وهذه المدة تبدأ من تاريخ تسجيل العلامة التجارية فعلياً وليس من تاريخ تقديم طلب التسجيل وهذا ما أكدته محكمة العدل الأردنية العليا في أكثر من قرار جاء في احدها:[15]

"وحيث أن بالنسبة للموضوع يتبين أن شركة كنت لصناعة المواد الغذائية المساهمة تركية الجنسية تملك العلامة التجارية (كنت) وتستعملها على منتجاتها في الصنف 30 وهي المسجلة في تركيا وأن المدعى ضدها كانت هي الموزع الوحيد لهذه المنتوجات في الأردن بموجب اتفاقية خطية مع المستدعية مؤرخة بتاريخ 15/3/1995 وقد قامت المستأنفة عليها الثانية طلباً إلى المستأنف عليه الأول مسجل العلامات التجارية لترقين هذه العلامة فأصدر مسجل العلامات التجارية القرار المستأنف.

وحيث أن المادة 25/5 من قانون العلامات التجارية تشترط أن لا يكون قد مر على تسجيل العلامة التجارية مدة خمس سنوات حتى يتم حذفها وهذه المدة تبدأ من تاريخ تسجيل العلامة التجارية مدة خمس سنوات حتى يتم حذفها وهذه المدة تبدأ من تاريخ تسجيل العلامة التجارية فعلياً وليس من تاريخ تقديم طلب التسجيل لأن عبارة (من تسجيل  تلك العلامة) الواردة في المادة 25/5 المشار إليها تعني تاريخ التسجيل الفعلي.

فتنص المادة 25/5 من قانون العلامات التجارية على ما يلي:
(إن كل طلب يقدم لحذف علامة تجارية من السجل بسبب عدم وجود ما يسوغ تسجيلها بمقتضى أحكام المواد 16 و17 و18 من هذا القانون أو بسبب أن تسجيل تلك العلامة تنشأ عنه منافسة غير عادلة بالنسبة لحقوق الطالب في المملكة الأردنية الهاشمية يجب أن يقدم خلال خمس سنوات من تسجيل تلك العلامة).

ولما كانت العلامة التجارية (كنت) مسجلة بتاريخ 11/2/1990 وطلب الترقين قدم بتاريخ 13/7/1995 فإنه لا تكون مدة الخمس سنوات قد انقضت من تاريخ التسجيل الفعلي ويكون طلب حذف هذه العلامة مقدم ضمن المدة القانونية.

وحيث أن المادة 8/10 من قانون العلامات التجارية لا تجيز تسجيل العلامة التي تطابق علامة شخص آخر سبق تسجيلها لنفس البضائع التي يراد تسجيل العلامة من أجلها أو لصنف منها أو العلامة التي تشابه تلك العلامة إلى درجة قد تؤدي إلى غش الجمهور.
ولما كانت العلامة التجارية KENT مملوكة للمستأنف عليها الثانية وهي مسجلة خارج الأردن وفي تركيا لذلك فإن القرار مسجل العلامات التجارية المسجلة بباسم المستأنفة وبنفس الاسم يكون واقعاً في محله.

لذلك كله تقرر المحكمة رد الاستئناف وتصديق القرار المستأنف وإلزام المستأنفة الرسوم والمصاريف وخمسين ديناراً أجور محاماة."




[1] انظر مثلاً، القرار المنشور باللغة الإنكليزية في مجلة "المراجعة الدولية للملكية الصناعية وحق المؤلف" (IIC)، عدد 5، 1982، صفحة 658.
[2] انظر مثلاً، القرار: نقض مدني سوري - قرار 767 تاريخ 20/11/961، زكية العوا وأنس كيلاني، «المدونة القضائية»، المجلد /15/، (دار الأنوار دمشق 1989)، ص 182.
[3] انظر مثلاً القرارات المنشورة في كتاب الأستاذ سمير فرنان بالي، قضايا القرصنة التجارية و الصناعية و الفكرية - الجزء الثالث - منشورات الحلبي الحقوقية - طبعة أولى، 2003، صفحة 9 وما بعد، والتي سيتم الإشارة لبعضها أدناه.
[4]  انظر التقرير عن هذا القرار المنشور في النشرة الإلكترونية: http://www.internationallawoffice.com/ld.cfm?Newsletters__Ref=7746
[5] قضيته رقم 2-2000/466 تاريخ 18 شباط 2002 تقرير عنه منشور في IIC، عدد 34، ص428 وما بعد
[6] القرار الصادر في القضية رقم 99/156 IZR تاريخ 24 كانون الأول عام 2002، منشور باللغة الألمانية في مجلة GRUR لعام 2002، صفحة 544 وباللغة الإنكليزية في مجلة IIC، عدد 34 صفحة 434.
[7] محكمة الاستئناف في دسلدورف، القضية رقم 34101 U 20، تاريخ 5 تموز عام 2001، منشور باللغة الألمانية في مجلة GRUR صفحة 438.
[8] القضية رقم 99/23 IZR تاريخ 18 نيسان عام 2002، معروض في: IIC، مجلد 34 صفحة 826 باللغة الإنكليزية.
[9] ملخص عن القرار منشور في IIC، مجلد 34، صفحة 700.
[10] قرار رقم 767 تا 20/11/1961، منشور في: عوا و كيلاني، المدونة القضائية للاجتهاد القضائي، القسم الأول في القضايا المدنية و التجارية و الشرعية، جزء 15، صفحة 182.
[11] القرار 307 تاريخ 5/6/962، منشور في: عوا وكيلاني، مرجع سابق، صفحة 190.
[12] قرار 1610 تاريخ 23/11/1956، منشور في عوا وكيلاني ، مرجع سابق، صفحة 247.
[13] قرار 40 تاريخ 14/6/1973، منشور في عوا وكيلاني ، مرجع سابق، صفحة 262.
[14] عدل عليا رقم 157/87 قرار صدر بتاريخ 6 ربيع أول سنة 1408 ه الموافق 29/10/1987 م منشور في سمير فرنان بالي، قضايا القرصنة التجارية و الصناعية و الفكرية - الجزء 4 - منشورات الحلبي الحقوقية - طبعة أولى، 2003، صفحة128.

[15] عدل عليا رقم 250/97 منشور في سمير فرنان بالي، قضايا القرصنة التجارية و الصناعية و الفكرية - الجزء 4 - منشورات الحلبي الحقوقية - طبعة أولى، 2003، صفحة 111.