العلم المعرفة الثقافة

تعريف العلم وتمييزه عما يشابهه من مفاهيم.
للتعرف بدقة عن اصطلاح العلم la SCIENCE)) فيجب القيام بمحاولة تعريف العلم وتحديد معناه، وكذا القيام بعملية تمييز العلم عما يشابهه ويقاربه مثل المعرفة والثقافة والفن.
المطلب الأول: تعريف العلم.
إن كلمة علم لغة تعني ادراك الشء بحقيقته، وهو اليقين والمعرفة .
والعلم اصطلاحا وهو (جملة الحقائق والوقائع والنظريات ومناهج البحث التي تزخر بها المؤلفات العلمية...) أوأن العلم هو(مجموعة المبادئ والقواعد التي تشرح بعض الظواهر والعلاقات القائمة بينها ...) أو أن العلم هو(نسق المعارف العامة العلمية المتراكمة أو بمعنى أسلوب معالجة المشاكل أي المنهج العلمي) أو أن (العلم هو المعرفة المنسقة التي تنشأ عن الملاحظة والدراسة والتجريب والتي تقوم بغرض تحديد طبيعة واسس وأصول ما تتم دراسته.....العلم هو فرع من فروع المعرفة أو الدراسة، خصوصا ذلك المتعلق بتنسيق وترسيخ الحقائق والمبادئ والمناهج بواسطة التجارب والفروض).

وتدور جل التعريفات حول حقيقة أن العلم هو جزء من المعرفة يتضمن الحقائق والمبادئ والقوانين والنظريات والمعلومات الثابتة والمنسقة والمصنفة والطرق والمناهج العلمية الموثوق بها لمعرفة واكتشاف الحقيقة بصورة قاطعة ويقينية. ولمعرفة اصطلاح العلم أكثر وضوحا يجب تمييز العلم عما يشابهه ويقاربه من مصطلحات مثل المعرفة والثقافة والفن.
المطلب الثاني: تمييزالعلم عما يشابهه ويقاربه.
هناك بعض المفاهيم والمصطلحات التي تقترب من اصطلاح العلم وتكاد تختلط به مثل المعرفة والثقافة والفن، يستحسن القيام بمحاولة التمييز بينها وبين اصطلاح العلم.
الفرع الأول: العلم والمعرفة.
العلم والمعرفة يتحدان من حيث المعنى اللغوي إلا أنهما يختلفان اصطلاحا فالمعرفة اصطلاحا هي: (مجموعة من المعاني والمعتقدات والأحكام والمفاهيم والتصورات الفكرية التي تتكون لدى الإنسان نتيجة محاولاته المتكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به.) والمعرفة ثلاثة أنواع فهناك المعرفة الحسية وهي التي يتوصل لها الإنسان عن طريق حواسه وتكون بالملاحظة البسيطة والعفوية ومن أمثلتها ادراك الإنسان لتعاقب الليل والنهار وتقلبات الجو.... وهناك المعرفة الفلسفية والتأملية وهي تبنى على التأمل والتفكير في مشكلات تؤرق الإنسان كأسباب الخلق والموت ونهاية الكون....الخ. وهي أشياء مرتبطة بالعالم الميتافيزيقي وهناك المعرفة العلمية وهي معرفة منظمة لأنها تقوم على مناهج وأساليب بحث ويتوصل إليها الإنسان بإصرار وقصد وهي على نوعين المعرفة العلمية الفكرية من خلال استخدام أدوات عقلية كالاستدلال وهناك المعرفة العلمية التجريبية وهي مجموعة الحلول للظواهر الطبيعية أو الاجتماعية ووضع تفسيرات لها من خلال الملاحظة ثم الفرضية ثم التجريب. ومنه يتضح لنا أن العلم جزء من المعرفة وهو أهم عنصر فيها لأنه يتصف باليقينية.
الفرع الثاني: العلم والثقافة.
تعرف الثقافة بأنها (أنماط وعادات سلوكية ومعارف وقيم واتجاهات اجتماعية ومعتقدات وأنماط تفكير ومعاملات ومعايير يشترك فيها أفراد جيل معين ثم تنتقلها الأجيال بواسطة التواصل الحضاري)

ومنه فالثقافة أوسع من العلم والعلم عنصر فيها ولكنه الأكثر فعالية من بين عناصرها.
الفرع الثالث: العلم والفن.
الفن لغة هو جمال الشيء وحسنه وحسن القيام بالعمل واصطلاحا يعرف بأنه ( المهارة الإنسانية والمقدرة على الابتكار والابداع والخلق.) ويمكن التفريق بين العلم والفن في النقاط التالية:
ـ من حيث الموضوع: فموضوع العلم هو اكتشاف النظريات وتفسير الالعلاقات القائمة بين الظواهر، بينما موضوع الفن هو الاجراءات والأساليب العملية لانجاز فكرة أو عاطفة ما، والفن يتميز ببصمة الفنان على عكس العلم الذي يمتاز بالموضوعية.كما يهدف العلم إلى الاكتشاف والتفسير والتنبؤ والضبط والتحكم بينما يهدف الفن إلى تحقيق أعلى درجة من حسن التطبيق واظهار المهارات الشخصية ومنه فطابع الفن تطبيقي بينما طابع العلم نظري.
ـ من حيث التراكمية: فالعلم يتراكم ويلغي الجديد منه القديم أما الفن فإنه لا يتراكم فهو يسير في خط أفقي ومثال ذلك أننا يمكن أن نتذوق الشعر القديم واللوحات الفنية السابقة أكثر من الأعمال المعاصرة فالجديد في الفن لا يلغي القديم.

وظائف وأهداف العلم.
يمكن اعتبار وظائف العلم هي ذاتها أهدافه، ويمكننا حصرها في ثلاث وظائف هي:
المطلب الأول: الاكتشاف والتفسير.
يسعى العلم إلى اكتشاف القوانين التي تحكم وتفسر الظواهر لمعرفة أسبابها والتوصل إلى تعميمات تنظم هذه الأسباب، كما يسعى إلى توحيد تعميماته للوصول إلى قوانين على قدر كبير من العمومية والشمول، تتناول كل الظواهر المتماثلة.
المطلب الثاني: التنبؤ.
يهدف العلم إلى صياغة تعميمات لها القدرة على التنبؤ بما يطرأ على الظاهرة من تغيير في المستقبل، والهدف من التنبؤ هو اتخاذ الاجراءات اللازمة للحد من الأثار السلبية للظاهرة.

المطلب الثالث: الضبط والتحكم.
يهدف العلم إلى ضبط الظواهر وتوجيهها والتحكم فيها بعد معرفة أسبابها وقد يكون الضبط والتحكم نظريا ببيان تفسير وشرح كيفية الضبط، وقد يكون الضبط والتحكم عمليا فيستخدم العلم من أجل السيطرة والتوجيه لتجنب السلبيات أوالقيام بأمور ايجابية.
خصائص العلم.
يمتاز العلم بالخصائص التالية:    
المطلب الأول: التراكمية.
يقصد بها إضافة الجديد إلى القديم، فالعلم يشبه البناء الذي يتكون من طوابق حيث تحل النظريات الجديدة محل النظريات القديمة كلما أثبتت خطأها، وهو يختلف عن المعرفة الفلسفية والفن لأنهما تسيران في خط أفقي، وخاصية التراكمية في العلم تتحقق في اتجاهين، اتجاه رأسي عمودي بالنسبة لنفس الظواهر، والاتجاه الأفقي بالتنقل من ظواهر مدروسة إلى ظواهر تخرج عن دائرة الدراسة.
المطلب الثاني: التنظيم.
العلم هو تنظيم لطريقة تفكيرنا أو لأسلوب ممارستنا العقلية، الباحث في علم من العلوم يجب عليه تنظيم وتصنيف المعطيات المتعددة لتسهيل التعامل معها لكي تفيده في بحثه.
المطلب الثالث: الموضوعية.
تعني الموضوعية الابتعاد عن الذاتية، وينصرف مدلول الموضوعية أيضا إلى القطيعة مع الأحكام المسبقة والأفكار الشائعة، والموضوعية تثار في مجال العلوم الإنسانية بأكثر حدة ولكن الأمر ليس بمستحيل حيث دعا (ايميل دور كايم) إلى ضرورة التعامل مع الظاهرة الإنسانية وكأنها كيان مادي خارج عن وعينا وفكرنا وبمعنى أخر تشبيه الظاهرة الإنسانية بالظاهرة الطبيعية أثناء دراستها.



المطلب الرابع: المنهجية.
النتائج التي يحرزها العلم تأتي عن طريق مناهج علمية سواء لجمع المعلومات أو التحليل أو التفكير، والمنهجية ترتبط بالجانب الشكلي والإجرائي والموضوعي.
المطلب الخامس: الامبيريقية.
وتعني أن العلم يختص بدراسة العالم المحسوس فقط.
المطلب السادس: السببية.
في العلم لكل ظاهرة سبب يسعى الباحث لاكتشافه ولا يمكن رده إلى الصدفة أو إلى التفسيرالخرافي.
المطلب السابع: التعميم.
وهو الانتقال من الحكم الجزئي إلى الحكم الكلي عن طريق دراسة عينة وتعميم النتائج على المجتمع الأصلي بشرط أن تكون عناصره متجانسة.
المطلب الثامن: اليقين.    
العلم هو ادراك الشيء بيقين، ولكن المراد باليقين هنا هو اليقين النسبي.
المطلب التاسع: الدقة.
العلم لا يقبل الأحكام الجزافية بل يجب أن تصاغ النظرية بشكل دقيق وأكثر الوسائل تعبيرا عن الدقة وهي الأرقام والجداول البيانية والاحصائيات والنسب المئوية.
المطلب العاشر: التجريد. 
حينما يدرس الباحث ظاهرة معينة ويخلص إلى نتائج، فتلك النتائج لا تعني عناصر الظاهرة بحد ذاتهم ولكن قد تنطبق على كل عنصر يحمل نفس المواصفات.
المطلب الحادي عشر: الحتمية.   
هذه الخاصية في العلم تعني أن نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج.

المسلمات التي يقوم عليها العلم.  
يقوم العلم على عدة مسلمات نذكر منها:      
المطلب الأول: فرضية وحدة الطبيعة واطراد ظواهرها.
يقصد بهذه الفرضية وجود حالات متشابهة في الطبيعة، وبأن ما سيحدث مرة سوف يحدث ثانية إذا توافرت درجة كافية من التشابه في الشروط المسببة لحدوثه.
المطلب الثاني: الخصائص المشتركة بين الأنواع.
أي وجود خصائص مشتركة بين الظواهر بحيث يمكن تصنيفها إلى مجموعات قد تفيد الباحث في معرفة الظواهر الجديدة وامكانية معالجتها.
المطلب الثالث: مسلمة الثبات في الطبيعة.
تقرر هذه المسلمة بأن ثمة دوام وانتظام في الطبيعة لأن الظواهر الطبيعية تحتفظ بخصائصها الأساسية في ظروف معينة لفترة من الزمن.
المطلب الرابع: حتمية وقوع الظواهر.
وهذه المسلمة تنكر وقوع حادث ما نتيجة للصدفة أوالظروف الطارئة، وما حدث بسبب ظروف معينة سيحدث حال توافر نفس الشروط.
المطلب الخامس: الجانب الإنساني في عملية المعرفة.
هذه المسلمة تعني أن الباحث يمكن أن يخطيء في تقديره، وهذا ليس متعلق بالظواهر، وهو يعتمد على الادراك والتذكر والتفكير وكلها معرضة للخطأ، وهناك خطأ الحواس وخطأ الذاكرة وخطأ التفكير والاستدلال.
المبحث السادس: الطبيعة  الخاصة للعلوم الإنسانية.
يرى البعض أن العلوم الإنسانية ليست علوما ويرى أخرون أنها تتقدم شيئا فشيئا حتى تصبح علوما ولكنها من نوع خاص. غير أن هذه الأراء أصبحت لا تعكس الحقيقة للعلوم الإنسانية التي أصبحت علوما للاعتبارات التالية:
المطلب الأول: من حيث النتائج.
قد أحرزت العلوم الإنسانية نتائج جد هامة تتعلق بضبط سلوك الإنسان وتفسير الظواهر الاجتماعية والتنبؤ بما سيطرأ على الظاهرة في المستقبل.
المطلب الثاني: من حيث الطريقة العلمية.
العلوم الإنسانية تخضع للمناهج العلمية مثلها مثل العلوم الطبيعية، وقد أثبت هذا التوجه عالم الاجتماع (ايميل دور كايم).
المطلب الثالث: من حيث أهداف العلوم الإنسانية.
الهدف من العلوم الإنسانية هو ضبط الظواهر وايجاد تفسيرات لها.
المطلب الرابع: من حيث المادية.
اعتبار العلوم الإنسانية ذات طابع مادي، وعليه يمكن اخضاعها للتجربة والملاحظة أو اخضاعها للمنطق والفكر. لقد أصبحت الدول المتطورة تعمل العلوم الإنسانية من أجل تحديد سياساتها المستقبلية.