السبت، 8 أبريل، 2017

النظرة المثالية و المدرسة المادية للعلم

فلسفة العلم.
تأرجح العلم تاريخيا وفلسفيا بين النظرة المثالية والنظرة المادية، فلقد طال النقاش بين النزعتين إذ لم يكن سهلا تغلب النزعة المادية على النزعة المثالية التي تحكمت وغرست جذورها لبضع قرون، ولم يكن الوضع نفسه في الحضارة الإسلامية، فبينما كانت أوربا تتخبط في هذا الجدل الفلسفي لتحديد مفهوم العلم، كان العرب المسلمين قد حققوا انجازات كبيرة في مختلف العلوم، لأن الدين الإسلامي حدد بشكل واضح مفهوم العلم عكس ما كان عليه الوضع زمن سيادة الكنيسة في أوربا.
وعليه سنعرض خلال المطالب الثلاثة التالية كل من النظرة المثالية للعلم وكذا رأي المدرسة المادية، ثم مفهوم العلم عند العرب المسلمين.

المطلب الأول: العلم لدى المدرسة المثالية.
يتزعم هذه المدرسة أفلاطون حيث يرى أن النفس البشرية قبل أن تحل بالجسد كانت تعلم كل شيء، وبحلولها فيه نسيت أصلها فالعقل البشري يحتوي على الفكر الخالص الذي يفسر كل شيء، ولا حاجة لاتصال الإنسان بالمادة، لأن هذه الأخيرة ليست أساسا للعلم، والملاحظة ليست إلا وسيلة للتذكر، ولا حاجة لعيش الإنسان في جماعة كي يحدث التبادل ويكون معارفه، لأن منبع المعارف هو الفكر الخالص والتأمل، وموضوع العلم هو العالم المرئي وغير المرئي أي المادة والميتافيزيقيا، وبناء العلم يكون من الكل إلى الجزء، فلا ينتقل العقل من الجهل إلى اليقين بل الفكر المشبع بالمعرفة ينتقل إلى المعرفة الجزئية.
وكان العلم عند اليونان يتسم بالمثالية ولهذا اقتصر على الشق النظري فقط ويعتبر العلم التطبيقي أمرا غير محبذ لأنه يدنس العلم، وقد ساعد على انتشار هذا الفكر تقسيم المجتمع اليوناني إلى طبقات (أحرار وعبيد) فكان العبيد هم من يتعامل مع المادة (الأعمال اليدوية) أما الأحرار فدورهم ينحصر في مجرد النقاش والفكر لأن ذلك أمر روحاني، هذا الوضع انعكس سلبا على تقدم العلم في الحضارة اليونانية، حيث كانت تفصل بين العلوم الرفيعة مثل علم الفلك والعلوم الوضيعة كالكيمياء.

سيطرت هذه النظرة المثالية للعلم على أوربا باعتبارها الوريث الشرعي للحضارة اليونانية طيلة القرون الوسطى، وساعد على ذلك القبضة الحديدية للكنيسة وإقامتها لمحاكم التفتيش لمتابعة كل ما ينشر مخالفا لمبادئ الكنيسة وأفكار أرسطو. وكل الظواهر العلمية كانت تفسر بطريقة روحانية وساد مبدأ احترام الطبيعة من احترام الله. ولعل أبرز مثال يذكره التاريخ وتأسف له الكنيسة في الوقت الحالي هو محاكمة (جاليليو) عقب تأليفه لكتاب حوار عام 1632 والذي عارض فيه مبادئ الكنيسة، وما كان أمامه بعد عرضه على المحاكمة إلا السجود أمام الكنيسة والتوبة عن أفكاره وأرائه العلمية. هذا الوضع ولد تيارا معاديا للتيار المثالي و يعادي حتى الدين الذي كان برأيه هو السند القوي لهذا التيار المتحجر، حيث اعتبر الدين وسيلة لخداع الناس، هذا التيار المعادي قاده (كارل ماركس) وأسس المدرسة المادية.

المطلب الثاني: العلم لدى المدرسة المادية.
انطلقت هذه المدرسة من أفكارتتعارض تماما مع المدرسة المثالية، وقال فلاسفتها أنه ما لم نجعل أفكارنا تتوافق مع الواقع فإننا بالتأكيد لا نمتلك المعرفة فكسب المعرفة يعني احلال أفكار صادقة محل الجهل أو محل أفكار غير صادقة ومن هنا نجد أن نمو المعرفة في نمو الأفكار الصادقة داخل مجموع الأفكار.
إن مجرد التقرير أو الايمان بأن شيئا ما صادق لا يعتبر معرفة، وعلى سبيل المثال قال فلاسفة الاغريق إن الأجسام تتألف من ذرات وهذا صحيح، ولكن الأمر لديهم لم يكن سوى مجرد تخمين موفق، ولكن العلماء توصلوا إلى هذه الحقائق بدراسات علمية منظمة، وعليه فنحن نكسب المعرفة بقدر ما نطور أفكارنا ونجعلها تتوافق مع الواقع واثباتها.
فحسب النظرة المادية فالمعرفة هي نتاج للنشاط الاجتماعي للإنسان، فقد تتبع الفلاسفة نمو المعرفة لدى الفرد المنعزل عن المجتمع وقرروا في الأخير أن هذا الفرد لن يتطور في معارفه إلا بالقدر الضئيل المرتبط بذاته، وعليه فقد قرروا أن المعرفة تستمد من الوجود المادي، ووجود غيره من الناس يتفاعل معهم، فالعيش وسط الجماعة يضمن تطور الأفكار والمعارف نتيجة التبادل، حيث يحتاج الإنسان إلى معارف غيره كي يبني بها معارفه. وحسب النظرة المادية فالمعرفة ما هي إلا حلول للمشاكل التي يطرحها الواقع العملي.

وعلى هذا الأساس صيغت مقولات الفكر وأساليب الاستدلال ومناهج البحث التي تقوم بواسطتها المعرفة.
يرى أنصار المدرسة المادية أن نقطة البدء في المعرفة هي الادراك الحسي الذي يكون عن طريق الحواس، ثم تبنى نظريات تفسره ويتحقق من صحتها فيما بعد وتتجدد المعرفة بهذه الطريقة. كما يرى الماديون أن المعرفة تكون من نقطة الصفر أو من معرفة سابقة غير مكتملة. أما المثاليون فقد انطلقوا من يقين مثالي حيث سطروا مبادئ فلسفية وقالوا بأنها تفسر كل شيء، أي أنهم انطلقوا من الكل إلى الجزء في بناء المعرفة.
مما زاد الهوة بين النظرتين هو التطور التكنولوجي الحاصل والذي دفع بالكثير إلى القول بأن العلم وتطبيقاته قد أخذ ينتزع البساط من تحت أقدام المثاليين لكن تطرف الماديين في نظرتهم إلى الكون دعا البعض إلى محاولة ايجاد نوع من الحوار بين المدرستين لمحاولة التقريب بينهما، ولكن الأمر كان عسيرا جدا. وفي الأخير يمكن القول أن ما جاءت به المدرسة المادية في انكارها للدين لا يمكن تصديقه. ومنه يمكن الاقرار بأن العلم في أصله مادي نابع من الواقع الموضوعي كما قالت المدرسة المادية، ولكن ثمة فسحة روحية مثالية يجب على الفرد التشبع بها من الدين بشكل أساسي. وإذا كان سبب العداء المادي للدين هو تسلط الكنيسة واضطهادها للعلماء فالأمر مختلف عند المسلمين.
المطلب الثالث: العلم عند العرب المسلمين.
في الفترة التي كانت فيها أوربا تعيش في جهل وتخلف كان العرب يحرزون تقدما في شتى العلوم، وكانوا عقلانيين وأصحاب منهج علمي بعيد عن الخرافة والميتافيزيقيا التي غرقت فيها أوربا، فكان العرب يطبقون القياس والاستقراء وهما من أهم المناهج في العلم حيث لم يتوصل إليهما الأوربيون إلا بعد زمن طويل، وكانت العلوم عند العرب يحكمها مبدأ السببية أي أن لكل ظاهرة سبب ومبدأ التناسق والنظام في الكون أي أن اختلاف الظواهر يرتبط بعلل كلية من شأنها أن تثبت التناسق والانسجام القائم بينها.



ومن أبرز علماء المسلمين جابر بن حيان في مجال الكيمياء، وابن الهيثم في رسالته الضوء وكذلك الرازي وابن سينا في مجال الطب، حيث كانا يصفان الأعراض ويشخصان العلل ثم يأتيان على بيان الروابط والعلاقات بين العلل المتشابهة. وفي مجال الصيدلة كانت تعرف قوى الأدوية بطريقتين هما التجربة والقياس.
ولو تسألنا على منهج البحث عند علماء الغرب في القرون الوسطى ليكون موضوع مقارنة ومضاهاة بصدد بحثنا عن العلم العربي في نفس الفترة الزمنية نستطيع أن نؤكد أن العلم العربي تميز بالموضوعية في حين كان العلم الغربي لم يكتب له الخروج من ظلمات القرون الوسطى. إلى أن بدأت حركة النقل من العربية إلى اللاتينية وبعد أن عرف الغرب أبحاث العلماء العرب وأساليبهم العلمية، حيث كانت الطريق ممهدة لقيام عصر النهضة ونشأة المنهج التجريبي في أوربا الحديثة.


النظرة المثالية للعلم وكذا رأي المدرسة المادية
تعريف الفلسفة المادية
الفلسفة المثالية
تعريف الجدلية
الجدلية المثالية
هيجل أو المثالية المطلقة
المادية الجدلية
الفلسفة المادية
الجدلية في الفلسفة