الضمانات القانونية لحقوق الانسان والحريات

الضمانات القانونية والسياسية للحريات العامة
نتج عن شيوع نموذج الدولة الدستورية في المجتمع السياسي المعاصر، إفساح المجال أمام المواطنين لممارسة حقوقهم وحرياتهم بطريقة سمحت لهم بالحصول على قدر كبير من العدالة وتكافؤ الفرص فيما بينهم، إلا أن هذا الأمر ما كان ليتحقق لولا وجود ضمانات نابعة من طبيعة النظام السياسي نفسه تسمح بتكريس هذه الحقوق داخل المجتمع وتجاه السلطة من جهة، لولا قيام المشرع بوضع ضوابط معينة لتنظيم هذه الحقوق وتحديد ما يترتب عليها من واجبات من جهة أخرى[1] فما هي هذه الضمانات؟ وما هي هذه الضوابط؟ لتوضيح في (فصل أول) ضمانات الحريات العامة وفي (فصل ثاني) النظام القانوني للحريات العامة بالمغرب.
الفصل الأول: ضمانات الحريات العامة
إذا كان منطق بداية المنهجية قد فرض علينا دراسة الأصول الفكرية والشرعية للحرية في المذهبيات المختلفة، فإن نفس الضرورة المنهجية تسوقنا إلى البحث في ضمانات المتوفرة للحريات العامة التي سارت اليوم كمظهر للحضارة الإنسانية
وإذا كان ضمان الممارسة يعني حماية الحريات العامة من الاعتداء عليها سواء كان ذلك من قبل السلطة أو من قبل الأفراد على حد سواء؛ فإننا يمكن أن نقول أن الضمانات العامة لممارسة الحريات ترتدي شكلين أساسيين: سياسي وقانوني.
فالضمانات السياسية هي تلك المبادئ الجوهرية التي يستند إليها النظام السياسي في طبيعته التي ينال على أساسها رضا غالبية المواطنين على وجوده، والضمانات القانونية هي تلك القواعد القانونية والدستورية المستمدة من تراث الشعب وأعرافه وتقاليده والتي تشكل سدا منيعا أمام الانحرافات المحتملة للسلطة السياسية عن غايتها الأساسية في ممارستها لمبدأ القوة السياسية،[2] خاصة ونحن نعلم أن السلطة تميل إلى وضع القيود على مؤسسات الدولة وحماية أمنها الداخلي والخارجي، لهذا نجدها تلجأ إلى توسيع نطاق الأفكار المقابلة لفكرة الحريات، كفكرة السلطة التقديرية أو فكرة أعمال السيادة، وفكرة الظروف الطارئة، لكي تحقق أكبر استفادة منها، في مواجهة حريات الأفراد، وفي الاستحواذ على أكبر قدر  ممكن من الحريات لمواطنيها، تحقيقا لمفهوم التوازن داخل الجسم الاجتماعي والسياسي.[3]
المبحث الأول: الضمانات القانونية للحريات العامة
تأتي الضمانات القانونية في مقدمة ضمانات الحريات العامة لأنها تأتي ضمن إطار البنية القانونية للدولة، فتحاط بالجزاءات القانونية التي تكفل لها الفعالية إذا تم تنظيمها تنظيما سليما على هدي المبادئ والقواعد والأحكام التي يتألف منها الكيان الدستوري للدولة والذي يجعل ممارستها في علاقتها مع الأفراد والجماعات تنتظم في إطار القانون وتتقيد بأحكامه.
أولا: مبدأ فصل السلط
يعد مبدأ الفصل بين السلطات من الضمانات القانونية الهامة للحريات العامة، ويقصد بالفصل بين السلطات كضمانة من ضمانات حماية الحريات: أن تكون لكل سلطة من سلطات الدولة الثلاث اختصاصاتها المحدودة، بحيث تكون منفصلة عن الأخرى فصلا مرنا، فيقوم هناك نوع من التعاون بين السلطات وتمارس كل سلطة رقابتها على الأخرى حرصا على عدم المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم، وتتفادى الدولة الانحراف بالسلطة أو التعسف باستخدامها.[4] لذا فإن الغاية الأساسية ونقطة البدء بالنسبة لهذا المبدأ تتمثل في حماية حقوق الأفراد وحرياته. وبل وعلى ضوئه أضحت عقيدة فقهاء القانون العام تتجه نحو القول: أنه لا حرية سياسيا بدون مبدأ فصل السلطات.[5]
ويتضمن مبدأ فصل بين السلطات معنيين أساسيين: سياسي وقانوني. أما المعنى السياسي فمضمونه: عدم تركز سلطات الدولة في قبضة شخص أو هيئة واحدة بمعنى أن الشخص الواحد لا يجوز أن يتولى أكثر من وظيفة واحدة من وظائف الدولة الثلاث: التشريع والتنفيذ والقضاء. فعلى سبيل المثال لا يجوز أن يكون الوزراء من بين أعضاء البرلمان.
وأما المعنى القانوني فيتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطات المختلفة في الدولة، وبهذا المعنى تنقسم النظم إلى نظام رئاسي، ونظام برلماني ونظام شبه رئاسي:
فالنظام الرئاسي يتميز بالفصل بين السلطات فصلا عضويا حيث تكون كل سلطة مستقلة عن السلطات الأخرى في مجال الوظيفة والتكوين والحل، بمعنى أن كل سلطة لا تتدخل ولا تشرف على وظائف سلطة أخرى في الدولة، فعلى سبيل المثال تكون السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية، ولا يكون الوزراء مسؤولين أمام السلطة التشريعية.
أما في النظام البرلماني فكل سلطة لا تمارس وظائف سلطة أخرى ولكن يوجد تعاون ورقابة متبادلة بين السلطات، فمثلا من حق الحكومة حل البرلمان، مقابل ذلك يكون للبرلمان حق مساءلة الحكومة، بل وسحب الثقة منها.[6]
لذا فمن منطلق دفع كل استبداد وطغيان، فإن "مونتسكيو" الذي اقترن بهذا المبدأ، كان يقصد من خلال حديثه الفصل أساسا من بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فهما السلطتان اللتان تحرزان الشأن الكبير والأساسي في الميدان السياسي وجمعهما بيد شخص واحد أو هيأة واحدة يعني انعدام الحرية، فكان لا بد أن توقف السلطة سلطة أخرى لئلا تستطيع إحداهما أن تسيء استعمال أو تستبد بالسلطة.[7] ضمن وجهة نظر قانونية فإن تحديد طبيعة العلاقة بين السلطات الثلاثة في الدول وجعل لكل سلطة اختصاص محدد يؤدي تلقائيا إلى وقف اعتداء كل سلطة على اختصاصات الأخرى. فمثلا إذا قررت السلطة التشريعية أمرا ما يتعلق بالحريات العامة فلا يمكن للسلطة التنفيذية أن تعترض على ذلك لأنه تتجاوز اختصاصها، وإذا حدث واعتدت السلطة التنفيذية على حرية الأفراد فإن السلطة القضائية يمكن أن تلغي قرارات السلطة التنفيذية وتعيد الوضع إلى ما كان عليه، لأن السلطة القضائية مستقلة في عملها واختصاصها الوظيفي على السلطة التنفيذية.[8]
وفي واقع الأمر، إن المبدأ يعتبر وسيلة هامة من وسائل الوقائية من التحكم، والجنوح نحو الاستئثار بالسلطة والاستبداد بها. فاحتكار السلطة من قبل شخص واحد أو هيأة واحدة، يمكن أن يؤدي بسهولة إلى طغيان بسبب الميول الأنانية والفردية التي تتضمن الطبيعة الإنسانية[9] فكما يقول المفكر البريطاني "لورد أكتن"  "Lord Acton" "إن كل سلطة مفسدة والسلطة مطلقة مفسدة مطلقة". بينما يشير عالم الاجتماع " غوستاف لوبون" بقوله: "إن السلطة نشوة تعبث بالرؤوس، وتبعث فيها ما يشبه الدوار. ولقد بلغت هذه النشوة برؤوس بعض عظماء التاريخ من أصحاب السلطان المطلق إلى حد أن جعلتهم في بعض الأحيان يأتون ببعض التصرفات التي تحمل طابعا من طوابع الجنون".[10]
وفي كل الأحوال، فإن من شأن مبدأ الفصل بين السلطات حماية حريات الأفراد بوجه تعسف السلطة. وهو مقياس لمدى ديمقراطية النظام واحترامه لمبادئ العدالة والمساواة في المجتمع.[11] فالسلطة لا توقفها إلى السلطة على حد قول "مونتسكيو"
ثانيا: مبدأ سيادة القانون
نظرا للأهمية الكبرى التي يتصف بها القانون والدور المميز الذي يلعبه في تسهيل شؤون الأفراد وتحديد حقوقهم وواجباتهم بشكل عام، فقد أجمع علماء القانون والسياسية على ربط مفهوم سيادة القانون بوجود الدولة الديمقراطية. فهذه الدولة لا يمكن أن تكتسب هذه الصفة إلا إذا استندت مؤسساتها على أولوية القانون الذي يجب أن يسود الحكام والمحكومين على السواء[12]. فالمبدأ يقتضى إذن، احترام الحكام والمحكومين لقواعد القانون القائمة في بلد ما وسريانها سواء في علاقة الأفراد بعضهم ببعض أو في علاقات هيئات الدولة ومؤسساتها. أي أنه يفترض التوافق التصرفات التي تصدر عن سلطات الدولة ومواطنيها مع القواعد القانونية فيها.[13]
وعلى هذا الأساس يمثل مبدأ سيادة القانون، قمة الضمانات القانونية لحماية حريات الأفراد الأساسية، بل أنه يعد الأساس الوحيد لاكتساب السلطة السياسية في الدولة شرعيتها، والعامل الأهم في استقرارها وثباتها لهذا فهو مطلب هام تنادي بها كافة الأنظمة الديمقراطية، حتى غدت الدساتير والقوانين في تلك الأنظمة بما تتضمنه من نصوص تؤكد على تطبيق مبدأ خضوع الدولة للقانون تأكيدا للديمقراطية وضمانة أكيدة لحرية الرأي العام.[14]
وقد كانت بريطانيا أول من طبق مبدأ سيادة القانون الذي أقر بصورة رسمية في قانون الحقوق الصادرة في عام 1689. ومنذ ذلك الحين، ورجال القانون والسياسية في بريطانيا يقدسون هذا المبدأ ويعتبرونه جزءا جوهريا من قانونهم الدستوري وضمانات أساسية لحريات المواطن وحقوقه.
وفي دراسته عن القانون الدستوري استخرج "دايسي" "Diecy" ثلاث قواعد من مبدأ سيادة القانون هي:
1- الحؤول دون ممارسة الحكم الكيفي
2- إخضاع رجال الحكم والإدارة إلى القضاء العادي
3- اعتبار الأحكام الدستورية وما يتعلق منها خاصة بضمان الحريات الفردية من نتاج قانون البلاد التقليدي.[15]
ويحدد "دايسي" المعنى الأول لمبدأ سيادة القانون بالتأكيد على قاعدة قانونية أعمال الدولة على اختلاف أنواعها من تشريع وإدارة وقضاء حيث أنه لا يحق للدولة أن تجريها إلا وفقا للأحكام والأصول المرسومة في القانون حتى أن الموظف لا يكون مسؤولا عن عمله إلا إذا جاء هذا العمل مخالفا لحكم قانوني صريح، ولاسيما بما يتعلق بالقانون الجزائي الذي لا يجيز توقيف حد أو إحالته للمحاكمة إلا بمقتضى الأصول القانونية.[16]
كما يحدد الفرق بين السلطة الكيفية Pouvoir Arbitraire وبين السلطة الاستنسابية بأن الأولى، تستمد قوتها من مشيئة صاحبها وحسب، ولا تكون بالتالي خاضعة إلى أي قيد من قيود القانون في حين أن الثانية إنما هي سلطة يمارسها صاحبها المسؤول الذي يعنيه القانون، ضمن حدود يعنيها أيضا القانون، مع الإقرار له، ضمن هذه الحدود وضمنها فقط باستنساب القرار الذي يتخذه بإجراء العمل الإداري أو بعدم إجرائه، وفي حال إعطاء المسؤول المختص به صلاحية إجرائه بتحديد كيفية إجراء هذا العمل.[17] أي بمعنى آخر، أن القانون الذي يمنح الدول الإمكانات الضرورية لأداء مهامها في تسيير الشؤون العامة وتنظيمها، يفرض عليها أيضا قيودا تمنعها من انتهاك حقوق الأفراد وحرياتهم.
1- الدولة القانونية
لم يكن إخضاع الدولة للقانون بالأمر الهين لأنها سلطة، وكل سلطة تميل إلى الإطلاق، وقد زاد في هذا الإتجاه ذلك التأكيد الذي تم لمفهوم سيادة الدولة منذ القرن الرابع عشر، لكن التطور مر عبر مراحل طويلة، وبموافقة الدولة التي تعتبر في أنشطتها الحالية محدودة بالقانون، على أنه تحديد نابع من إرادتها، وهو في النهاية تحديد ذاتي، ومن هذه الزاوية يعتبر تطور النظام الدستوري في كليته تعبير عن التنازل الذي قامت به الدولة من أجل الخضوع للقانون.[18]
بيد أنه مهما يكن الأساس الذي يقوم عليه مبدأ خضوع الدولة للقانون، فلا شك في أنه يبقى من المبادئ الأساسية للدولة الديمقراطية ونظام الدولة القانونية يعني خضوع الدولة للقانون في جميع مظاهر نشاطها، سواء من حيث الإدارة أو القضاء أو التشريع، لأنها لا تستطيع اتخاذ أي إجراء حيال الأفراد أو الجماعات إلا وفقا لقواعد قانونية موضوعة مقدما، تحدد حقوق الأفراد وتعين وسائل تحقيق الأهداف الإدارية، كما أن نشاط الدولة محدود بتحقيق الخير العام للمجموع، فالسلطة مقيدة من حيث أهدافها ومن حيث وسائل عملها على السواء.[19]
وبمعنى أخر، إن الدولة لا تعدو أن تكون شخصا من أشخاص القانون العام تلتزم كباقي الأشخاص بمبدأ سيادة القانون، وهذا يعني أن تكون أعمال هيئاتها العامة وقراراتها النهائية في حدود ذلك المبدأ وفي إطاره. أما إذا كانت على غير هذا الحال فإنها لا تكون صحيحة ولا نافذة أو ملزمة في مواجهة المخاطبين بها، ويكون لكل صاحب شأن حق طلب إلغاؤها ووقف تنفيذها؛ فضلا عن حق طلب تعويض الأضرار التي تسببها وفقا للأوضاع القانونية المقررة[20]
وعليه، فإن أهم ما يميز الدولة القانونية، هو أن السلطات الإدارية لا يمكنها أن تلزم الأفراد بشيء خارج القوانين المعمول بها، وذلك يعني تقييد الإدارة على مستويين:
الأول: لا تستطيع الإدارة حينما تدخل في علاقات مع الأفراد أن تخالف القانون أو تخرج عليه
الثاني: ولا تستطيع أن تفرض عليهم شيئا إلا تطبيقا لقانون أو بموجب قانون.
2- تدرج القواعد القانونية
كان للمدرسة النمساوية وخصوصا "كلسن" "kelsen" و"مركل" "markel" الفضل في استخلاص هذه القاعدة التي تقوم على أن النظام القانوني في الدولة يرتبط بتسلسل وارتباط قواعده القانونية بعضها ببعض. وهذا يعني أنها ليست جميعا في مرتبة واحدة من حيث القيمة القانونية والقوة بل تتدرج هي فيما بينها، مما يجعل بعضها أسمى مرتبة من البعض. وهو ما يعني أن تلتزم كل قاعدة قانونية بأحكام ومضمون القواعد التي تعلوها، فتقف قواعد القانون الدستوري على قمة الهرم القانوني، ثم يلي الدستور التشريع العادي الصادر من البرلمان أو القوانين العادية الصادرة عن الهيئة التنفيذية إعمالا للحق الدستوري الممنوح لها وفقا للأوضاع القانونية المقررة في الدولة، ثم يلي ذلك اللوائح العامة، ثم تقف القرارات الإدارية عند ذلك النظام القانوني وينتج عن هذا التنظيم أن الأدنى يجب أن يتقيد بالأعلى؛ فالقانون مقيد بالدستور، واللائحة مقيدة بكليهما، والقرار الإداري مقيد بأحكام اللائحة والقانون والدستور.[21]
مما لا ريب فيه أن هذا التدرج يعد من لوازم الضمانات القانونية للحريات العامة، لما يؤدي إليه من إقامة النظام القانوني في الدولة على أساس من التنظيم المحكم، بالإضافة إلى أنه يسهل أعمال الرقابة القضائية.
الضمانات القانونية
الحريات العامة وحقوق الانسان
تعريف الحريات العامة
الضمانات الدستورية لحقوق الانسان
الحماية الدستورية للحقوق والحريات
الضمانات الدستورية للحقوق والحريات
الضمانات القانونية لحقوق الانسان
ضمانات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في النظم القانونية الداخلية
الفرق بين حقوق الانسان والحريات العامة



[1] خضر خضر م.س. ص: 235
[2] م.س. ص: 235
[3] حماد صابر م.س. ص: 73
[4] هاني سليمان الطعيمات م.س. ص: 341
[5] صالح حسن سميح م.س. ص: 545
[6] م.س. ص 342
[7] حماد صابر م.س. ص 77
[8] م.س. ص: 344
[9] خضر خضر م.س. ص: 249
[10] م.س. ص: 77
[11] م.س. ص: 251
[12] م.س. ص: 251
[13] م.س. ص: 333
[14] م.س. ص: 335
[15] م.س. ص: 252
[16] م.س. ص: 253
[17] م.س. ص: 253
[18] م.س. ص: 82
[19] م.س. ص: 82
[20] م.س. ص: 532
[21] م.س. ص: 533