الجمعة، 24 مارس، 2017

مبدأ المساواة في نظرية الحرية

مبدأ المساواة في نظرية الحرية
لا يطلق لفظ "الحرية" إلا ويجر معه لفظ المساواة، لذا يبقى من العسير جدا من الناحية النظرية، الفصل بين الحرية والمساواة بسبب التلازم الوثيق بينهما، لاسيما وأن مبدأ المساواة هو في أصل وجود كافة أنواع الحقوق والحريات، وإذا كانت المساواة قيمة أساسية من قيم الإنسان واحترامها لا غنى عنه للسلم ولتقدم الإنسانية، لأن غيابها يؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار ويخلق حالة من الاستياء وعدم الرضى في المجتمعات، فإن الاتجاه الفقهي العام، قد ذهب إلى اعتبار أن مبدأ المساواة هو الأساس والجوهر لمفهوم الحرية في مختلف ميادينها، فسواء ارتادت هذه الأخيرة ميدانا تقليديا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا... فيجب أن يكون مبدأ المساواة أساسا لها.[1] لذلك يمكن أن نقول أن مجمل الحقوق والحريات الشخصية تستمد قوتها النفسية والقانونية من مبدأ المساواة الذي غدا مبدأ أصليا في نظرية الحرية.[2]
وقد لعبت فكرة المساواة دورا هاما في كل الثورات السياسية ولاسيما الثورة الفرنسية التي كان شعارها يتكون من "الحرية، المساواة، الإخاء"، جاعلة منها تعابير مترادفة لانبثاقها من شعور واحد، وقد عبرت عن ذلك في (المادة الأولى) من تصريح 1789 الذي ينص: "أن البشر يخلقون ويبقون أحرارا ومتساوين في الحقوق".
ونفس الاتجاه عبر عنه الإعلان الأمريكي للاستقلال لسنة 1776 والذي نص: "بأن البشر أجمعين إنما خلقوا متساوين". وتاريخيا كانت فكرة المساواة، بمثابة الركن الأساسي للحركات الثورية، وكقوة دفع للحركات الديمقراطية، بالإضافة إلى تأثيرها في النظم الدستورية والتشريعات الوضعية وفي صلب العلاقات بين الإدارة والمواطنين.[3]
1- مضمون مبدأ المساواة:
المقصود بالمساواة، هو إتاحة فرص متساوية بين الأفراد للاستفادة من وضع معين إذا تساوت ظروفهم إزاء هذا الوضع[4] وعدم التمييز بين بينهم في الحقوق والواجبات لأي سبب كان، باعتبار أنهم يولدون متساوين في الطبيعة.[5]
ويتضمن هذا المبدأ معاني متعددة تنبعث أساسا من تطور العلاقات السياسية والاجتماعية، فعلى الصعيد الاجتماعي هناك نوعين من المساواة: مساواة تستهدف رفع مستوى الطبقات الدنيا إلى مستوى الطبقات العليا في المجتمع، ومساواة بمعنى مخالف تهدف إلى إلغاء التفاوت بين الطبقات والقضاء على كل أشكال الطبقية، وبالتالي على اللامساواة، في حين تعني المساواة المدنية: المساواة أمام القانون – بمعناها الواسع المساواة في الأهلية القانونية، بما فيها الحقوق السياسية. إلا أنها لا تعني بالضرورة المساواة في الإمكانية.[6] فالثابت كذلك أننا مختلفون عن بعضنا البعض، بطاقاتنا الذهنية والجسدية، وأن العدالة تتطلب الاعتراف بهاتين الحقيقتين لإفساح المجال أمام الأفراد لممارسة حرياتهم بطريقة متساوية.[7]
ومبدأ المساواة في معناها القانوني له ثقل كبير على توجه كل التشريعات الوضعية، ففي القانون الدستوري أصبح مبدأ أساسيا في بلورة حريات المواطنين السياسية كالانتخاب والتصويت والاستفتاء والترشيح. وكذلك الأمر في القانون الإداري، حيث يلجأ القضاء الإداري إلى إعمال مبدأ المساواة في الانتفاع بالمرافق العامة، وأمام الأعباء العامة، وأمام القضاء وفي تولي الوظائف العامة، ونفس الأمر بالنسبة للتشريع الضريبي، حيث أصبحت كل أنواع الضرائب مبنية على مبدأ المساواة بين كل الملزمين بالضريبة دون أي تفاوت أو استثناء، ونفس الاتجاه عرفه واجب الخدمة العسكرية، حيث لا يستثنى منها أحد من المواطنين، مهما اختلفت طبقاتهم ومذاهبهم؛ إذا ما توفرت في كل منهم الشروط المطلوبة في القوانين المعمول بها في هذا الإطار، في حين يبقى مجال القانون المدني والأحوال الشخصية، خصبا لأعمال مبدأ المساواة، حيث يبرز معالمه في التوازن القائم بين أطراف الالتزام وفي العقود والمواريث والزواج.[8]
2- مظاهر مبدأ المساواة
يتخذ مبدأ المساواة في إطار القوانين الوضعية في المجتمعات المعاصرة تجليات عديدة:
2-1 المساواة أمام القانون
يعتبر المواطنون في دولة ما طائفة واحدة أمام القانون دون تمييز بين مواطن وآخر بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، وهذا النص يضع الأصل العام في مساواة المواطنين أمام القانون، إذ القانون بطبيعته يضع قواعد عامة ومجردة لا يراعي فيها أفراد بذواتهم.[9] وقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في (المادة السابعة) على "أن كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة منه دون أي تفرقة".
2-2 المساواة أمام القضاء
ويقصد بها عدم اختلاف المحاكم التي تفصل في المنازعات المدنية والإدارية أو الجرائم، باختلاف الوضع الاجتماعي للمتقاضين، كما تتضمن المساواة أمام القضاء، وضع المشرع لنصوص يتساوى فيها جميع الأفراد في المثول أمام القضاء وكذا في العقوبات عليهم متى تساوت الظروف والجرائم، وتعتبر كفالة اللجوء إلى القضاء للدفاع عن إحدى الحريات دون تمييز بين أفراد المجتمع ضمانة أساسية لكافة الحريات، وبدونها تنعدم الحريات العامة.[10]
وقد نصت (المادة العاشرة) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن "لكل إنسان الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه."
2-3 المساواة أمام وظائف الدولة
ويعني ذلك مساواة جميع المواطنين في تولي الوظائف العامة، وأن يعاملوا نفس المعاملة، من حيث الشروط المطلوبة لتولي الوظائف العامة وأن يعاملوا نفس المعاملة من حيث الشروط المطلوبة لتولي وظيفة معينة، من حيث المزايا والحقوق والواجبات والمرتبات والتعويضات المحددة لها.[11] وقد ورد هذا الحق في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 21) الفقرة الثانية: "لكل شخص الحق نفسه الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد".
2-4 المساواة في التكاليف والأعباء العامة
يقرر القانون بصفة عامة ضرورة إعمال مبدأ المساواة في الانتفاع بالخدمات العامة التي تقدمها الدولة عن طريق مرافقها المختلفة، ومن الطبيعي أن يتقرر في مقابل ذلك مبدأ المساواة في تحمل التكاليف والأعباء العامة، الضرائب الخدمة العسكرية.[12]
3- تقييم مبدأ المساواة
تقوم فكرة المساواة حسب تصوير المذهب الفردي لها على أساس تساوي الأفراد منذ ولادتهم، في التمتع بالحقوق وفي الالتزام بالواجبات، والمساواة هنا، مساواة قانونية وليست مساواة فعلية، أي أن الأمر يتعلق بمنح الأفراد مراكز قانونية متساوية[13] ليس إلا. أما المساواة المادية التي تضمن للأفراد قدرا متساويا من الثروة والتي نادت بها الفلسفة الماركسية، فلم يكن الأفراد يهتمون بها، أثناء قيام الثورة الفرنسية لأنهم كانوا مأخوذين بهدف القضاء على استبداد وطغيان الأرستقراطية والحلول محلها من أجل تحقيق الديمقراطية بين أفراد الشعب وطبقاته. لهذا فإن ما يعاب على مبدأ المساواة في النظام الليبرالي، هو أنه مبدأ شكلي لا يقوم على حقائق مادية ملموسة، لأن الحقوق في هذا النظام لا ترتب على الدولة، إلا التزاما سلبيا. فهي لا تضمن قدرا متساويا من الحقوق للفرد، بغرض تحقيق المساواة الفعلية في التملك والعمل نظرا لتفاوت مقدار الثروة والمؤهلات من فرد لآخر، مما يسفر عن مفارقة في الناتج وفي الوضع الاجتماعي والسياسي.[14] ولقد أظهرت التجربة أن الإعمال الحرفي المجرد لهذا المبدأ، أوجد تشوهات في الخريطة الاجتماعية، وهو ما أدى إلى ظهور أصوات تنادي بضرورة حماية الضعفاء، والعاجزين والمحرومين من تلك المواهب والملكات، فصدرت لهذا الغرض العديد من التشريعات الاجتماعية لتحمي هذه الطائفة من نوائب الحياة.[15]
وعلى خلاف الليبرالية، تستمد الحركة الاشتراكية والفلسفة الشيوعية، قوتها السياسية من خلال استنادها إلى مبدأ المساواة الفعلية.[16] فإذا كانت الأولى قد فسرته تفسيرا قانونيا، فإن الثانية قد فسرته تفسيرا اقتصاديا. فذهبت إلى القول، أن المساواة الفعلية لن تتحقق في عالم الواقع فتغدو أساسا صالحا للحرية، إلا إذا تحققت المساواة الاقتصادية بين الأفراد، وهذه المساواة لن تتم إلا في أخر مراحل التطور الإنساني، وهي مرحلة الشيوعية، وهذه المرحلة لن تصل البشرية إليها إلا عبر مرحلة انتقالية تقوم فيها الطبقة العاملة بالاستيلاء الثوري على السلطة، وإلغاء الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، وتهيئة الشروط الموضوعية بغية الوصول إلى تلك المرحلة الثانية[17] التي لم يتم بلوغها أبدا.
مبدأ المساواة
حق المساواة في
موضوع حول المساواة
مبدأ المساواة في
تعبير عن المساواة بين الناس
المساواة أمام القانون
مبدأ المساواة أمام القضاء

[1] صالح حسن سميع: م.س. ص: 30
[2] م.س. ص: 53
[3] م.س. ص: 53
[4] م.س. ص: 30
[5] م.س. ص: 242
[6] م.س. ص: 54
[7] م.س. ص: 242
[8] م.س. ص: 54
[9] م.س. ص: 55
[10] م.س. ص: 243
[11] م.س. ص: 55
[12] م.س. ص: 55
[13] م.س. ص: 30
[14] م.س. ص: 56
[15] م.س. ص: 30
[16] م.س. ص: 56
[17] م.س. ص: 31