العلاقة بين الثقافة والحضارة

العلاقة بين الثقافة والحضارة :
      إن معنى الحضارة أوسع من معنى الثقافة لأن الثقافة لا تنشأ إلا بعد الاستقرار الذي يكون في سكنى المدن والأمصار . فكلمة (حضارة) تأتي من سكنى الحضر . وفي هذا المعنى يقول ابن خلدون: " إن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران ، وتعظم الحضارات".(11)
    وقد عرّفت الحضارة بأنها مجموع عقائد ، ومناهج فكرية ، وفلسفات ، ونظم سياسية واقتصادية ، وعلوم طبيعية ، وعمرانية ، واجتماعية، وتجارب خاصة مرت بها الشعوب .
    فالثقافة تنشأ بعد تكوين الحضارة . وأحياناً يكون معنى الثقافة والحضارة واحداً لأن بينهما علاقة تلازم .
     إن العمل الثقافي يتمثل في الأشكال والصور والقنوات التي تعبر عنها الثقافة مثل : الإبداع الأدبي والفني ، والتأليف، والبحث العلمي، وما يتصل بذلك من كتب وطباعة ، ونشر ، وتوزيع ، ومدارس ، وجامعات ، ومكتبات ، ووزارات ، وإذاعة مرئية ، ومسموعة ، ومراكز ثقافية ، وشبكات معلومات ، وثورة معرفية .(12)
    إن أنماط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نشاهدها في الغرب أو الشرق هي وليدة الثقافة الذاتية لأمة من الأمم، أو لشعب من الشعوب .
وقد شهد العالم فيما مضى تبادل ثقافات عديدة أدى في النهاية إلى تطور العمران ، وتراكم الحضارات ، وفتح الباب أمام الثقافات الأخرى للأخذ والرد. أما ما نشهده اليوم فهو عبارة عن عولمة ثقافية تسعى لجعل كل البشر يسيرون على صورة واحدة للنموذج الغربي الأمريكي . وظهور هذه العولمة الثقافية هو نتيجة فترات طويلة من الاستعمار الذي دأب على ربط الدول به لغوياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً .
    وفي زمن الاستعمار يسعى الغرب دائماً إلى تغريب الدول التي يستعمرها. ومن أنواع التغريب التي مورست على تلك البلاد المستعمرة الاستشراق ، والتنصير ووسائل الإعلام ، والبعثات الدراسية. ونتيجة لضعف العالم الثالث ، والعالم الإسلامي سخر الغرب وسائل الإعلام المتطورة لتبث أفكاره في هذه البلاد المستضعفة ، ومع عدم القدرة على البث المضاد تحول هذا الفخ الثقافي إلى تمرد ثقافي تطور عبر الوسائل ، وعبر التاريخ إلى ظهور العولمة الثقافية التي نشهدها اليوم .(13)
    إن الثقافة الغربية تخفي في أعماقها غايات من التوسع والغزو والسيطرة، بينما لم تكن الثقافة الإسلامية في يوم من الأيام ثقافة أمة غازية متطلعة إلى السيطرة ، ولو كانت كذلك ما انتقلت عواصم الثقافة الإسلامية من المدينة ومكة إلى دمشق وبغداد والقاهرة وفاس والأندلس الخ ..(14) ويرى بعض المثقفين العرب أن العولمة على المستوى الثقافي تعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى ، وتؤدي إلى تبني أنموذج حضاري غربي يمهد للهيمنة الكاملة بعد تفريغ الشعوب والدول من أي تراث حضاري.
    إن التطور الهائل في وسائل الاتصال يؤكد سير العولمة في اتجاه الهيمنة الثقافية ، فهذه الوسائل هي التي تنشر الأفكار بين الناس ، وهي محتكرة لدى الدول الغربية الكبرى التي تنتج هذه الوسائل الحديثة، وتضع لها البرامج والمادة الإعلامية التي تملك الولايات المتحدة منها نصيب الأسد. وكلما انتشرت الوسائل وتطورت أدى ذلك إلى ترسيخ العولمة الثقافية لأن الإعلام العالمي أصبح مقيداً بيد من حديد لدرجة توصل فيها إلى تغطية الأخبار الداخلية للبلدان بشكل أقوى من الإعلام المحلي . وهذا الانفتاح على الثقافات يمكن أن يجعل هذه الثقافات غنية ، ويمكن أن يدمرها في حال السيطرة الآحادية ، والغزو الثقافي، وهو ما تتجه إليه الآن العولمة الثقافية.
    إن الأخبار والأحداث الرياضية ، والعلوم والفن أصبحت تصلنا عن طريق وكالات الأنباء العالمية التي يهيمن الغرب على ما يقرب من 90% منها.  لقد استطاعت هذه السيطرة الإعلامية أن تساهم بشكل كبير في أن يكون المظهر الغربي هو المحبب والمنشود . وقد أدت سيطرة وسائل الإعلام الغربية بلا شك إلى تدمير كلي أو جزئي لثقافات الشعوب الأصلية .(15)
    وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي بدأ الغرب في إعداد شعارات جديدة وعريضة توضح معالم معركته الثقافية القادمة ، وبدأ ظهور قضايا وموضوعات جديدة ، مثل : الأصولية ، والعنف ، والإرهاب ، والخطر الإسلامي . وقد تكون هذه العوامل مرتعاً خصباً لازدهار الثقافة الإسلامية إذا وظفت . وعلى الرغم من أن تشويه صورة الإسلام ليس أمراً جديداً على الغرب إلا أنه أصبح على رأس الأولويات ، وانتقل إلى مرحلة العلن والهجوم .
     وقد أعلن الأمين العام لحلف الأطلسي في مؤتمر صحفي في لندن سنة 1995م أن الخطر الإسلامي والأصولية الإسلامية يشكلان أكبر تحدٍ يواجه الحلف بعد نهاية الحرب الباردة .
    وأشارت كلمات مارغريت تاتشر سنة 1990م إلى هذا المعنى حين قالت : " لقد كان أمام الغرب عدوان اثنان هما الشيوعية ، والإسلام ، وقد تمّ القضاء على العدو الأول دون خسائر تذكر. وعلى الغرب أن يقف اليوم في خندق واحد للقضاء على العدو الثاني" .
    ويقول ريتشارد نكسون في كتابه ( ما وراء السلام ) : " إذا لم يعمل الأمريكيون على احتواء الدول الإسلامية فسوف تنشب الحرب من جديد بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي" .
   ويرى الغربيون أن الإسلام يعني عندهم نهاية التحدي لأنه تحدٍ حضاري بالغ الخطر . ويرى الكاتب البريطاني ( فرد هاليداى) في كتابه (الإسلام وأسطورة المواجهة) أن الاتجاه المعادي للإسلام والمسلمين أخذ يتسع في العالم بسبب انتهاء الحرب الباردة ، وانتشار فكرة صيرورة الإسلام عدواً للغرب عوضاً عن الشيوعية ، بجانب صعود التيار اليميني المتطرف في أوربا وأمريكا (16) .
    وقد قام كتاب ومحللون سياسيون غربيون بحملة التشويه  المبرمج على الإسلام لإسقاط هيبته بين المسلمين ، وقد شهدت المسارح حفلات تكريم عديدة لكل من تطاول على الإسلام من أمثال : سلمان رشدي ، وتوفيق الحكيم ، ونجيب محفوظ ، والطاهر بن جالون المغربي ، وأحمد سعيد المعروف (بأدونيس) .
    وهدف العولمة الثقافي هو تفريغ المجتمعات من رصيدها ، وتراثها الفكري حتى تصبح هذه المجتمعات بلا جذور فيسهل اقتلاعها . وحتى المصطلحات والمبادئ الأساسية المتفق عليها اجتماعياً حورتها العولمة . من هذه المصطلحات : الحرية ، والعدالة، والمساواة ، والديمقراطية ، والسلام ، وحقوق الإنسان إذ أصبح لها تفسير غربي ، وأصبح يراد من الحرية المعنى الذي يفهمه الغرب ، وأصبح الغرب يقصد من العدالة والديمقراطية حقوق الإنسان الغربي ومصالحه . وتختلف حقوق الإنسان حسب رؤية الغرب . أما السلام فهو السلام الذي يخدم السياسة الغربية ، واقتصاد الغرب واستراتيجيته ، وليس المقصود منه سلام الشعوب والأمم .
    كما تبدلت كلمات أصيلة في المصطلح الإسلامي ، وحلّت محلها مفاهيم أخرى . فاستعملت كلمة الديمقراطية مكان الشورى والعدالة ، وحلت حقوق الإنسان التي صممها الغرب محل حقوق البشر الشرعية . وتم عولمة مفاهيم الأسرة ، وشئون المرأة ، والطفولة.
    وظهرت العولمة من خلال إقامة مؤتمرات يبرمج الغرب توصياتها ونتائجها ، وكان آخر تلك المؤتمرات مؤتمري ( بكين والقاهرة) اللذين تمّ التركيز فيهما على المرأة ، وعلى التنمية السكانية ، في صورة تعد تدخلاً سافراً في علاقات الأسرة حسب المنهج الإسلامي.(17)
وكان من أبرز  توصيات تلك المؤتمرات :
1-      إقرار الحرية الجنسية ، وإباحة العلاقات الجنسية خارج حدود الزواج .
2-      فرض مفهوم المساواة الشكلي بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات .
3-      الاتجاه إلى إعادة النظر في قوانين الأسرة في العالم الإسلامي مثلما حدث في مصر أخيراً .
    وهذه التوصيات والنتائج أغضبت دولاً إسلامية كثيرة ، ودولاً شرقية تختلف في نظرتها إلى المرأة ، والمجتمع ، والجنس من الموضوعات التي عرضت في تلك المؤتمرات التي كانت تهدف إلى إحداث انقلاب كبير عن طريق تحريض المرأة ، وتثويرها ، وتحديد نسلها حتى تسهل قيادتها من قبل المرأة الغربية .
    ولفداحة الخطب فإن تلك الحملات المسمومة تجد مؤيدين مسلمين تأثروا بالثقافة الغربية ، وتلقوا برامج تعليمية في الداخل والخارج هي عبارة عن أساليب ومناهج غربية .
    ومن أمثلة الخطر الثقافي الأمريكي أنه يوجد الآن في العالم ما يقرب من 600 لغة ولهجة لكن 90% من برامج الإنترنت تبث بالإنجليزية مما يؤدي إلى تهميش اللغات الحية الأخرى ، وهذا ما دعا الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الدعوة إلى إقامة تحالف بين الدول التي لغاتها ذات أصل لاتيني للتصدي لهيمنة اللغة الإنجليزية ، ولهذا السبب أنشئت الوكالة الفرانكفونية، والمنظمة الدولية للفرانكفونية.(18)
     إن اتجاه العولمة في الوقت الحاضر يسير نحو التأثير السلبي على الهوية والسيادة معاً لأن الغرب يجمع بين موقفين متناقضين . فهو من جهة شديد الاعتزاز بهويته ، ومن جهة أخرى يرفض الاعتراف بالهويـات الوطنية لشعوب العالم .
    ويرى ( فوكوياما ) ، وهو مفكر وكاتب أمريكي من أصل ياباني أن ثقافة أمريكا هي النموذج الأعلى الذي يجب أن يحتذى بل يراها النموذج الخاتم ، ونهاية الرقي الإنساني ، ونهاية الثقافة والحضارة . وفي هذا المعنى كتب كتابه ( نهاية التاريخ وخاتم البشر ).(19)
   وقد ردّ عليه كاتب آخر هو صمويل هانتجتون (Huntigton) رداً لاذعاً في كتابه (صدام الحضارات) أثبت فيه أن الحضارة الغربية رائعة وفريدة لكنها ليست عالمية ، ويرى أن أي محاولة لفرضها على العالم ستقود إلى الصدام والحرب بين الثقافات ، وأن المستقبل سوف يشهد زوال الحضارة الغربية ، وقيام تحالف بين حضارة الإسلام وحضارة الصين ، وأن الإسلام سوف يقوى على حاسب الغرب إذا امتلك الحداثة والثقافة ، ولم يتغرب .(20)
     ومن عبارات فوكوياما في هذا المعنى " إن شعوب العالم غير الغربية لا يمكن أن تدخل في النسيج الحضاري للغرب حتى وإن استهلكت البضائع الغربية ، وشاهدت الأفلام الأمريكية ، واستمعت إلى الموسيقى الغربية . فروح أي حضارة هي اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد ، وتتميز حضارة الغرب بكونها وريثة الحضارات اليونانية والرومانية ، وتدعو إلى فصل الدين عن الدولة ، وإلى التعددية والحرية الفردية . إن التحديث والنمو الاقتصادي لا يحققان التغريب الثقافي في المجتمعات غير الغربية بل يؤديان إلى مزيد من التمسك بالثقافات الأصلية لتلك الشعوب . لذلك فإن الوقت قد حان لكي يتخلى الغرب عن وهم العولمة " .(21)
     إن العولمة التي عند الغرب تتعارض تماماً مع قواعد القانون الدولي ، ومع طبيعة العلاقات الدولية، ومع الاقتصاد الوطني ، والسيادة الوطنية ، ومع قانون التنوع الثقافي ، وسوف تؤدي هذه العولمة إلى فوضى عالمية في الفكر والسلوك والاقتصاد ، والتجارة ، والفنون والآداب ، والعلوم والتكنولوجيا ، لأن الغرب يريد تذويب الثقافة الإسلامية في ثقافة أمريكا التي تتصف بالسطحية وشعار (متع نفسك) فهي ثقافة المادة ، وثقافة الاستهلاك ، والتسيب ، والعنف، ولبس الجينز الضيق ، والأمركة في الأكل والشرب، واتباع طريق الشهوات.
    وعلى الرغم من كل ذلك فإن البشر لا يستطيعون التحرر في هذا الزمن من ضغوط العولمة لحاجة الشعوب إلى مسايرة النظام العالمي الجديد في جانب الاقتصاد والعلم ، والتكنولوجيا ، ولكن هذه الشعوب تستطيع إيجاد تيار ثقافي مضاد يقف في وجه روح الهيمنة التي تتصف بها العولمة .
    إن الأخذ بالتقنيات الجديدة المتطورة لا يتعارض مع الهوية المذهبية ، ولا مع الخصوصية الثقافية، فالغرب نفسه لم يتخل عن هويته الدينية أو المذهبية . فكيف يلزمنا أن نتخلى عن خصوصياتنا الثقافية والدينية ؟ .


(11) عبد الرحمن بن خلدون ، مقدمة ابن خلدون ، طبعة 1967م ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، ص 777 .
(12) د . ناصر الدين الأسد ، العمل الثقافي العام والمتغيرات والدولية ، ص 85 .
(13) فتحي يكن ، ورامز طنبور ، العولمة ومستقبل العالم الإسلامي ، مؤسسة الرسالة ، ط1 ، 2001م ، ص 36 .
(14) محمد فاروق النبهان ، قابلية الثقافة الإسلامية للأخذ والعطاء ، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية ، مكناس ، 1991م .
(15) المصدر السابق ، ص 39 .
(16) د . عبدالقادر طاش ، كيفية تحسين صورة الإسلام في الغرب ، ص 105 .
(17) فتحي يكن ، العولمة ومستقبل العالم الإسلامي ، ص 45 .
(18) د . إبراهيم بن ناصر الناصر ، العولمة مقاومة واستثمار ، مجلة البيان ، العدد 167 ، السنة 16 ، ص 123 .
(19) د . زكريا بشير إمام ، في مواجهة العولمة ، مصدر سابق ، ص 159 .
(20) المرجع نفسه والصفحة نفسها .
(21) مجلة الإسلام اليوم ، مقال بقلم د . عبدالعزيز بن عثمان التويجري ، العدد 15 ، السنة 18 ، 1998م ، ص 20 .