دراسة نص سردي

تأتي رواية "متاهات ليل الفتنة" لتتوه بنا في أعماق الجرح الجزائري، بليله الذي طال وامتزج سواده بحمرة الدم. بإطلالة خارجية على النص ومن العنوان نبدأ، المتاهة هي فقدان الطريق، والليل سمته السواد والفتنة أشد من القتل ألا يحمل كل هذا خوفا من القادم، خوفا من نص، يفضي الاقتراب منه احتراسا شديدا. حتى الصورة الموجودة في الغلاف صورة بألوان غامقة امتزج فيها البني بالأسود لترسم صورة إنسان مشوه لا توجد فيه ملامح واضحة. العينان مغمضتان وثغره مفتوح كأن شبحا من أشباح إدغار ألان بو تمثل أمامه، وزرع فيه رعبا ودهشة لاحدود لها. 
أما إذا ولجنا هذا النص فإنه جاء في مائتين وست وثمانين صفحة، مقسم إلى خمسة أجزاء كل جزء يحملنا إلى متاهة من المتاهات، من متاهة المحنة يبدأ، إلى متاهة الجرح، إلى متاهة الغبار ثم متاهة المتاهة وأخيرا متاهة الكوابيس.متاهات كل واحدة تحيل على الأخرى، البداية تحيل على النهاية، والنهاية تقود إلى البداية دون أن نعرف الخروج من هذه المتاهات.    
   من المأساة بدأ النص "...فزع وعويل، يشقون صدر الظلام..." من الفعل.. من الهجوم البربري المتوحش على ماكدرة ـمدينة في الغرب الجزائري ـ تبدأ متاهة المحنة، متاهة صورت بسادية كبيرة بطش رجل يدعى أبو يزيد صاحب الحمار الأشهب، ولد في العار والفضيحة، عاش ذليلا جراء ما فعلته أخته، واقترفه أبوه، ليجد الحقد يتربى معه إزاء مجتمع، نظر إليه دوما نظرة دونية فعاش مهمشا، وفي أول فرصة جاءته لم يتوان في الانضمام إلى الجماعات الإرهابية، ليعوض ضعفه قوة وبطشا، لهذا، فهو يقتل ويبقر البطون دون أدنى إحساس. 
  لكن حميدو وهو بطل من أبطال هذا النص، لا يجد مبررا لأفعال أبي يزيد إلا بالعودة إلى التاريخ، لأنه مقتنع أن الفتنة بدأت من هناك، ومادمنا نسينا الماضي فلا يمكننا تجاوزه لأن حضارة الدم تتغذى من النسيان، "الدم تاريخنا جميعا ذاكرتنا في الأمس، ذاكرتنا اليوم" ص21 وحفر التاريخ ونبش الذاكرة يعيننا على تجاوز المحنة لأن ما نعيشه " هو العبث، أجل عبث زمن الموت المبتذل... وأنا المهووس بالموت بأخبار القتل بأشباح التاريخ العائد مدثرا بالدم والنعيق، عبر نتوءات حاضر مخرب بالعبث وفساد النظر" ص20 وبعودته إلى التاريخ يقدم شبها بين أبي يزيد صاحب الحصان الأشهب، وأبي يزيد النكاري صاحب الحمار الأشهب الذي عاش سنة 833 م " كان مذهبه تكفير أهل الملة واستباحة الأموال والدماء والخروج على السلطان.."ص11.12 تم القضاء عليه وعلى نحلته في عهد القائم ولد المهدي والمنصور. 
   بدأت متاهة المحنة (الفصل الأول) بالدم والخوف والموت، بحثت عن جذور المحنة في التاريخ وخلخلت النص لأنها محنة، والمحنة متاهة لا يمكن إيجاد رأس الخيط فيها ليبدأ النزيف وبدأت متاهة الجرح من النزيف التاريخي، فالمحنة تجرح، والنزيف يبدأ، والتعفن يتغلغل والذاكرة المرتعشة تبعث بالآلام وتبحث لها عن ضلال، لهذا نجد متاهة الجرح تبدأ بالاستعمار والثورة الجزائرية والاستقلال، والعودة إلى حفريات مجتمع لم يطأطئ رأسه أمام المستعمر "لماذا أنت هكذا منتكس الرأس، نحن أحرار، رؤوسنا يجب ألا تنتكس، إخواننا هنا وفي الجبل أو في كل مكان، عصر الذل والإهانة انتهى لابد أن ينتهي" ص69.
عمد السارد إلى نصوص مختلفة صحافية إخبارية، (بطريقة الروائي الأمريكي دوسباسوس) لينقل الأحداث من أكتوبر 1988 (الغضب الجماهيري)، إلى التعددية الحزبية، وصولا إلى الحرب الأهلية. حرب بدأت بالحوار لتنتهي بالدم والسلاح، دارت الحوارات بين ثلة من المثقفين والصحافيين: علي خوجة، وعمر أورتيلان وبختي بن عودة والذين سيضيعون في متاهة الغبار، اغتيل كل واحد منهم بطريقة ما، والهدف واحد: قتل العقل الجزائري، جاءت متاهة الغبار لتعيد رسم الأحداث وطرح الأسئلة التي عمها الغبار وحجب الرؤية الحقيقية للأشياء، لهذالا يزيد الحوار الذي ورد في هذا الجزء، والذي أجراه حميده وحميدو وعلي خوجة مع الجينرال المتقاعد، الأشياء إلا غموضا. وتبقى هذه المتاهة عامرة بالأسئلة ليتيه السارد بنا في متاهة أعمق وهي: متاهة المتاهة. 
يقف فيها السارد عند أجزاء أخرى من شتات هذا الجسد، ينتقل بنا إلى الطرف الفاعل في المحنة: الإرهابي، لتبدأ هذه المتاهة بصوت إرهابي يحضّر نفسه لعملية إرهابية ويرسم في مخيلته الصورة التي سينقضّ بها على ضحاياه، منتقما على الخصوص، من ذلك الشرطي الذي لم يقبل في يوم من الأيام أن يزوجه ابنته، ما لملمه السارد في المتاهة الأولى بصوت الضحية ينقله الآن بصوت الجلاّد. لتبدأ المتاهة الحقيقية، تصوير شنيع لما يحدث بين الجماعات الإرهابية من فرقة، وسقوط في عبثية مدمية، وشقاق سديمي لاتجد له تفسيرا إلا مقولة غياب العقل، لأن الكل يحكم بهواه. 
   يتغلغل بنا السارد إلى عمق هذه الجماعات ناقلا الأحداث بصوت شخصيات كانت داخل الحدث، تحكي قصتها مثل حكاية كمال منصور، والدكتور إبراهيم التلمساني. إرهابيان وجدا نفسيهما داخل المأساة مدفوعين بظروف لم يستطيعا التحكم فيها، ولكن كانا ضد العمل المسلح، وإن كان كمال منصور قد قام بعملية إرهابية مجبرا إلا أن الدكتور إبراهيم حافظ على قناعاته وعمل في الجبل كمنسق إعلامي، لأنه كان من المؤمنين بالحوار والمصالحة. وفي أول فرصة واتته نزل من الجبل وسلم نفسه مع كمال منصور والأمير السياف الذي كان مقتنعا بأفكاره، وأورد السارد هذه القصص المدمجة، ليبين بأن متاهة الجزائر كانت متاهة داخل متاهة، من طبيعة مكعبة، بحيث سيسقط القارئ في غموض غائم يعكس جيدا تلك اللحظة الحاسمة في تاريخ الجزائر المعاصر. 
  كانت متاهة الكوابيس آخر متاهة في النص، رسم فيها حميدو كسارد، كوابيسه المستمدة من الكآبة والعبث والموت والخوف والعنف الجنوني، عاد فيها حميدو إلى حفريات المحنة من جديد، لينقلنا هذه المرة من الملل والنحل إلى فتنة الخلافة (مقتل علي والحسين). ويرجع سبب هذا الخلط بين ماض سحيق وحاضر مرير إلى أن "المشهد كالزمن الزائل، كالزمن العتيق، تنبعث منه روائح ومذاقات ألوان شتى" ص275. انتهى النص من حيث بدأ (المتاهة) فالصراخ والعويل "يشقان صدر الظلام، سماء حمراء وأفق عامر بالرعب... الموت في كامل عرائه وسفوره، يطرق الأبواب" ص286. 
سردية الخوف:
سنقارب هذا النص مقاربة بنوية، نحاول من خلالها الكشف عن الخوف وتجلياته في كل المستويات الخطابية، لهذا سنستعين بالمهاد التنظيري الذي قدمه جيرار جينيت. نقف في البداية عند الزمن، بأبعاده الثلاثة ( المدة والترتيب والتواتر) كعنصر أساس، لتسليط الضوء على تمظهرات الخوف، ثم نتطرق لمفهوم التبئير، أي وجهات النظر التي تتحكم في سردية النص، لنصل بعدها، إلى مستوى الأصوات (من يتكلم في النص الروائي). 
زمن الخوف:
لا يمكن لأي نص روائي أن يتخلى عن الزمن، إلا أن خصوصية الكتابة الروائية، تجعل هذا العنصر متنوع الاستعمال حسب نوع الكتابة وأهدافها، والسؤال المطروح: كيف تجلى الخوف زمنيا في هذا النص؟ 
  عند تلخيص الرواية، تبدى بأن أحداثها جد متشعبة ومتداخلة، صعب الوقوف عند كل تأزماتها وإحداثياتها. وهذا ما خلق نوعا من التدبدب بين زمن القصة وزمن الحكي؛ فإذا كان هذان المفهومان عند جينيت يعنيان أن زمن القصة هي الأحداث كما تجري في الواقع بخطية، فإن زمن الحكي هو الطريقة التي ترتب بها الأحداث في الرواية، ويحدد هذا الاختلاف بين الزمنين، السرعة السردية والتواترات والتنافرات.
 
بنيت الرواية التي بين أيدينا، على التفكك والتقطعات السردية، لارتباطها بمتواليات نصية مختلفة، ويعود هذا الاختلال إلى غياب البطل الإشكالي، كما يفهمه جورج لوكاتش، ذلك البطل الذي يكون فاعلا مركزيا في ثنايا الأحداث، فالبطل في نص حميدة العياشي، متنوع وفصامي وكافكاوي، يعكس عبثية العالم السردي من الناحية الزمنية، فولد زمنا مشوشا ومدبدبا. إذا بحثنا عن زمن الحكي، فإننا نجد بأن البداية انطلقت من قرية ماكدرة، من الهجوم الذي اكتسحها في الساعة الواحدة صباحا، ونتتهي الرواية بالرجوع إلى نقطة البداية نفسها، وتوجد بين البداية والنهاية أزمنة متضاربة ومتخارجة ومتداخلة وهذا ما يفسر كثرة التنافرات الزمنية التي تعد من طبيعة جويسية (جيمس جويس). 
   نلاحظ بأن النص يحتوى على كثرة لا بأس بها من الاسترجاعات السردية، والعجيب أن الاستباقات، التي تعد ضرورية في كثير من الأحيان، تكاد تنعدم بتاتا في هذا النص، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن استشرافات المستقبل كانت من طبيعة صفرية في النص، ولا نجد من تخريج لذلك، سوى اعتقادنا بأن الخوف العميق في النص حال دون بناء نظرة واضحة للمستقبل، وكل قارئ لهذا النص، فإنه سيلاحظ ذلك التوظيف الهائل للاسترجاعات الداخلية والخارجية ما دامت غاية النص ترمي إلى الحفر السحيق في طبقات المحنة/الفتنة. 
وظف الروائي حميدة العياشي الحركات السردية بكل أنواعها (التلخيص والحذف والمشهد والوصف)، إلا أن الحذف والتلخيص أخذا حصة الأسد في هذا الجانب، وهذا ما يدل على أن الحركة السردية كانت جد سريعة لأنه على الرغم من أن هذه الرواية رواية أحداث إلا أن الشخصيات كانت جد مضببة، لم يتطرق السارد إلى وصفها، وزيادة على ذلك فإن حميده لم يستعمل حوارية تطال الشخصيات، بقدر ما وسع الحوار بين النصوص بطريقة تناصية تربط بين الماضي والحاضر. 
  إذا فهمنا بأن السرعة، من الناحية الوجودية، تقتضي إرادة عميقة للنسيان مضمرة، والبطء يقتضي إرادة عميقة للتذكر، فإن نص حميدة بسرعته القوية، يدل على أن السارد يحاول أن ينسى خوفا وفتنة في اللاشعور الجماعي لهذه الأمة، طال زمنا تاريخيا من عهد الخلافة إلى حد الساعة. 
  أما فيما يخص جانب الصيغة والصوت، لا حظنا بأن هذه الرواية هي رواية أحداث وأفعال، وليست رواية أفكار، لم يكتف السارد بنقلها من وجهة نظره الخاصة، بل تقاسمها مع مجموعة لا بأس بها من الشخوص، لا نجد، جراء هذا، ساردا عالما بكل شيء، كما هو الحال في كثير من الروايات الكلاسيكية، بل نجد وجهات نظر عديدة تتقاسم بناء النص تقاسما ديموقراطيا، وكأن حميدة العياشي، يروم أن يبث رسالة ضمنية في النص ترمي إلى أن الخوف والفتنة مسؤولية الجميع، لأنهما إذا نخرا جسد أمة ما ما، فإنهما ينسفان كل الأطراف وكل الجماعات: " الخوف أقوى منا جميعا" ص29.
 
سردية الخوف في رواية أبناء المرارة:
  على خلاف رواية حميدة العياشي، تعالج رواية أبناء المرارة المأساة بطريقة أوضح، لأن الروائي اختار ساردا عالما بكل شيء، ويعكس هذا أن الرؤية كانت فوقية ومتعالية، خلاف رواية حميدة، التي كان ساردوها معتلجين بالواقع ومنخرطين فيه إلى النخاع. 
    يتبدى لنا من العنوان أن الروائي وضع الجميع في نفس الدائرة، الكل احتسى المرارة و الكل كان الضحية، لهذا قال في آخر النص " ابكوا يا إخوتي بدون أن تختاروا بين الموتى، ابكوا ببساطة الموت، دون أن تسموها" ص265.
إذا ولجنا إلى النص، نلاحظ أن شخصيتين محوريتين تقتسمان أدواره، يوسف الصحفي المؤمن بالديمقراطية، وفريد الشاب المتطرف. والرواية كلها تروي، بأجزائها الثمانية، اغتيال يوسف والقبض على فريد، ليكون زمن القصة ستة أيام فقط نقلها المؤلف في 275 صفحة من حجم الرواية. يضعنا السارد في الجزء الأول المعنون بـ"يوم في الزمن" في أجواء جزائر ما بعد الاستقلال، "عرس الاستقلال بدأ، انتهى ضجيج الأسلحة ورنين الرصاص... غنينا على الأموات ورقصنا على الجراح... الجزائر استقلت.." ص11. 
  نتعرف عن طريق هذا السرد بالذات، على شخصية عمي صالح المجاهد الذي تقلد بعد الاستقلال منصبا في الأمن العسكري ليحافظ على خيرات هذا الوطن، له ابن من زواجه الأول، وهو فريد الذي يحمل له حقدا دفينا لأنه تخلى عنه وعن أمه وجعله يكابد مصاعب الدنيا لوحده.
 
    في الجزء الثاني "يوم قبل الزمن" يعرفنا السارد على شخصية يوسف، الصحفي اللامع الذي يعمل في أحد الصحف العاصمية المشهورة، والمعروف بجرأته الإعلامية، كان ذا ثقافة ثلاثية الأبعاد، عربية وفرنسية وأمازيغية، معتلج بالواقع سريع الغضب وخاصة الغضب الوجودي يقول " أحب الغضب الوجودي هذا ما تبقى لنا لأنه لا يزجد شيء واضح في هذا البلد، من الأحرى توضيح الأشياء" ص36. 
   أما الجزء الثالث "اليوم الأول" فيبدأه السارد بالحديث عن فريد الذي ينتظر لقاء جمال، وهو شاب من عائلة راقية، أبوه بائع حليّ يملك منزلا فاخرا وفيه ينظم جمال لقاءات سرية مع الأمير الجيلالي، الذي يقوم بتخطيط العمليات الإرهابية، سيلتقي فريد في هذا اليوم، بهذا الأمير ليطلعه على المهمة التي سيقوم بها، ويقنعه أن الله قد اختاره لهذا العمل، لهذا يجب ألاّ يخاف: " إذا كنت خائفا فإن الموت سيكون نصرا، يجب ألا يخيفك الموت، إنه نداء الله، والذي يدعوه الله فهو إنسان سعيد" ص97 . نلاحظ كذلك، بأنه في هذا اليوم أيضا، تبدأ نقطة التأزم بوصول رسالة التهديد ليوسف، توقعه في دوامة كبيرة من الأسئلة وتبعد عنه النوم ليسقط في متاهة الخوف.
  ضم الجزء الرابع المعنون بـ : "اليوم الثاني" لقاء يوسف بقريبه مرزاق الذي يعمل في الأمن العسكري، فبعد أن أطلع يوسف مرزاق التهديد، تحدث هذا الأخير عن الوضع المتأزم الذي آلت إليه الجزائر، ووضح ليوسف أن اللعبة أكبر بكثير مما يتصور، تتحكم فيها أطراف داخلية وخارجية، فمن جهة بين له أن التطرف وليد غياب قيم المواطنة التي سلبت من هذا الشعب، ومن جهة أخرى الوضع الداخلي للبلد لا يستطيع الصمود أمام القوى الخارجية التي تضغط عليه لاستنزاف خيراته، لهذا ما يولد الخوف، حسبما يعتقد مرزاق، هو انعدام الثقة المطلقة، لأن كل شيء غامض. 
يخبرنا السارد في هذا الفصل عن العلاقة السرية الموجودة بين يوسف وعشيقته ربيعة، ويعود بنا إلى فريد حينما يحضر حقيبته للسفر تاركا أمه تبكي. في الحقيقة، كان هذا الهروب يعكس جيدا وضعه المزري، لهذا نستطيع تلمس هذا الملفوظ، الذي جاء في سياق تلك العلاقة المعقدة الموجودة بين فريد وأمه: "تعب فريد من رؤية أمه تبكي لهذا قرر أن يتسلح.. ما قرره يعد انتحارا..لأنه اليوم بدون دليل يقوده.. يغادر هذا العالم بحرية ووحشية كبيرة، القادرون الوحيدون على استغلالها هم صيادو السلطة..." ص169.  
يبدأ العد التنازلي، أي اللحظة السردية التي تبدأ فيها الفرجة، في "اليوم الثالث صباحانجد يوسف يصارح زوجته بالتهديد الذي وصله، وهنا يبدأ الخوف الحقيقي، الذي تجلى في تغيير يوسف لطريقة لباسه ولمواعيده، بناء على طلب زوجته، كما تجلى في اضطراب تفكيره وقلقه، =
وفي هذا اليوم تتصل ربيعة بزوجة يوسف لتعرض عليها فكرة الاختباء عندها ريثما تهدأ الأوضاع، فيبدأ الصراع بين يوسف وزوجته التي تتوقع يوما أن زوجها يخونها. 
   يبقى يوسف في "اليوم الثالث مساء" يجول في شوارع العاصمة الحزينة، أضواؤها باهتة، وصفارات إنذار الشرطة يسمع صوتها من بعيد، الأزقة فارغة من المارة لأن الخوف سكن قلوب الجميع، يدخل يوسف إلى الحانة ليفرغ آلامه ويهرب من الأفكار التي تساوره، فهو لا يريد الموت، أو بالأحرى يبحث عن سبب لموته فلا يجد. وفي العودة يسمع الحوار الذي قام به زميله مع الجنرال، ليكتشف أبعادا أخرى للأزمة الجزائرية التي خطط لها منذ زمن. 
" اليوم الأخير قبل منتصف النهار" يصور السارد فريد، الذي يملؤه خوف عارم مما سيواجهه في هذا اليوم، رفقة اثنين من أعضاء جماعته. ومن جهة أخرى يصور لنا يوسف في آخر ساعاته مع زوجته. تأتي اللحظة الحاسمة ليغتال يوسف على يد قريبه فريد وكلاهما لا يدري صلة هذه القرابة، ذكرها السارد بعدما بين لنا بطريقة عبثية الأجواء. جاء في خاتمة هذا الجزء: "مات يوسف، وفريد يبكى عليه، أين هو المستقبل الذي ينسيني، الذي يحكي قصصنا للتاريخ، كي أعيد قراءة ذاكرتي في سلم.."ص265 . 
  "منتصف النهار" يأخذنا السارد هنا إلى المطار أين سيسافر فريد بعد أن قام بالفعل الذي طلب منه، سيبدأ حياة جديدة، سيصبح تاجرا ويعيد البسمة لأمه، أحلام كثيرة يرسمها في مخيلته يقطعها شرطيان ويقبضان عليه لأن الشاب الذي نفذ معه  اغتيال يوسف كان من الأمن العسكري، وهنا يبين لنا السارد أن يوسف كان ضحية مزدوجة فإذا كانت السلطة تعلم هذه الخطة لماذا لم تمنعها..
"يوم بعد الزمن" جاء في صفحة واحدة وفيه جمع السارد بين الزوجة والعشيقة.! 
دراسة الزمن:              
اعتمدت هذه الرواية على البعد الزمني اعتمادا كبيرا، تبدى ذلك في فصول الرواية التي حملت كل واحدة منها سمة زمنية معينة،  فزمن القصة لم يتجاوز الستة أيام، ولكن الملاحظ أن هذه الأيام وزعت على مائتين وخمس وسبعين صفحة، وهذا يدل على أن زمن الحكي قد مدد بتوظيف مختلف الحركات السردية والتنافرات الزمنية. والسؤال المطروح كيف عبرت البنية الزمنية عن تمظهرات الخوف في هذا النص.؟      
 
الملاحظ أن هذه الرواية استخدمت الاسترجاعات بنوعيها: الداخلية والخارجية، إلا أن توظيفها للاسترجاعات الداخلية كان أكثر لمساهمتها في بناء صور الشخصيات بماضيها، فكلما ظهرت شخصية جديدة إلا ويزودنا السارد بماضيها، كما ساعدت هذه الاسترجاعات على ملء فراغات النص؛ لأن السارد كان في كثير من الأحيان يقطع مسيرة الأحداث لإدخال حدث جديد، فنلاحظ أن النص مملوءا بالبياضات، ينتقل السارد في الفصل الواحد مغيرا الأزمنة والأمكنة ليوهم القارئ أنه ينقل الأحداث بحذافيرها، فمثلا نجده في نفس الفصل يتحدث عن فريد ثم ينتقل إلى يوسف وهكذا..أما عن الاسترجاعات الخارجية فكانت محدودة، استخدمها السارد للحديث عن الثورة الجزائرية والاستعمار. 
وعلى العكس من ذلك تماما، نجد استخداما كبيرا للاستباقات التي شكلت حضورا بارزا وقويا، تجلى هذا، خاصة في اللازمة الحوارية التي نجدها في بداية الفصول ونهايتها، وهاته اللازمة عبارة عن حوار يدور بين جد وحفيده، مع العلم بأن هذين الشخصيتين وضعهما السارد من دون أن يتدخلا في تغيير نظام الرواية، لأنهما يشكلان الجزء الثابت فيها، نعطي مثالا على هذا الامر بالحوار الختامي التالي:" "اليوم الثالث صباحا":
الجد: أين أمك
الحفيد: إنها تبكي
الجد: أين أبوك
الحفيد: غائب
الجد: في أي يوم نحن
الحفيد: في يوم لن يعود
استبق هذا الحوار ما سيجري من أحداث، فبعد هذا اليوم سيقتل يوسف. أما الاستباقات الأخرى فكان السارد هو المتحكم فيها بذكر أحداث لم تقع بعد في كثير من المقاطع السردية. ويرمينا هذا الأمر، إلى الاعتقاد بأن سليمان بن عيسى، على العكس تماما من حميدة العياشي، احتوى عمله على نزعة تفاؤلية بارزة، لم ينكرها النص من حيث المضمون ولا من حيث الشكل، لهذا يمكن من الوهلة الأولى أن نصف رواية سليمان بأنها رواية مواجهة، ورواية تجسد ذلك المعترك الذي أعاد لنا أسطورة قابيل وهابيل في شكل جديد، وبيّن لنا بطريقة ذكية المصير الذي طال الإخوة الأعداء، في عالم تسوده المرارة واللاجدوى. 
    تنوع استعمال الحركات السردية في هذا النص، لكن لا حظنا إزاء ذلك، بأن السرد كان بطيئا جدا، وذلك لكثرة المشاهد الحوارية الداخلية منها والخارجية، من جهة، وكثرت الوقفات الوصفية التي تخللت النص برمته لتشخيص طبيعة ونفسية الشخصيات، والفضاءات السردية من جهة أخرى. 
   قدمت لنا هذه الرواية من قبل سارد عالم بكل شيء، يستطيع أن ينقل كل ما يدور في ذهن الشخصيات من حوارات داخلية، وحالات نفسية مضطربة، إلا أنه لم يتوان في إعطاء الكلمة للشخصيات كي تتحاور فيما بينها، في وضعيات مختلفة دون أن يضيّق من حقل رؤيته، لأنه المتحكم في زمام الأحداث وسيرها، خاصة وأن هذه الرواية عمدت إلى حكي الأفكار وليس حكي الأحداث، لأن الحدث الذي دارت عليه الرواية هو فعل الاغتيال لكن السارد كان يبحث في مستوى الأفكار عن مسبباته. 
في الأخير، يمكننا أن نقول، كمحصلة لهذه القراءة السردية لروايتي حميدة العياشي وسليمان بن عيسى، أن الخوف تجسد بطريقة مختلفة من حيث الرؤية السردية، ففي المستوى الزمني لاحظنا بأن نص حميدة كثرت فيه الاسترجاعات وانعدمت فيه الاستباقات، وهذا يدل على انعدام الرؤية الاستشرافية، كما سبق ذكره أعلاه، بسبب ما حجبته حالة الرعب والرهاب الرهيب الذي ساد في عالم الرواية. فلو عدنا إلى واقعية الكاتب، لوجدنا حقا بان الصحافيين، وحميدة واحد منهم، شكلوا مركز جاذبية للاستهدافات الإرهابية البارزة، حيث تقول احصائيات منظمة صحافيين بدون حدود سنة 1998 بأن عدد الصحافيين المغتالين في الجزائر، قد وصل إلى نسبة مرتفعة جدا. 
أما فيما يخص نص سليمان بن عيسى، فإننا لاحظنا بأن الاستباقات طغت على الاسترجاعات وآليات الفلاش باك، ويرجع هذا الأمر، حسب اعتقادنا، إلى أن سليمان بن عيسى لم يكن، ككاتب واقعي، يعيش الأحداث عن كثب، كان يترقب الوضع من مدرجات الملعب، ولم ينخرط في معمعة الصراع والفتنة، لهذا جاء نصه متعاليا نوعا ما، يحتوي على نظرة شمولية تنبش في أسباب الفتنة كي تترصد تنائجها، وإن كان التفكير في النتائج يعكس نظرة جد تفاؤلية، فإنه يعكس كذلك هذا التفكير الدؤوب في المستقبل. 
إن روايتي حميدة وسليمان تعكسان وجهتي نظر سردية، يتبدى من خلالهما أن واقعية الكاتب تتدخل من قريب أو من بعيد، بطريقة مصرح بها أو بطريقة مضمرة، في نسج علاقة معقدة ومتشابكة بين عالم الرواية المتخيل وعالم الواقع الفيزيائي، لهذا، يمكن أن يكون الخوف، موضوع أو مشروع دراسة سردية، يساعدنا على معرفة مدى تدخل ما هو مخيالي فيما هو واقعي