مفهوم الأهلية

مفهوم الأهلية :
الفرع الأول : من حيث اللغة [1] :  الأهلية تعني الصلاحية ، وأهلية الإنسان لشيء ما : صلاحيته لصدور ذلك الشيء عنه ،  يقال : فلان أهل للأمارة : بمعنى أنه صالح لها ، وجدير بها ، ومقتدر على تحمل تبعاتها ، والقيام بأعبائها .

الفرع الثاني : من حيث الاصطلاح الأصولي [2] : فالمراد بالأهلية : صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له و عليه . وصلاحيته لصدور الفعل منه على وجه يعتد به على الوجه الشرعي .
وقد يُعبر عن الأهلية بالذمة ، وهي في اللغة : العهد ، لأن نقضه يوجب الذم [3] .
 فالأهلية في الشرع : هي وصف يصير به الإنسان أهلاً لما له وعليه [4]  .

المطلب الثاني : أنواع الأهلية  :
الأهلية نوعان : 1 .   أهلية الوجوب .
                2 .   أهلية الأداء .
 وفيما يلي بيان لهذين النوعين من الأهلية في الفروع التالية :
الفرع الأول : أهلية الوجوب :
 وهي صلاحية الإنسان لثبوت الحقوق المشروعة له أوعليه . ولا تثبت هذه الأهلية إلا بوجود ذمة صالحة للوجوب له أو عليه ، وبالتالي تصح المطالبة بالواجب أداء وقضاء [5] .
فأهلية الوجوب :  هي صلاحية الشخص لأن يكتسب الحقوق ، ويتحمل الواجبات ، وقد عبر عنها الشيخ مصطفى الزرقا ـ رحمه الله ـ بأنها : صلاحيته للإلزام والالتزام [6] .
 والمقصود بالإلزام : ثبوت الحقوق له ، كاستحقاقه قيمة المتلفات من أمواله ، وكوجوب النفقة على غيره إن كان فقيراً .
والمراد بالالتزام : ثبوت الحقوق عليه ، كالتزامه بأداء ثمن المبيع ، ودفع المستحقات عليه ، ونفقة قريبه الفقير إن كان هو غنياً وقريبه فقيراً . 
وهذه الأهلية ملازمة له طيلة حياته ، ولا يصح حرمانه منها ، ولا تثبت إلا بعد وجود ذمة صالحة ، لأنها ـ الذمة ـ هي محل الوجوب ، فلا تكون إضافة إلى غيرها ، ولهذا اختص الإنسان بالوجوب دون سائر الحيوانات التي ليست لها ذمة [7].
ومناط أهلية الوجوب : الحياة ، وهي بذلك تثبت للجنين في بطن أمه ، ويصلح لأن تثبت له حقوق : كالعتق ، إذ يُعتق بعتق أمه ما دام في بطنها ، لأنه يعتبر وكأنه جزء منها ، وله نصيبه في الميراث ، وتصح الوصية له ، والوقف عليه ، ويثبت له النسب ، وكذلك نفقة الأقارب [8].

الفرع الثاني : أقسام أهلية الوجوب :
 أهلية الوجوب قسمان : أهلية ناقصة ، وأهلية تامة " كاملة " .
 1 .   أهلية الوجوب الناقصة : وهي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له دون أن يترتب عليه واجب . وهذه التي تثبت للجنين في بطن أمه ، إذ إنه قبل ولادته يُنظر إليه من جانبين : الأول : على أنه جزء من أمه يتحرك بحركتها ، ويعتق بعتقها ، فهو بذلك غير مستقل عنها ، والأصل أن تنتفي عنه الذمة ، فلا يجب له شيء ، كما لا يجب عليه شيء .
والثاني : على أنه نفس مستقلة ، فيه حياة ويتهيأ للانفصال عن أمه ، ويصير إنساناً قائماً بذاته ، وله حقوق أقرها الشرع كحرمة إسقاطه ، وحق الميراث ، والنسب ، والعتق ، وغيرها ، وهو بهذا الجانب أهل لأن تثبت له الحقوق وأن تثبت عليه أيضاً .
وبالنظر في الجانبين يلاحظ أنه لم تثبت له أهلية وجوب كاملة ، ولا انتفت عنه مطلقاً ، فكانت أهليته ناقصة ، وإنما ثبت الإلزام ولم يثبت الالتزام ، وبذلك صحت الوصية له ، واستحق نصيبه من الميراث ، ويلتحق بنسبه ، ولا يجب عليه شيء ، فلو اشترى الولي له شيئاً لا يجب عليه دفع الثمن ، ولا تجب عليه نفقة الأقارب الفقراء [9] .
 2 .  أهلية الوجوب الكاملة : وهي صلاحية الإنسان لثبوت الحقوق المشروعة له وعليه  .
ومناط هذه الأهلية : الحياة المستقرة المستقلة ، وبذلك تثبت للإنسان منذ ولادته حياً وتستمر إلى موته ، ولا يشترط لها عقل أو بلوغ أو تمييز ، ويستوي في ذلك الذكر والأنثى ، والعاقل والمجنون ، والرشيد والسفيه [10].

الفرع الثالث : أهلية الأداء :
 وهي صلاحية الإنسان لصدور الأفعال والأقوال منه على وجه يعتد به شرعاً [11] ، وذلك يعني صلاحية الإنسان لأن يُطالب بأداء ما لزم في ذمته ، وصلاحيته للالتزام [12] ، بحيث تكون أقواله وأفعاله معتبرة ، وتترتب عليها الآثار الشرعية ، فلو أدى عبادة كان أداؤه معتبراً ، وتبرأ ذمته ، ويسقط الواجب ، وإذا ارتكب جناية أُخذ بها ، وعوقب عليها مالياً و بدنياً [13] .


الفرع الرابع : أقسام أهلية الأداء :
يبدأ الإنسان حياته بأهلية أداء منعدمة ، ويتدرج وجودها بتقدمه في عمره ، حتى إذا بلغ أشده واستوى كانت أهليته قد اكتملت ، واستعد لتحمل أعباء التكاليف الشرعية . وكما إن أهلية الوجوب ليست على وزان واحد ، وكذلك أيضاً أهلية الأداء ، إذ هي قسمان [14] : 
الأول : أهلية الأداء الناقصة : تبدأ أهلية الأداء بالتمييز، ومناطها العقل ، حيث يبدأ الإنسان بالتفريق بين الأقوال والأفعال ، ويبدأ بإدراك النافع من الضار ، والخير من الشر ، ولكن العقل لم يصل بعد إلى الحد الذي يمكن صاحبه من إدراك كل الأمور ، وإنما هو قاصر ويعتريه نقص ، إلا أنه ينمو بمرور الزمن وتعاقب الأيام ، حتى يبلغ أوجه في سن البلوغ .
وأهلية الأداء الناقصة تثبت للإنسان في دور التمييز إلى البلوغ ، وقد سبق لنا الوقوف على ما ينبني عليها من أحكام .

الثاني : أهلية الأداء الكاملة : وهي صلاحية الإنسان المكلف لاعتبار تصرفاته القولية والفعلية معتداً بها شرعاً ، وتترتب عليها آثارها ، وتصح منه دون توقف على إجازة غيره .
 وتثبت هذه الأهلية لمن بلغ الحلم عاقلاً ، وبذلك اجتمع لصاحبها كمال العقل ، وكمال قوة البدن .

ونظراً لأن مناط أهلية الأداء وأساسها هو العقل وإمكان التمييز وليس مجرد الحياة ، فإن هذه الأهلية تمر في أدوار تبعاً للمراحل التي يمر بها الإنسان في حياته منذ علوقه في بطن أمه ثم خروجه إلى الدنيا ، وبعده تمام عقله وانتهائه بالموت .
ويمكن تقسيم هذه الأدوار وملاحظة ارتباط الأهلية فيها إلى أربعة :
الدور الأول :  مرحلة الاجتنان ( الجنين ) .
الدور الثاني : مرحلة الانفصال بالولادة حتى بلوغه مرحلة التمييز .
الدور الثالث : مرحلة التمييز حتى البلوغ .
الدور الرابع : مرحلة ما بعد البلوغ حتى الموت .
وسنتكلم عن علاقة أهلية الأداء بكل من هذه المراحل :

الدور الأول : مرحلة الاجتنان ( الجنين ) :
سبق لنا البيان [15] أن الجنين قبل ولادته وانفصاله عن أمه ينظر إليه من جانبين :
الأول :  على أنه جزء من أمه يتحرك بحركتها ، ويقر بقرارها ، فلا استقلالية له ولا أهلية .
والثاني : على أنه له حياة مستقلة ، وفي طريقه للانفصال عنها ، ويمكن بقاؤه حياً بدونها ، ويوقف الإرث لأجله ،  وهو وإن ثبتت له أهلية وجوب ناقصة ، وتثبت له الحقوق التي لا حاجة للقبول في ثبوتها ـ كالميراث ، والوصية ، وثبوت النسب ـ ،  على أن القطع بحقه فيها مشروط بولادته حياً ، ولو ولد ميتاً فلا نصيب له في الميراث ، وتبطل الوصية له ، ولا حق له في الوقف ،  ويعتبر كأنه لم يكن ، لكنه لا أهلية أداء له ما دام جنيناً ، فهي في حقه منعدمة ، وبذلك ثبت له عنصر الإلزام لا الالتزام ، فلا يجب عليه شيء ، فما كان له فيه نفع فهو ثابت له ، وما كان فيه ضرر عليه  فهو منتفٍ عنه .

الدور الثاني :  مرحلة الانفصال عن الأم إلى التمييز :
    إذا انفصل الجنين عن أمه ، وخرج حياً واستقرت حياته فقد أصبح له ذمة مستقلة تامة ، وله أهلية وجوب كاملة ، وتجب الحقوق له وعليه ، شأنه في ذلك شأن البالغ العاقل ، فهما يستويان في الميراث [16] ، والقصاص [17] ، وسائر الحقوق [18] ، وكان ينبغي أن تثبت الحقوق بجملتها سواء مما كان له أو عليه ، ولكن : نظراً لأن وجوب الحق ليس مقصوداً لذاته ، بل المقصود منه حكمه وهو الأداء ، لذلك لا يجب على هذا الصغير إلا ما يستطيع أداءه ، وما لا يستطيعه فلا ، لأن الإيجاب حكم شرعي تكليفي ، ولا بد فيه من خطاب ، والخطاب يتوجه إلى مكلف ، والصغير الذي لا يميز لا يعقل ، فهو وإن كانت مخاطبته ممكنة لكن الامتثال منه غير ممكن[19] ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، فليس من المعقول أن يؤاخذ بما لا يطيق ، بل ليس هو محلاً للتكليف .
وكذا لا يوصف فعله بالتقصير ، ولا يعاقب بترك الواجب ، لقصور معنى الجناية في حقه ، ولا تقع العقوبة على وليه لعدم صحة النيابة في الأمور البدنية ، فلا يكلف الولي بالصلاة عنه ، ولا بالصيام ، ولا تقع عليه عقوبة القطع إن سرق . وأما أهلية الأداء فيه فمنعدمة .
الدور الثالث :  مرحلة التمييز إلى ما قبل البلوغ :
ويمتد هذا الدور من سن التمييز وهو بلوغ الصغير سن السابعة حتى يكتمل جسمياً وعقلياً .
المقصود بالتمييز أن يصبح للصغير بصر عقلي ، ويستطيع أن يميز بين الحسن والقبيح ، وبين الخير والشر ، والنفع والضرر ، وإن كان بصراً غير عميق ولا تام [20] . ولا يوجد سن منضبطة للتمييز ، فقد يتقدم وقد يتأخر ، ولكن كثيراً من الناس يقدرونه ببلوغه سن السابعة ، وفي هذا الدور تثبت للإنسان أهلية الوجوب الكاملة ، وقد تبين لنا أن الصغير له أهلية وجوب منذ خروجه إلى الدنيا حياً ، إذ مناطها الحياة المستقرة ، ومن كان في سن التمييز فهو أولى بها .
وتثبت له أيضاً أهلية الأداء لكنها ليست على أكمل وجهها ، وإنما هي ناقصة لنقصان عقله . 

فرع : الحقوق المتعلقة بذمة الصغير :
يمكن تقسيم الحقوق التي تتعلق بذمة الصغير إلى : حقوق مالية ، وحقوق بدنية :
الحقوق المالية :
فمنها ما هو للعباد : كضمان المتلفات ، والنفقات المتعلقة بالصغير ذاته ، من طعام ، وكسوة ، ونفقة تعليم ، وعلاج ، وما شابهه ، فهذا يجب في مال الصغير، ولو كان يتيماً ، كما يجب في ماله ثمن المبيع الذي اشتراه له وليه ، ولو أتلف مالاً لغيره فعليه ضمانه ، وعلى الولي أن ينفذ .
 ومن الحقوق المالية ما هو حق لله تعالى : كالزكاة وصدقة الفطر[21] ، وهذه متعلقة بمال الصغير ، ويخرجها الولي نيابة عنه [22] .
فما كان مقصوداً منه المال : كالغرامات المالية ، والمعاوضات : كالبيع ، وما كان من باب الصلة كنفقة القريب الفقير ، ونفقة الزوجة فإنها واجبة [23] .
وأما ما كان كالأجزية : كتحمل جزء من الدية ، فلا وجوب في ماله لأنها عقوبة ، والصبي ليس من أهل العقوبة [24] ، وكذا القصاص ، والحرمان من الإرث لم يجب عليه لأنه لا يصلح لحكمه ، وهو المطالبة بالعقوبة أو جزاء الفعل .

وأما ما قد يتصرفه الصغير فيما يتعلق بالمال فليس على درجة واحدة ، بل هو متفاوت [25] :
1 .   فمنها التصرفات المالية النافعة نفعاً محضاً له : كقبوله الهبة ، والوصية ، والهدية ، والصدقة ، وإبراؤه من دين عليه ، وما كان في معناها ، فهذه تصح دون توقف على إجازة الولي ، أو إقراره ، ويجوز أن يباشرها الصبي بنفسه ، لأن القصد من التصرف هو تحقيق المصلحة ودرء المفسدة ، ونظراً لتحقق المصلحة في هذا الجانب دون ترتب مفسدة عليه فهو صحيح .
2 .   وأما التصرفات الضارة ضرراً محضاً : كما لو تبرع بجزء من ماله ، أو وقََفَه ، أو الصدقة منه ، أو إسقاط ديونه التي على غيره ، أو العفو عن مستحقاته المالية كما لو أتلف أحد مالاً له ووجب له تعويض ، أو كان له مستحقات من الدية فأراد التنازل عنها ،  مما يؤدي إلى خروج جزء من ملك الصغير : فهذه التصرفات لا تصح منه ، ولا تنعقد ، ولا تتوقف على إجازة الولي ، لأنه لا يملك مال الصغير ، ولا يحق له التصرف فيه إلا بما يحقق المصلحة ، وهذا النوع من التصرفات لا مصلحة للصغير فيه ، فلا يصح من الصغير ولا من وليه التصرف بالمال في هذا الوجه ، لأن ولايته ولاية رعاية وحفظ لا ولاية ملك وتسلط .
 3 .   ومن التصرفات ما هو متردد بين النفع والضرر : كالبيع ، والشراء ، والإجارة ، والمضاربة  وسائر المعاوضات : وهي مما يحتمل الربح ، وقد تنبني عليها خسارة ، فهذه مما يمكن للصبي التصرف فيها ، لكنه مشروط بإقرار الولي وإجازته ، لأن الولي إنما جُعل ولياً لئلا يستضر بالغرامات ، فتخص الحاجة إليه فيما يحتمل المضرة ، وأما ما هو نافعٌ محضٌ فلا يحتاج فيه إليه ، فيصح من غير إذنه [26] .

وأما الحقوق البدنية :
فمنها ما حق لله تعالى : كالإيمان والكفر ، والصلاة ، والصيام ، والحج ، وقراءة القرآن ، فهذه وأمثالها تصح من الصبي المميز وإن لم يبلغ ، ولكنه ليس ملزماً بأدائها إلا على جهة التأديب والتوجيه الحسن ، وهو ما يمكن أن يُحمل حديث رسول الله r : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ، وفرقوا بينهم في المضاجع " [27] ، أما من جهة الإلزام بها فلا [28] ، حتى وإن وُجد سببها ، ومحلها لعدم الحكم وهو الأداء ، إذ المقصود بأداء العبادة تعظيم الله سبحانه وتعالى ليتحقق معنى الابتلاء ، ولا يُتصور ذلك من الصبي الذي لا يعقل بنفسه ، ولا يحصل بأداء وليه لأن ثبوت الولاية عليه بطريق الجبر لا بطريق الاختيار ، فلا يصلح طاعة ، ولو بلغ الصبي في بعض شهر رمضان فإنه لا يقضي ما مضى قبل بلوغه [29] ، وهذا دليل على أن الوجوب غير ثابت في حقه أصلاً ، إذ لو كان ثابتاً لقضى ما مضى ، ولكنه يؤدي ما بقي من الشهر لأنه صار أهلاً للوجوب بالبلوغ [30] .
وأما العقوبات المترتبة على مخالفاته سواء كانت حدوداً أو قصاصاً أو تعزيراً فلا جريان لها عليه ، إذ لا تقع تحت التكليف [31] ، فلو شرب خمراً لا يُحدّ حدّ الشرب ، ولو سرق لا تقطع يده ، وإنما يؤمر برد ما أخذ ، ولو قذف رجلاً أو امرأة بالزنا لا يجلد ، ولا يقتص منه إن قتل ، بل ولا يمنع من الميراث لو كان المقتول مورثه .
ولا يعني هذا أن لا مسؤولية على الصبي ، فتجب في ماله قيمة ما أتلف ، ودية العضو الذي جرح ، وهو ما يسمى بالأرش ، ويمكن أن يعاقب لا على أن العقوبة هي ما ورد به الشرع في حقه ، ولكن من باب التأديب الذي يُقصد به إصلاحه ، وهذا ما يُحمل عليه قوله r في حق أمر الصبي بالصلاة " واضربوهم عليها وهو أبناء عشر " .

الدور الرابع : ما بعد البلوغ حتى الموت :
  إذا بلغ الإنسان عاقلاً فقد تمت له أهلية الأداء ، كما تمت له أهلية الوجوب من قبل ، وأصبح من الذين يمكن أن يتوجه إليهم الخطاب الشرعي ، وتكليفهم بالأحكام الشرعية المختلفة ، وتنعقد تصرفاته ، وتصح عقوده دون توقف على إجازة الولي إلا إذا عرض له ما يؤثر في أهليته [32] .
فالمكلف هو المسئول المباشر عن تصرفاته ، إذ هو مخاطب بالأحكام الشرعية كلها لكمال عقله ، واستواء بدنه ، والعقل هو مناط التكليف في هذا الدور .
ونظراً لأن العقل مما قد يخفى ، وقد لا يكون منضبطاً ، ويصعب تحديد معالمه ، فقد أقام الشارع الحكيم علامات ظاهرة تدل عليه ، وهي الاحتلام عند الصبي ، والحيض عند الجارية ، وفي هذا دليل قدرة البدن على التحمل ، والعقل على الأداء ، وهو ما يدل عليه قول رسول الله r : " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ " ، وفي رواية : " وعن المجنون حتى يفيق " [33] ، وهو أيضاً ما يشير إليه قوله تعالى : {فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ  } (  النساء6 ) ، ومؤانسة الرشد إنما تكون بالدلائل الظاهرة ، والعلامات البينة ، ومنها الاحتلام والحيض ، إذ هي مظِنّة العقل .






[1] )  ابن منظور ، لسان العرب 1 / 164  0
[2] ) البخاري ، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي 4 / 393 ، السرخسي ، أصول السرخسي 2 / 332 ، النسفي ، كشف الأسرار على المنار 2 / 460 0
[3] ) المرجع نفسه  2 / 460 0
[4] ) التفتازاني ، التلويح على التوضيح 2 /  161 – 162 0
[5] ) البخاري ، كشف الأسرار 3 / 393 0
[6] ) الزرقا ، مصطفى ، المدخل الفقهي العام 2 / 739 0
[7] ) البخاري ، كشف الأسرار 4 / 394 ، والنسفي ، كشف الأسرار على المنار 2 / 460 0
[8] ) الميهوي ، شرح نور الأنوار على المنار 2 / 460 ـ 461 ، مطبوع مع كشف الأسرار للنسفي 0
[9] ) السرخسي ، أصول السرخسي 2 / 333 ، البخاري ، كشف الأسرار 4 / 397 0
[10] ) الزرقا ، المدخل الفقهي العام 2 / 785 0
[11] ) التفتازاني ، التلويح 2 / 161 0
[12] ) الزرقا ، المدخل الفقهي العام 2 / 786 0
[13] ) زيدان ، الوجيز في أصول الفقه / 93 0
[14] ) ابن الهمام ، التحرير ، وشرحه تيسير التحرير 2 / 253 ، الزرقا ، المدخل الفقهي العام 2 / 789 0
[15] ) انظر ص ( 253 )  0
[16] ) فيرث المولود الحي بنفس القدر الذي يرث فيه أخوه البالغ العاقل ، وله ضعف ما ترثه أخته البالغة العاقلة ، ويحجب الأبعدَ من الورثة ، وتتغير سهامهم ، حتى وإن مات بعد ولادته 0
[17] ) فلو قتله بالغ بعد ولادته قتلاً عمداً عدواناً فإنه يقتل به ، وإن كان خطاً ففيه حكم القتل خطاً من حيث الدية والكفارة ، إذ هو نفس  مستقلة 0
[18] ) كحقه في حال الموت من حيث التغسيل والتكفين والصلاة عليه والدفن 0
[19] ) الغزالي ، المستصفى 1 / 83 0
[20] ) الزرقا ، المدخل الفقهي العام 2 / 760 0
[21] ) الزنجاني ، تخريج الفروع على الأصول / 128 0
[22] ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 5 / 223 ، ولا خلاف في وجوب صدقة الفطر على الصغير ، وإنما الخلاف في وجوب الزكاة : فذهب الجمهور إلى وجوبها في ماله ويخرجها عنه الولي ، ونُقل عن ابن مسعود والثوري والأوزاعي أنها واجبة ولا تخرج حتى يبلغ الصبي ، وذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير والنخعي إلى عدم وجوبها ، وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها في الزروع والثمار ،ولا زكاة عليه في ما عدا ذلك 0
ويُنظر تفصيل ذلك في : ابن قدامة ، المغني 2 / 622 ، الشافعي ، الأم 2 / 23 ، الشيرازي ، المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 140 ، ابن حزم ، المحلى 5 / 205 ، ابن الهمام ، فتح القدير 2 / 156 ، الغزالي ، المستصفى 1 / 83 - 84 الدبوسي ، تقويم الأدلة 427 ، ابن قدامة ، روضة الناظر 1 / 137، السمرقندي ، طريقة الخلاف بين الأسلاف / 62 0
[23] ) النسفي ، كشف الأسرار 2 / 462 ، القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 5 / 223  0
[24] ) الميهوي ، نور الأنوار على المنار 2 / 462 0
[25] ) البخاري ، كشف الأسرار 4 / 419 ، النسفي ، كشف الأسرار على المنار 2 / 471 – 473 0
[26] ) الأنصاري ، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 1 / 158 0
[27] ) أبو داود ، سنن أبي داود ـ كتاب الصلاة ، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة 1 / 133 ، حديث رقم 495 ، الدارقطني   
    سنن الدارقطني ـ باب الأمر بتعليم الصلاة والضرب عليها 1 / 230 0( صحيح ) ، الألباني ، إرواء الغليل 1 / 266 ، وقال في صحيح سنن أبي داود : حسن صحيح ، 1 / 495 0
[28] ) النسفي ، كشف الأسرار 2 /470 0
[29] ) البزدوي ، أصول البزدوي ، والبخاري ، كشف الأسرار 4 / 407 0
[30] ) البخاري ، كشف الأسرار 4 / 408 0
[31] ) النسفي ، كشف الأسرار 2 / 462 0
[32] ) سيأتي بيان عوارض الأهلية بعد الفراغ من البحث في الأهلية ،  انظر ص (  262 ) 0
[33] ) سبق تخريجه ص ( 241 )  0