الدول الانظمة العربية الاشتراكية

الرجعية عند الشعوب العربية في العصور الأخيرة:
اعلم أنّ العرب في هذا الزمان أعني دولتهم منقسمون إلى قسمين:
قسم يسمون أنفسهم تقدميين واشتراكيين فإذا قيل لهم: هذا لفظ مبهم، فأي اشتراكية تعنون؟ يقولون: نعني الاشتراكية العربية.
فيقال لهم: إن العرب كانوا بعد جاهليتهم لا يعرفون إلا الإسلام، ولا يدعون إلاّ إليه ولا يتبعون إلاّ القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولفظ الاشتراكية غير موجود في الكتاب والسنة، ولم نر لهم تعريفا جامعا لهذه النحلة، ولا حدا يحد بها.
أما الأعمال التي يقومون بها  ويعلنون أنّها من مفاهيم الاشتراكية فإنهم يختلفون فيها، أما إن كانوا يعنون بالاشتراكية المستوردة من أوروبا ففي أوروبا نوعان من

    الاشتراكية:
الاشتراكية التي هي مقدمة الشيوعية، كما في شرق أوروبا وفي يوغوسلافية والصين ماعدا فرموزة وألبانيا والأحزاب الشيوعية في الشعوب الأوروبية.
والاشتراكية الديمقراطية: كاشتراكية حزب العمال في بريطانيا وألمانيا وبلجيك وفرنسا وغيرها.
وهناك اشتراكية انقرضت وهي الاشتراكية الوطنية  التي كان عليها هتلر وموسوليني، وأظن أن هذه الاشتراكية هي التي تلهج بها بعض الدول العربية فهي إلى اشتراكية هتلر أقرب وأشبه، مع فارق عظيم وهو أن الشعب الألماني الذي كان من وراء هتلر شعب عظيم في مقدمة شعوب الحضارة والعلم والمدنية العصرية، بخلاف شعوب تلك الدول؛ فإنها لم تبلغ في ذلك نصيبا يذكر، فهي مما يسمى على سبيل التفاؤل بالشعوب النامية، كما يسمى اللديغ سليما، ولذلك كان لاشتراكية هتلر نجاح مؤقت في جميع الميادين بخلاف هذه الدول فإننا إلى الآن لم نشاهد لها شيئا من النجاح الذي كان للحزب الناتسي، أما الحرية والديمقراطية بمعناهما الصحيح فإنّ نصيب هذه الدول منهما أقل من نصيب الحزب الناتسي.
والقسم الثاني: ممالك وإمارات وهذه الممالك والإمارات سائرة على ما كانت عليه من قبل لم تتخذ لنفسها اسما جديدا، وكلها تأخذ بأسباب الحضارة على حسب ما تسمح لها أحوالها ومقدراتها، وكلها تدعو إلى التعاون والتآخي بين العرب، ولا تنكر الوحدة إذا سارت في طريقها الطبيعي مرحلة بعد مرحلة، وإنما تنكر العدوان والتدخل في الشؤون الداخلية أن يقع من دولة في شؤون دولة أخرى، وهذا هو المعقول الممكن، على أنني لا اهتم كثيرا بهذه الوحدة إلا إذا كانت مبنية على قواعد الإسلام، وكذلك لا أهتم بالعرب إلاّ إذا كانوا مسلمين قولا وفعلا.
وآية ذلك أن يتبعوا القرآن وما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكونوا أمة واحدة كما كانوا في دولة النبي ودولة الخلفاء.
ولا فرق بين عربي و غير عربي عندما قال تعالى في سورة الحجرات: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ, إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، ولم يقل: وإن طائفتان من العرب اقتتلوا، ولا قال: إنّما العرب إخوة.
وليس مقصودي غمط حقوق الجماعات العربية التي تدين بالإسلام؛ فإنّ ذلك ظلم، والله لا يحب الظالمين، بل نعامل المواطنين من العرب غير المسلمين بالعدل والإحسان إلى أن يطمئنوا على حقوقهم ويثقوا بمواطنيهم المسلمين كل الثقة ويأمنوا بآرائهم؛ لأنّ الإسلام
ص -15-   دين الرحمة والمحبة والعدل قال تعالى في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ، وبحكم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم يجب على أمته أن يكونوا رحمة للعالمين.
ثم إنّ للعرب غير المسلمين على العرب المسلمين حق القرابة وصلة الرحم، والمخالفة في الدين لا تسقط هذا الحق ولو طبق العرب المسلمين  مع العرب غير المسلمين ما جاء به الإسلام لما احتاجوا إلى أن يوجسوا في أنفسهم خيفة أو يطلبوا حماية من الدول النصرانية الأجنبية، أو أن يؤلفوا أحزابا على أسس تنقض عرى الإسلام وتقضي على الإخوة الإسلامية ليشغلوا المسلمين بها ويشتتون شملهم ويفرقوا جمعهم كما هم الواقع في بعض الأقطار العربية، وهذه الدول التي تسمي نفسها تقدمية اشتراكية تظهر عداوة شديدة للمالك والإمارات لا لشيء إلاّ لأنها لم توافقها على مذهبها الجديد.
ومن عداوتها لها أنّها تسميها رجعية تريد أنها بمجرد تسميتها نفسها تقدمية واشتراكية وجدت طريق السعادة وسلكته، وهي تريد من تلك الممالك أن تجد هذا الطريق وتسلكه معها، فإن لم تفعل استحقت القطيعة والهجران والمكايد وتربص الدوائر زيادة على الشتائم التي تصب عليها ليل نهار.
وحجة هذه الممالك في رفضها لما عرض عليها من هذا المذهب الجديد أنّها ليست كاليتامى القاصرين أو الصبيان السفهاء حتى تطمع الدول الاشتراكية أن تضع نفسها في مقام الوصاية والتربية والتأديب والإشراف والنظر في مصالحها.
ثم إنّ هذه الممالك والإمارات لم تر شيئا من التقدم والتحسن على تلك الدول ولا على شعوبها بعد انتحالها للنحلة الجديدة، لا في العقائد، ولا في الأخلاق، ولا في الاقتصاد، ولا في السياسة، ولا في القوة الحربية، ولا في الروابط الاجتماعية، بل عكس ذلك هو الواقع، وهي مع ذلك تدعو إلى روابط الأخوة والصداقة، وتبادل المصالح والمنافع، وتنشد قول طرفة:
فمالي أراني وابن عمي مالكا    متى أدن منه ينأى عني ويبعد
-ولما كان الاستطراد من طبعي الذي لا أنفك عنه، وأعلم أنّ أكثر المستمعين يصعب عليهم فهم هذه الأبيات التي هي من الأدب الجاهلي العالي، أردت أن أشرحها لهم ليتمكنوا من فهما ويلتذوا بإنشادها.
يقول في هذا البيت: ما بال ابن عمي مالكا كلما أردت أن أتقرب إليه وأتودد إليه يجفوني ويبعد عني؟
وآيسني من لك خير طلبته  كأنا وضعناه إلى رمس ملحـد
-يقول: قنطني ابن عمي هذا من كل خير طلبته حتى كأنّه ميت لا يرجى خيره.
ص -16-   على غير شيء قلته غير أنـني    نشدت ولم أغفل حمولة معبد
-يقول: ثم إنّ الجفاء هذا الذي وقع من ابن عمي لم يكن له سبب فإنني لم أسيء إليه لا بقول ولا بفعل، ولكني طلبت إبل أخي معبد وبحثت عنها حتى وجدتها ولم أهملها، ولا يعقل أن يكون هذا سببا للعداوة والجفاء.
وقربت بالقربى وجدك أنه    متى يك أمر للنكيثة أشهد
يقول: ولم أقصر في مراعاة واجبات، وأقسم بحظك وحقك أيها المخاطب أنّه لا يصيب ابن عمي أمر يجهده ويكربه إلاّ حضرت ونصرته ودافعت عنه.
وإن أدع للجلى أكن من حماتها   وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد
يقول: متى دعوتني إلى الأمر العظيم الذي ينزل بك أبادر إلى حمايتك من مكروه وإن جاءك الأعداء يبغون قتالك بجهدهم وقوتهم أبذل كل جهد في دفعهم عنك.
وإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم   بشرب حياض الموت قبل التهدد
يقول: وإن طعن الأعداء في عرضك وأرادوا أن يخدشوا شرفك وأساءوا إليك بقول الفحش أذيقهم الموت وأباغتهم به قبل التهديد والوعيد، أو الإنذار والتحذير.
بلا حدث أحدثته وكمحدث   هجائي وقذفي بالشكاة ومطرد
يقول: إن ابن عمي مالكا يعاملني بهذه المعاملة القاسية بدون ذنب فعلته كأنني مذنب فيهجوني ويذمني ويشكوني ويصيرني طريدا بعيدا.
فلو كان مولاي امرءا هو غيره   لفرّج كربي أو لأنظرني غد
-يقول: فلو كان ابن عمي رجلا آخر من أهل المروءة لكشف عني المكروه كما أكشفه عنه أو لأمهلني على الأقل إلى المستقبل حتى يتبين لي صدقي في مودتي ولم يقابل إحساني بالإساءة.
ولكن مولاي امرؤ هو خانقي    على الشكر والتسآل أو أنا مفتدى
يقول: ولكن ابن عمي رجل يضيق علي مع شكري له والسعي في إرضائه وابتغاء الإحسان منه يعاملني معاملة العدو الذي يعمد إلى خنق عدوه إلاّ أن يفتدي نفسه بمال أو نحوه.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة    على المرء من وقع الحسام المهند
-والظلم وإن كان يؤلم من القريب والبعيد فإنّه من القريب أشد إيلاما وأكثر مرارة من الضرب من السيوف القواضب.
فذرني وخلقي أنني لك شاكر   ولو حل بيتي نائيا عند ضرغد
يقول: فاتركني يا ابن عمي على طبيعتي وحسن عشرتي فإني لا أقابل إساءتك بمثلها، وهذا هو الواجب عليك وسأشكرك عليه كأنه نعمة
ص -17-   أسديتها إليّ، ولو كنت بعيد الديار أسكن في جبل ضرغد.
ألفاظ يتبجح بها كثير من الناس في هذا الزمان كالثورة والجمهورية والديمقراطية والحرية:
وقد شرحتها في مقال: (أيها العرب لا تتخذوا التفرقة وسيلة إلى الوحدة).
وقد نشر في صحف كثيرة منها مجلة البعث، ومجلة الإيمان المغربية؛ ولذلك لا أطيل القول في شرح هذه الألفاظ.
فالثورة: هي خروج الشعب على حاكمه أو حكامه إذا أساءوا التصرف وجاروا و ظلموا، أو لم يكونوا أهلا للأمانة التي جعلت في أيديهم كما وقع في الثورة الفرنسية وفي ثورة سكان الولايات المتحدة الأمريكية على حكامهم البريطانيين؛ فإذا توفرت أسباب الثورة، وكان القائم بها هو الشعب، وكان قادتها مخلصين مصلحين لا يريدون بثورتهم رئاسة ولا مالا، وإنما يريدون رفع الجور وإزالة الفساد وتحرير الشعب، فإن الثورة يكتب لها النجاح وتؤتي أكلها.
أما إذا كان القائمون بها عصبة لهم مآرب وأغراض قد أوغر صدورهم الحسد وتراءت لهم الأماني فأوقدوا نيران الثورة وأعملوا السلاح في شعبهم وسفكوا الدماء ليتوصلوا للمراتب التي لم يزالوا يمتنونها؛ فقد يتفطن لهم القابضون على زمام الحكم ويخمدون أنفاسهم ويصيرون مسخرة للساخر ويخسرون كل شيء، وقد لا يتفطنون لهم فتنجح الثورة نجاحا مؤقتا إلى أن تسنح الفرصة لعصبة أخرى فيقبضوا عليهم ويسقونهم بالكأس التي سقوا بها غيرهم، فيقال فيهم ما قيل في أبي مسلم الخرساني:
ظننت أن الدين لا يقتضي    فاستوف بالكيل أبا مجرم
أشرب بكأس كنت أنت تسقي بها   أمر في الحلق من العلقم
ويستمتع أصحاب الثورة الثانية بالحكم ما شاء الله أن يستمتعوا حتى تتمكن منهم عصابة أخرى فتثب عليهم وثبة الأسد الذي كان مريضا فجاءه الثعلب بالحمار للمرة الثانية فلم يفلته وهكذا دواليك.
فبشر الشعب الذي أصيب بمثل هذه الثورات بعذاب أليم، ومن يمدح مثلها أو يتمنى حدوثها في وطنه فهو غاش لقومه ساع في هلاكهم.