الأحد، 21 أغسطس، 2016

الدول الانظمة الجمهورية والديمقراطية

الجمهورية:
أما الذين يمدحون الجمهورية لذاتها، فليسوا أقل ضلالا من الذين يمدحون الثورة لذاتها بقطع النظر عن العواقب والنتائج، إذا كان الشعب جاهلا منحطا في أخلاقه ليس له رابطة متينة تربط بين أفراده وطوائفه، قد ساد فيه الغش وقل فيه الإخلاص وخربت الذمم؛ فإنّ لا يصلح للحياة السعيدة لا بالنظام الملكي ولا بالنظام الجمهوري لأنّ الرؤساء الذين كانوا يحكمونه في العهد الملكي هم أنفسهم الذين
ص -18-    يحكمونه في العهد الجمهوري؛ ولا يعقل أن يكونوا في العهد الملكي ذئابا يعيثون فسادا ثم ينقلبوا في العهد الجمهوري ملائكة أبرارا.
وأنا أظن أن الملكية إذا كانت ثابتة الأساس قد أذعن لها الشعب وانخرط في سلكها منذ زمان طويل، وكان ذلك الشعب منحطا في أخلاقه جاهلا أنّ الملكية خير له من الجمهورية، لأنّ الملك يجمع كلمته ويوحد صفوفه، ويحفظ أهله من أن يصيروا فوضى كغنم بلا راع.
أما إذا كان الشعب رشيدا، وكان رؤساؤه ذوي علم وحكمة ونزاهة وإخلاص وأخلاق سامية، فإنهم ينجحون، سواء أصاروا على النظام الملكي أم على النظام الجمهوري؛ والواقع يشهد بهذا.
فبريطانيا بنظامها الملكي تتمتع بسعادة اجتماعية ورفاهية واستقرار، تحسدها عليه كثير من الجمهوريات، ولا يفكر أحد من حكمائها وقادتها باستبدال النظام الملكي، والانتقال إلى الجمهورية، وهذا الرضا والاطمئنان لا يختص بالبريطانيين فقط، بل هناك شعوب راقية سعيدة في حياتها، ديمقراطية في سلوكها حرة في تصرفاتها قد ربطت مصيرها بهذه الدولة الملكية شعوب(كمونويلث) ككندا واستراليا ونيوزيلندا وغيرها ممن يدور في فلكها، وهناك ممالك أخرى قد ذكرتها من قبل في غاية الاستقرار والرفاهية.
ومن زعم أنّ الجمهورية مرغوبة لذاتها أو ضرورية لكل شعب فإنّ زعمه باطل لا يثبت أمام النقد إلاّ كما يثبت الثلج في السهول إذا أشرقت عليه شمس الربيع؛ إذا فالشأن كل الشأن أن يكون رؤساء الشعب علماء حكاما، مخلصين صالحين فعلى أي نظام كانوا فإنّهم يقودون سفينة شعبهم إلى شاطئ السلامة.
ونحن نرى الشعوب المختلفة في نظام الحكم متعاونة متصافية بغاية الإخلاص كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فقد مضى على تعاونهما في السلم والحرب زمن طويل، ولم تحاول إحداهما أن تقلب الأخرى إلى نظامها.
إذا فهذه الحزازات التي توجد في نفوس الحكومات العربية والجمهورية وما يعتريها من الاشمئزاز والكراهية للنظام الملكي حتى ربما أنّها تسعى في إسقاطه وتبالغ في شتمه وتصفه بالرجعية كل ذلك خطأ فاحش لم يعالجه طبيب ولا راق، والاستمرار فيه يتنافى مع المصلحة العامة لتلك الشعوب ويفضي إلى عواقب وخيمة.
الديمقراطية:
الإسلام نظام كفيل بسعادة كل من تمسك به من جماعات وأفراد ودول، ولا يحتاج أن يستعير من غيره شيئا، وهو لا يتفق مع نظام رأس المال، ولا مع الشيوعية، ولا مع الاشتراكيات بأنواعها.
وقد سبق إلى كل خير يوجد في هذه النظم، وتجنب كل شبر فيها،
ص -19-    فإذا وصفت الأمة بأنها ديمقراطية فقد جهلتها وجهلت عليها؛ فالإسلام مبني على العدل والإحسان وفيهما سعادة البشر أجمعين.
أما دعاة الديمقراطية في هذا الزمان فإنهم يصفونها بأن يحكم الشعب نفسه بنفسه بواسطة الانتخاب العام، فكل جماعة من الناس تختار نائبا يمثلها أو ينوب عنها في مجلس يسمى: البرلمان؛ وهذا المجلس هو الذي يختار رئيس الوزراء ويعينه، ورئيس الوزراء يختار نوابه من أولئك النواب أو من غيرهم بموافقة المجلس، وكل فرد من أفراد الشعب له الحق أن ينتقد النواب والوزراء ورئيسهم في حدود القانون الذي يمنع التعدي والظلم، وهذا القانون يضعه علماء إختصاصيون ويقره المجلس.
قالوا: وهذا أرقى ما وصل إليه العقل البشري في الحرية والمساواة فكل من وقع عليه الظلم يستطيع أن يدفعه عنه بواسطة نائبه، وكذلك من تعسر عليه الوصول إلى حق يستعين بنائبه على الوصول إليه.
وحرية الاعتقاد والانتقاد في ضمن القانون وإبداء الرأي وسائر الحريات مكفولة فلا يعاقب أحد بحبس أو غرامة إلاّ إذا خالف القانون المتفق عليه.
وتوزع الحقوق والواجبات بالتساوي، فلا يعفى من الواجبات أحد كيف ما كان مركزه، فيكون كل فرد آمنا مطمئنا على نيل حقوقه لا يحتاج إلى تملق ولا تعلق، فلا يخاف الإنسان إلا مما قدمت يداه.
ومع هذا التحري كله فقد يقع الغش في الانتخاب، فإن مالك المزرعة ومالك المعمل إذا رشح نفسه للنيابة يشعر الفلاحون والمزارعون بأنّ من اللياقة أن ينتخبوا مالك مزرعتهم ويشعر العمال كذلك أنّه ينبغي عليهم أو يجب عليهم أن ينتخبوا مالك معملهم فيختل ميزان المساواة.
وهناك سبب آخر لامتعاض الناس في البلدان (الديمقراطية) وهو وجود الأحزاب المختلفة كالمحافظين والعمال والأحرار؛ فالمحافظون يرون إعطاء الحرية أفراد الشعب كيف ما كانت كسكك الحديد والمعدن والمصانع الكبرى ويقولون: إن ذلك هو الأصلح لشعبهم ليتنافس أفراده وجماعاته، كالشركات مثلا في العمل لتكثير المنتوجات واستثمار البلاد واستخراج كنوزها، وبذلك يقع الازدهار والتقدم في جميع الميادين.
ويقول العمال الاشتراكيون: إن البلاد كلها بثمراتها ومعادنها وكنوزها ملك للشعب كله؛ فيجب أن تكون منابع الثروة الكبرى في يد الحكومة لئلا يستولي عليها أفراد قليلون يحتكرونها ويستحوذون على الأرزاق خصوصا مع إباحة الربا فتصير جماهير الشعب الكادحة التي بعرق جبينها استخرجت تلك الأموال والأرزاق خدما وعبيدا لفئة قليلة من ذوي رؤوس الأموال المحتكرين.
وتتهم الأحزاب بعضها بعضا بعدم النزاهة في الانتخاب، ولكن لما كانت
ص -20-   الأحزاب متعددة يكون من السهل على كل حزب أن يكتشف ويفضح دسائس الحزب الآخر، فيزول الحيف ويقع التوازن.
فحزب العمال يبذل جهده في تأميم المنابع الكبرى، وحزب المحافظين يبذل جهده في ترك الناس أحرارا في المضاربة والاستثمار، وكل منهما يرى أن وجهته أفضل لشعبه؛ وقد ساروا على هذا منذ زمان طويل ورضوا به واعتقدوا أنّه أفضل ما يقدم البشر عليه من العدالة.
وهناك استعمال آخر للديمقراطية وهو استعمالها لفظا مرادفا لاشتراكية الشيوعية، وهذا الاستعمال دعاية مجردة غير معقولة، لأنّ كل شعب يحكم بنظام الحزب الواحد لا يمكن أن يكون ديمقراطيا، وحتى ذلك الحزب الواحد لم ينتخبه الشعب، وإنما طائفة تسلطت عليه بالقهر و الغلبة وأسرته واستعبدته شر استعباد وصارت تتكلم باسمه، وتستخدمه بلا رحمة ولا شفقة، وقد سبته جميع الحريات: حرية الكلام، حرية الاعتقاد، وحرية العمل وحرية الإضراب عن العمل وحرية المطالبة بزيادة الأجور، أو بزيادة الطعام أوالكسوة أو التدفئة، وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ما تقاسيه هذه الشعوب المخنوقة المستعمرة شر استعمار.
الحرية:
ومن العجب أنّ هؤلاء الجبابرة الذين يحكمون شعوبهم بالحديد والنار حكما كله دماء ودموع، وقهر وكبت، وإذلال وإهانة، ومع ذلك يتغنون بالديمقراطية والحرية وهم يعلمون أنهم أبعد الناس عن الحرية والديمقراطية، ولكن كما قيل في المثل وهو مأخوذ من الحديث الصحيح: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وعليه يقال: إذا لم تستح فقل ما شئت، ونظمه بعضهم فقال وأجاد: 
إذا لم تخش عاقبة الليالي   ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير  ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
ومن أراد زيادة الاطلاع على ما كان عليه الأوروبيون إلى زمان قريب جدا من الانحطاط والهمجية، وما كان عليه المسلمون في الأندلس في زمن العلم والحضارة والرقي الحسي والمعنوي؛ فليقرأ كتاب: (مدنية العرب في الأندلس)، الذي ترجمه كاتب هذه المحاضرة بالعربية لمؤلفه الذائع الصيت (جوزيف مكيب)، ولا تزال عندي منه بعض مئات، وهذا ما بدا لي إيراده في بيان ما يسمى بالرجعية والتقدم، كتبته تبصرة لإخواننا المسلمين الذين لا يعرفون ما ينطوي تحت هاتين الكلمتين من الغش والتضليل؛ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

ص -21-    إستدراك:
لما فرغ القارئ من قراءة محاضرتي، قام صاحب الفضيلة الأستاذ المرشد العربي الموفق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله فأشار بتلطفه المعهود وأدبه السامي إلى أنّه قد يفهم مما قلته في عموم المسلمين الذين يعملون السيئات وغيرها كالحكم بغير ما أنزل الله، وقد عذبهم الله في الدنيا كما أوعدهم في كتابه وسيعذبهم في الآخرة أكثر مما عذبهم في الدنيا، ولم أستثن في ذلك شعبا من الشعوب ولا دولة من الدول حتى كأنهم متساوون في الجريمة.
وكان ينبغي لي أن استثني من قام منهم بشيء من الواجب على قدر استطاعته؛ وهذا حق فإن الشعب السعودي والمملكة السعودية بقيادة ملكها الإمام المصلح جلالة الملك فيصل والأئمة السابقين من أسلافه رحمهم الله لم يزالوا يحكمون شريعة الله، ويتخذون القرآن إماما والسنة سراجا، يضيئان لهم ظلمات الحياة الدنيا بانتشار الأمن على الأنفس والأموال والأعراض في بلادهم إلى حد لا يوجد له نظير في الدنيا، حتى إني لما كنت في ألمانيا قبل الحرب وقبل تقسيمها وهي في عنفوان قوتها، وحدثت الناس هناك بالأمن الذي يتمتع به سكان المملكة السعودية تفصيلا سألوني: أين يتخرج رجال شرطة هذه المملكة رؤساؤها؟ فقلت: يتخرجون في مدرسة القرآن في المسجد؛ فأبدوا شكهم في ما أخبرتهم به، وقالوا: لا يوجد في الدنيا أحسن من الشرطة الألمانية ومع ذلك لا يوجد عندنا مثل ما ذكرت من الأمن!
وهذا الثواب المعجل في الدنيا يدل دلالة قطعية على أنّ الله الذي لا يخلف الميعاد سيثيب إمام هذه الدولة وأسلافه ورجال دولته وأعوانه المخلصين في الدار الدنيا كما قال تعالى في سورة النحل30: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ, جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ}.
وأشهد بالله أني لما دعاني سمو الأمير مساعد بن عبد الرحمن إلى الحج سنة سبع وخمسين بتاريخ النصارى، وأظنه يوافق سنة ست وسبعين للهجرة، كنت راكبا في طائرة سويسرية من بغداد إلى الظهران، وكانت المضيفة من القسم المتكلم بالألمانية من سويسرا؛ فأخذت تدور على ركاب الطائرة، لما أرادت أن تدخل في سماء المملكة العربية السعودية وتقول لهم لا يطلب أحد منكم خمرا حتى نجتاز المملكة السعودية، ولا يجوز لأحد منكم أن يمسك زجاجة خمر ولو فارغة؛ فإنّ الحكومة السعودية تعاقبنا على ذلك، وتكلمت معي باللغة الألمانية لأنها عرفت من قبل أني أتكلم بها، وشرحت لي خوف قائد الطائرة وجميع الموظفين
ص -22-    من رجال المملكة السعودية، وأنهم لا يتساهلون مع أي طائرة يجدون فيها شرابا مسكرا ظاهرا؛ قالت: فنحن نخبئ جميع الأشربة المسكرة حتى القوارير الفارغة إلى أن نخرج من هذه المملكة، فأخبرتها أني مسلم وأن عقيدتي والحمد لله مطابقة لهذا الحكم، وأنا أحمد الله على وجود مملكة في الدنيا تنفذ هذا الحكم.
ونحن نشاهد شريعة القرآن تنفذ على رؤوس الأشهاد، في هذه المملكة الفذة، فيقتل القاتل المتعمد، ويرجم من الزناة من يستحق الرجم، ويجلد من يستحق الجلد مع التغريب، وتقطع يد السارق، ويقام الحد على الشارب، ولا يحكم حاكم في جميع أرجائه إلاّ بشريعة القرآن، فكيف يستطيع مسلم أو منصف أن يسوي بينهما وبين من يحل ما حرم الله، ويحكم بغير ما أنزل الله.
نعم إنّ أشباه القردة من المقلدين لمن يسمونهم بالمستعمرين ويسلقونهم بألسن حداد ليل نهار في إذاعاتهم وصحفهم هؤلاء القردة يسمون شريعة الله ورسوله التي سار عليها المسلمون حين كانوا سادة العالم، يسمونها: رجعية، ويسمون المنفذين لها - أيده الله بروح منه -: رجعيين؛ وقد تقدم جوابهم أعلاه في هذه المحاضرة بما يلقمهم الأحجار، ولا يدع لهم مجالا للفرار؛ وإني لأشكر صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز على هذا التنبيه الذي تفضل به، فلا زال مصدرا لكل خير وكمال