الصعوبات التي تعترض المقاولة



الصعوبات التي تعترض المقاولة :
إن الصعوبات التي يمكن أن تعترض المقاولة خلال فترة استغلالها قد تختلف من حيث طبيعتها ومن حيث حدتها ومدى تأثيرها على استمرارية هذا الإستغلال. فهذه الصعوبات يمكن أن تكون ذات طبيعة قانونية أو ذات طبيعة اقتصادية، مما يؤثر على الوضعية المالية للمقاولة. وبذلك يتعين استعراض وتحليل مختلف درجات الصعوبات التي يمكن أن تعترض المقاولة (المطلب الأول) وذلك قبل تحديد الوقت الذي تكون فيه المقاولة في حالة التوقف عن الدفع المبرر لفتح مسطرة المعالجة (المطلب الثاني).
×   المطلب الأول : مختلف درجات الصعوبات التي يمكن أن تعترض
 المقاولة :
من خلال مقتضيات المادة 545 نجد أن المشرع أعطى ترتيبا للصعوبات التي يمكن أن تعترض المقاولة وذلك حسب ثلاث درجات : صعوبات تتمثل في وجود وقائع من شأنها أن تخل باستمرارية استغلال المقاولة ويتم التصدي لها عن طريق الوقاية الداخلية أو الوقاية الخارجية (الفقرة الأولى). والصعوبات المتمثلة في عدم أداء الديون المستحقة وذلك من خلال الإعتماد أحد مخططي الإستمرارية أو التفويت (الفقرة الثانية). والصعوبات المتمثلة في اختلال المقاولة بشكل لا رجعة فيه (التصفية القضائية) (الفقرة الثالثة).
ü   الفقرة الأولى : الصعوبات المتمثلة في وجود وقائع من شأنها الإخلال
  باستمرارية استغلال المقاولة :
تعتبر الصعوبات المتمثلة في وجود وقائع من شأنها الإخلال باستمرارية المقاولة، من ضمن المستجدات التي أدخلها المشرع المغربي على نظام المساطر الجماعية، بمقتضى القسم الأول من الكتاب الخامس لسنة 1996. فهذا النوع من الصعوبات يشكل من حيث تنظيمه بموجب القانون، حدثا تشريعيا جديدا بالنسبة لنظام الإجراءات الجماعية المغربي الذي لم يعرف منذ بداية العمل بالقانون التجاري لسنة 1913 إلى غاية دخول مقتضيات الكتاب الخامس من مدونة التجارة[1].
ويتعين على المقاولة سواء كانت فردية أو جماعية أو اتخذت شكل شركة، أن تقوم بنفسها عن طريق الوقاية الداخلية من الصعوبات بتصحيح ما من شأنه أن يخل باستمرارية استغلالها، وإلا تم ذلك عن طريق الوقاية الخارجية بتدخل رئيس المحكمة التجارية طبقا لما جاءت به المادة 545 من مدونة التجارة.
وعليه سنخصص هذه الفقرة للحديث عن الوقاية الداخلية كإجراء أولي لمواجهة الصعوبات التي تعترض المقاولة (أولا) وفي حالة فشلها اللجوء إلى مسطرة الوقاية الخارجية كإجراء وقائي للتصدي للصعوبات التي تعترضها (ثانيا).
أولا : الوقاية الداخلية إجراء أولي لمواجهة الصعوبات التي تعترض المقاولة :
إضافة إلى توفر المقاولة على الصفة التجارية يتطلب تطبيق مسطرة الوقاية من الصعوبات عليها، أن تعترض سيرها العادي صعوبات من شأنها أن تخل باستمرارية استغلالها. وإن كان المشرع نص على هذا الشرط صراحة، فإنه لم يحدد المقصود بالصعوبات[2] لدى سنعالج أولا مفهوم هذه الصعوبات، ثم سنتطرق إلى الوقاية الداخلية كمسطرة غير قضائية لمواجهة الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية المقاولة.
أ- التعريف بالصعوبات :
عبر المشرع المغربي عن الصعوبات التي تقتضي فتح مسطرة من مساطر الوقاية في المادة 546 من مدونة التجارة بـ : «...الوقائع التي من شأنها أن تخل باستمرارية استغلال المقاولة...» وقد آخذ الأستاذ أحمد شكري السباعي على هذه المادة لكونها تطرح إشكالا يتمثل في أن استعمالها عبارة "الوقائع بالجمع قد يحمل البعض على الإعتقاد بأن واقعة واحدة لا تكفي لتحريك المسطرة[3]. ويبدو أن هذا الإشكال سرعان ما ينجلي بعبارة... ما من شأنه أن يخل... المستعملة في المادة 445 قبلها، والتي تحمل على معنى مهما كبرت هذه الصعوبات أو صغرت ومهما كثرت أو قلت[4].
وإذا كان المشرع لم يبين في المادتين 546 و448 من مدونة التجارة، معنى الوقائع التي من شأن وجودها أن يخل باستمرارية استغلال المقاولة، فإن هناك بعض الإشارات حول هذا المعنى والتي وردت في مواد أخرى من هذه المدونة. ومن ذلك مثلا : ما ورد في المادة 550 من ذات المدونة التي تنص على أنه «يكون إجراء التسوية الودية مفتوحا أمام كل مقاولة تجارية أو حرفية، من دون أن تكون في وضعية التوقف عن الدفع، تعاني من صعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية أو لها حاجات لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكانات المقاولة...».
وهكذا فبناء على المقتضيات المذكورة آنفا، يمكن القول بأن وجود الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة قد ينتج عن معاناة المقاولة من صعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية يكون لها أثر على التوازن المالي للمقاولة[5].
وهكذا يمكن أن تكون الصعوبات، التي من شأنها الإخلال باستمرارية الإستغلال، مالية كنقص السيولة، وتبليغ محاضر الإحتجاج، وجدولة الديون. ويمكن أن تكون اقتصادية كالمنافسة وانخفاض الطلب، وقلة المواد الأولية، وقدم أجهزة الإنتاج. كما يمكن أن تكون اجتماعية كالإضراب وتسريح العمال، والمنازعات الإجتماعية القضائية، أو قانونية كالزيادة في الضريبة وفقدان الشخصية المعنوية. ويمكن أن تكون إدارية كغياب المراقبة الداخلية، وعدم انعقاد الجمعية العمومية، ورفض مراقب الحسابات المخاطبة على المحاسبة، أو عدم موافقة الجمعية العمومية عليها[6].
يتضح إذن أن هذه الصعوبات غير محدودة ومتنوعة، مما يمكن القول معها أنها البوادر الأولى الذي يهدد نشاط المقاولة.
ولكي يتم تصنيف الصعوبات التي تعترض المقاولة في خانة الوقائع التي من شأن وجودها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة، وفق مفهوم المواد من 545 إلى 548 من مدونة التجارة، يجب ألا يكون هناك توقف عن الدفع نتيجة لذلك، أي أن هذه الوقائع يجب أن يكون لها أثر سلبي على الوضعية المالية لهذه المقاولة بصورة تدل دلالة قوية أنها ستصل في المستقبل القريب إلى حالة التوقف عن الدفع، إذا لم يتم في الوقت المناسب تصحيح هذه الإخلالات[7].
ويتضح مما سبق أن تدليل الصعوبات التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة، لا يتم عن طريق فتح مسطرة التسوية القضائية أو التصفية القاضية مباشرة، وإنما يتعين معه سلوك مساطر وقائية متمثلة في الوقاية الداخلية، وهذا ما سنعالجه في النقطة الموالية.
ب- الوقاية الداخلية :
تسمى هذه المسطرة بالوقاية الداخلية لكونها تجرى داخليا بين مختلف أجهزة المقاولة من مراقب أو مراقبي الحسابات والشركاء ورئيس المقاولة أو مجلس الإدارة ومجلس المراقبة والجمعية العامة (المادتان 546 و547).
وتهدف هذه المسطرة إلى فتح حوار ونقاش من داخل المقاولة بين هذه الأجهزة حول مختلف الصعوبات والوقائع التي تم اكتشافها والتي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة وتبادل الآراء حولها، والبحث عن حلول لتسوية وضعية المقاولة وإعادة التوازن الإقتصادي أو المادي أو الإجتماعي إلى وضعه الطبيعي[8].
ويتحدد مجال تطبيق مسطرة الوقاية الداخلية، بحصر المقاولات الخاضعة لهذه المسطرة، وتحديد الأشخاص أو الأجهزة التي لها حق تحريك مسطرة الوقاية، وأخيرا تبليغ هذه الوقائع والصعوبات لرئيس المقاولة.


[1] - محمد الفروجي : "صعوبات المقاولة والمساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها"، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000، ص: 102.
[2] - عبد الرحيم القريشي : "تدابير الوقاية من صعوبات المقاولة بين التشريع والتطبيق"، مطبعة دار أبي قرار للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، ص: 28.
[3] - أحمد شكري السباعي : "الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها"، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، ص: 184.
[4] - عبد الرحيم القريشي : مرجع سابق، ص: 28.
[5] - محمد الفروجي : مرجع سابق، ص: 104.
[6] - عبد الرحيم القريشي : مرجع سابق، ص: 29.
[7] - محمد الفروجي : مرجع سابق، ص: 107.
[8] - حنان البكوري : "محاضرات في مادة صعوبات المقاولة"، ص: 7.