آثار الإخلال بالإلتزام بالإعلام



آثار الإخلال بالإلتزام بالإعلام
يتعلق الالتزام بالإعلام بتنوير رضا المستهلك حتى يقدم على التعاقد وهو على بينة من أمره، لذلك فإن الإخلال بهذا الالتزام يؤثر على رضاء الطرف الضعيف، الأمر الذي يؤدي إلى تعيب إرادته.
فعندما يكتم البائع المهني المعلومات الهامة عن المستهلك، فإن هذا الأخير يجد نفسه متضررا كأن تتعيب إرادته أو لا يستجيب العقد لحاجياته، ونتيجة لذلك يكون من حقه المطالبة بإبطال العقد عن طريق التمسك بالجزاءات الواردة سواء في القواعد العامة أو القواعد الخاصة المتضمنة في قانون 31.08 (المطلب الأول)، غير أن المستهلك قد يلحقه ضرر جراء عدم تلقيه المعلومات والبيانات الضرورية المتصلة بمحل العقد مما يمكنه المطالبة بالتعويض نتيجة للضرر اللاحق به، فضلا عن إمكانية تقريره فسخ العقد في حالة عدم تنفيذ المدين التزاماته (المطلب الثاني).
        المطلب الأول: قابلية العقد للإبطال
لعل من أهم أهداف إقرار التشريعات للالتزام بالإعلام عامة والالتزام بالإعلام قبل التعاقد على وجه الخصوص، هو توفير حماية فعالة للمستهلك هذه الحماية التي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم ترجمتها في إرادة حرة ومستنيرة صادرة عن مستهلك وهو عن بينة من أمره[1].
ذلك أن قيام المدين – أي البائع المهني- بهذا الالتزام يكون له وقع كبير على إرادة المستهلك، من خلال تبصيره بالأمور الجوهرية للعقد، على نحو لا يترك أي مجال للاحتمال أو الالتباس، فبصدور قرار المستهلك للتعاقد على هذا النحو، يكون قراره هذا صادرا عن إرادة حرة وبالتالي خلوها من أي عيب من العيوب المؤثرة فيها[2]، هذه العيوب التي يعد الغلط والتدليس من أهمها.
ويشكل الإبطال الجزاء التقليدي المعمول به في حالة وجود عيب في تكوين العقد، ولكن يتعين تمديده لينطبق على كل عيب يفسد الرضاء حتى ولو كان صادرا أثناء تنفيذ العقد، وبعبارة أوضح، إنه ينطبق على كل تصرف قانوني اختلت شروط صحته سواء تعلق الأمر بقرار إبرام العقد أو بأي قرار آخر يؤثر على الرضاء[3]،وهكذا يمكن القول بصفة عامة، إن إبطال العقد لا يمكن أن يشكل جزاءا إلا بالنسبة لخرق الالتزامات بالإعلام التي يكون لها انعكاس على رضاء المتعاقد، إذن تعد نظرية الإبطال من النظريات التي يمكن الاعتماد عليها لتوقيع الجزاء على مخالفة الالتزام وذلك على اعتبار أن هذا الخرق يشكل وسيلة مادية تؤدي إلى إحداث عيب في الرضاء[4] والبحث عن مدى قابلية العقد للإبطال بسبب الإخلال بالالتزام بالإعلام في ضوء نظرية عيوب الرضى يقتصر على مجالي الغلط والتدليس، فعندما لا ينفذ المدين التزامه بالإعلام، يمكن للمستهلك طلب إبطال العقد على أساس المادة 41 من قانون الالتزامات والعقود التي تنص على أنه "يخول الغلط الإبطال، إذ وقع في ذات الشيء أو في نوعه أو في صفة فيه، كانت هي السبب الدافع في التعاقد".
ومن خلال هذا النص القانوني  تتبين شروط المطالبة بإبطال العقد والتي تتمثل في شرطين فأما الشرط الأول يتعلق بكون الغلط هو السبب الأساسي والدافع إلى التعاقد في حين أن الشرط الثاني يكمن في ضرورة أن يكون ضحية الغلط معذورا في الوقوع فيه، ويستشف هذا الشرط من خلال مقتضيات الفصل 44 من قانون الالتزامات والعقود الذي يلزم المحكمة أن تراعي الظروف الخاصة والشخصية للمتعاقد، سواء تعلق الأمر بالغلط في القانون أو في الواقع، وما يعنيه ذلك من منح سلطة تقديرية للقضاء من أن يرفض طلب الإبطال لمتعاقد لا يعذر في الوقوع فيه، وبالتالي فإن المحكمة لن تخالف القانون إذ رفضت مثلا طلب إبطال عقد تقديم به بائع تحف أثرية يدعي وقوعه في غلط في صفة في مادة الشيء، حين اكتشف أن اللوحة التي اشتراها مجرد تقليد وليست أصلية، وذلك على اعتبار أن هذا البائع لا يعذر في الوقوع في مثل هذا الغلط[5].
وينص الفصل 52 من قانون الالتزامات والعقود على أن "التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو كتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها جدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر، ويكون التدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به".
هكذا إذن يمكن تعريف التدليس بكونه المتمثل في الوسائل الاحتيالية التي يستعملها المدلس أو نائبه أو شخص آخر من الغير بهدف تغليط المتعاقد الآخر وخداعه من أجل دفعه إلى التعاقد.
ومن خلال هذا التعريف يمكن تحديد الشروط التي يتعين على المتعاقد الذي يدعي وقوعه ضحية تدليس أن يثبتها ويتعلق الأمر بالشرط المادي المتمثل في استعمال المدلس وسائل احتيالية وكذا الكتمان في حين يتعلق الشرط الثاني بالشرط النفسي المتمثل في نية التضليل ودفع المدلس عليه إلى التعاقد، كما لو قام شخص عازم على بيع سيارته بتغيير أرقام عدادها من أجل إيهام المشتري بحداثتها ومن تم دفعه إلى شرائها[6].
وللإشارة فإن المشرع المغربي تحدث عن الكتمان دون الكذب، فلأنه اعتبر الكذب كحل إيجابي يندرج ضمن الحيل المستعملة من طرف المدلس بينما حرص على الإشارة الصريحة إلى الكتمان باعتباره عملا سلبيا.
وبخصوص السلوك السلبي الذي يقوم به البائع المهني، فيتمثل من خلال كتمانه عن المستهلك المعلومات الجوهرية المتصلة بصلة مباشرة بالشيء محل عقد البيع، قاصدا بذلك خداعه وتضليله، فإذا كان التدليس يتطلب من المهني استعمال وسائل احتيالية إيجابية، فإنه يمكن أن يتحقق التدليس بمجرد الاحتفاظ بالمعلومات، فالكتمان إذن يعادل التدليس، وقد أحسن المشرع المغربي صنعا عندما نص على الكتمان ضمن الوسائل الاحتيالية الموجبة لإبطال العقد ليكون بذلك متجاوزا للخلاف الذي يمكن أن يقع بين الفقه والقضاء بخصوص تحديد الوسائل الاحتيالية[7].
كما اتجه الفقه المصري في هذا الصدد، إلى اعتبار أن الكتمان يعد تدليسا متى كان أحد أطراف العلاقة التعاقدية، ملتزما في مواجهة المتعاقد الآخر بالإعلام قبل التعاقد، أيا كان مصدر هذا الالتزام، أي سواء كان مصدره نص القانون أو اتفاق الطرفين أو اعتمادا على عنصر الثقة المفترض أن يسود داخل دائرة المعاملات بين الأفراد[8].
ولما كان المعول عليه هو إخلال البائع بالتزامه بإعلام المستهلك بعيوب الشيء خلال مرحلة تكوين العقد، فإن هذا الإخلال يقدر بمعيار ذاتي من وجهة المستهلك، فإذا كان المشتري شخصا عاديا غير متخصص أو غير مهني بما لا يسمح له بالتعرف على العيب بالفحص العادي فهو عيب خفي يضمنه البائع لأنه كان يجب عليه أن يدعم عدم خبرة المستهلك بأن يعلمه بما في الشيء من عيوب، أما إذا كان المستهلك محترفا يشتري الشيء بحكم مهنته أو في حدود اختصاصه الحرفي، فيفترض فيه العلم بالعيوب التي تكثف الشيء عادة ولو كان اكتشاف هذه العيوب مما يتعذر على الشخص العادي، والالتزام هنا على البائع بإعلام من يعلم أو يفترض فيه أن يعلم[9].
ويظهر أن هذا الرأي الأخير وأحكام الفصل 56 من قانون الالتزامات والعقود بمفهوم المخالفة لما أعطت للمشتري – المستهلك – الحق في التعويض إذا كان البائع يعلم عيوب المبيع أو يعلم خلوه من الصفات التي وعد بها ولم يصرح أنه يبيع بغير ضمان. ويفترض هذا العلم موجودا إذا كان البائع تاجرا أو صانعا وباع منتجات الحرفة التي يباشرها. كما يسايره قانون الاستهلاك الصادر مؤخرا بالمغرب في المادتين 65 و66 وعلى هذا الأساس، فإن الإخلال بالالتزام بالإعلام، الذي له انعكاس على رضاء المتعاقد، يمكن الدائن من إبطال العقد مما تتاح له إمكانية المطالبة بتعويض الأضرار الناشئة عن هذا الاختلال، هذا فضلا عن حقه في الجمع بينهما.
وإذا كان هناك إجماع على مستوى الفقه والقضاء على أن ضحية التدليس يمكنه المطالبة بالتعويضات إلى جانب إبطال العقد[10]، إذ أن المتعاقد الذي تسبب في إبطال العقد بسبب كتمانه أو أفعاله الخاصة يجب أن يقوم بجبر الضرر الذي لحق المتعاقد معه ضحية الوسائل الاحتيالية، فإن الرأي استقر منذ زمن طويل على أن ضحية الغلط لا يمكنه الجمع بين الإبطال والتعويض وليس له إلا الحق في طلب الإبطال بدون تعويض[11].
والجدير بالذكر أن الإبطال نوعان فإما أن يكون إبطالا كليا أو إبطالا جزئيا، ويقصد بالنوع الأول زوال كافة الآثار المترتبة عليه سواء بالنسبة للماضي أو المستقبل، فكل شيء يجب أن يعود إلى الحالة السابقة على التعاقد وكأن العقد لم يبرم وهذا ما نصت عليه المادة 316 من قانون الالتزامات والعقود إذ جاء فيها ما يلي: "يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته...".
في حين أن الحكم بالإبطال الجزئي يقتصر على إعدام جزء من العقد أي على شرط أو عدة شروط منه، وهذه الإمكانية هي ما يطلق عليه الفقه اسم نظرية "انتقاص العقد" وقد أخذ بها المشرع المغربي في الفصل 308 من قانون الالتزامات والعقود[12]، وتطبيق هذه النظرية في مجال الالتزام بالإعلام يؤدي إلى تصريح القضاة بعدم الاحتجاج في مواجهة المهني بالشروط التي لم يتمكن من العلم أو لم يطلع عليها المستهلك[13].
ومع ذلك يمكن للمستهلك المطالبة بإبطال العقد ولو كانت المعلومات الغير مدلى بها ثانوية متى تبث استغلال المهني ضعف وجهل المستهلك، إذ تنص المادة 59 من قانون 31.08 على أنه "يقع باطلا بقوة القانون كل التزام نشأ بفعل استغلال ضعف أو جهل المستهلك مع حفظ حقه في استرجاع المبالغ المؤداة من طرفه وتعويضه عن الأضرار اللاحقة".


[1] - عماد لحياني: "الالتزام بالإعلام قبل التعاقد كوسيلة لحماية المستهلك. عقد البيع الاستهلاكي نموذجا" رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص. وحدة قانون الأعمال والمقاولات. السنة الجامعية: 2010 الصفحة: 75.
[2] - ينص الفصل 39 من قانون الالتزامات والعقود المغربي على أنه لا يكون قابلا للإبطال الرضى الصادر عن غلط أو الناتج عن تدليس أو المنتزع بإكراه.
[3] - إن الرضاء قد يصدر قبل أو بعد إبرام العقد الرئيسي، إذ يمكن أن يتعلق بقرار إبرام العقد أو أي قرار آخر كتجديده أو تعديله أو ممارسة حق الخيار أثناء تنفيذ العقد وبالتالي فإن جزاء الإبطال ينطبق على قرار معيب سواء اتخذه المتعاقد في غضون تكوين العقد أو أثناء تنفيذه.
[4] - بوعبيد عباسي: الالتزام بالإعلام في العقود مرجع سابق ص: 355.
[5] - محمد الشرقاني: "النظرية العامة الالتزامات (العقد)" المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى الصفحة: 113.
[6] - محمد الشرقاني: مرجع سابق الصفحة: 177.
[7] - عماد لحياني: مرجع سابق، ص : 82.
[8] - عماد لحياني: مرجع سابق، ص : 82.
[9] - محمد العروصي: "المختصر في بعض العقود المسماة عقد البيع والمقايضة والكراء المطبعة الأحمدية 3. طبعة 2013، ص: 169.
[10] - يبرر الفقه إمكانية الجمع هذه على أساس أن التدليس يشكل في حد ذاته عملا غير مشروع، كما أنه يعيب الرضاء في نفس الوقت، فهو يمنح الحق في التعويض على الأساس الأول ويجعل العقد قابلا للإبطال على الأساس الثاني.
[11] - محمد الشرقاني: مرجع سابق، ص : 123.
[12] - ينص الفصل 308 من قانون الالتزامات والعقود "بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة، يبقى الالتزام قائما باعتباره متميزا عن العقد الأصلي".
[13] - بوعبيد عباسي: مرجع سابق. ص: 361.