الأحد، 9 أبريل، 2017

مناهج البحث العلمي

مناهج البحث العلمي.
من خلال هذا الفصل سنتناول مفهوم علم المناهج في المبحث الأول والمبحث الثاني نخصصه لمناهج البحث العلمي الأساسية والفرعية.
                     المبحث الأول: مفهوم علم المناهج
بادر بعض فلاسفة الغرب إلى تأسيس علم المناهج بشكل واضح، حيث ظهر بعدها كعلم مستقل له أسسه ومبادئه المعممة على شتى العلوم ومختلف ميادين البحث، ومنذ ذلك الحين انصرف اهتمام الكثير من العلماء إلى دراسة هذا العلم وتحليله وبيان كيفيات تطبيقه، وأهم ما يميز هذا العلم أن كل العلوم تسعى إلى التقرب منه وذلك لأنه المحدد الأول لمدى علمية أي معرفة من المعارف، وعليه فكل العلوم بما فيها العلوم الإنسانية تفتخر بعلميتها كلما نجحت أكثر في تطبيق المناهج العلمية فيها. فما هو علم المناهج؟ وكيف تكون؟ وما هي أهم التصنيفات التي وضعت له؟ وما مدى إمكانية إخضاع العلوم الإنسانية للمنهج العلمي؟
هذا ما سنتناوله من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف علم المناهج.
المطلب الثاني: تكوين علم المناهج.
المطلب الثالث: تصنيفات المناهج العلمية.
المطلب الرابع: مدى إمكانية إخضاع العلوم الإنسانية للمنهج العلمي.
المطلب الأول: تعريف علم المناهج.
المنهج لغة هو الطريق الواضح والسليم وتقابلها باللغة الفرنسية كلمة (Méthode) واصطلاحا يعرف المنهج بأنه «الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة، تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة
إذا لم تكن هناك قواعد مسبقة تحكم سير العقل في الوصول إلى الحقيقة ولكن كانت الخطوات منظمة ودقيقة فيكون المنهج تلقائي، وذلك لأن السير الطبيعي للعقل إذا لم تحدد أصوله مسبقا وكان منظما من شأنه أن يسطر لنفسه منهجا من دون الاعتماد على ما هو موجود من قواعد منهجية مسطرة مسبقا، ولكن المنهج التلقائي قد يعرض صاحبه للخطأ، وذلك لأن تفكير شخص واحد ليس كتفكير جمع كبير من علماء المناهج، أما مناهج البحث العلمي فقد جاءت عن طريق دراسات متخصصة من طرف كثير من علماء المناهج لذا فتطبيقها يضفي على نتائج البحوث نوع من الثقة.
ومنه فالمنهج هو مجموعة القواعد والقوانين التي تبين لنا أوجه الخطأ والصواب في خطوات البحث، وطرق البحث عن الحقيقة، والعلم الذي يبحث في المناهج وينتقدها و يضع قواعدها يسمى علم المناهج وقد أخذ صفة العلم لأنه يحتوي على مبادئ مشتركة بين كافة العلوم أي أن النتائج المتوصل إليها تقبل التعميم كما أنها تتصف بالتجريد.
كما يعرف المنهج العلمي بأنهقواعد بسيطة ومؤكدة إذا راعاها الباحث مراعاة دقيقة كان في مأمن من أن يحسب صوابا ما هو خطأ، أو هو بيان القواعد والإرشادات التي ينبغي أن نتبعها لكي نستخدم ملكاتنا العقلية على الوجه الأكمل
كما عرف المنهج بأنه: « فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون لها جاهلين، أو من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون لها عارفين
استخدمت كلمة علم المنهجية أو علم المناهج(Méthodologie)لأول مرة على يد الفيلسوف (كانت) (KENT)، وذلك عندما قسم المنطق إلى قسمين أساسيين هما:
1)ـ مذهب المبادئ وهو الذي يبحث في الشروط والطرق الصحيحة للحصول على المعرفة.
2)ـ علم المناهج الذي يهتم بتحديد الشكل العام لكل علم وتحديد الطريقة التي يتكون ويتشكل بها أي علم من العلوم.
فعلم المناهج هو العلم الذي يبحث في مناهج البحث العلمي والطرق العلمية التي يكتشفها ويستخدمها العلماء والباحثون من أجل الوصول إلى الحقيقة، ومنه نصل إلى أن علم المناهج هو العلم الدارس والباحث للمناهج العلمية المختلفة.

المطلب الثاني: تكوين علم المناهج.
المقصود بتكوين علم المناهج هنا هو بيان كيفية تكوين المناهج العلمية، وما نصيب كل من العالم المتخصص في ميدان علمه والفيلسوف المنطقي في تكوين قواعد ومبادئ وقوانين المناهج العلمية، وبمعنى آخر هل يتم تكوين المناهج بواسطة رجال المنطق والفلاسفة مسبقا ويضعونه في صورة مبادئ وقواعد علمية يجب على الباحث والعالم المتخصص أن يلتزم بها مقدما ويسير على هديها خلال القيام ببحوثه العلمية أم هي من اختراع واكتشاف الباحث والعالم المتخصص في ميدان علمه.
أثار هذه المشكلة بصورة واضحة وحاسمة كلود برنار  Claude Bernard في كتابه (المدخل لدراسة الطب التجريبي) حيث يقرر أنه يجب على العالم والباحث المتخصص ألا يتقيد بمنهج ومذهب فلسفي معين أثناء القيام بأبحاثه العلمية لأن المناهج لا يمكن أن تدرس نظريا كقواعد وقوانين نظرية ولكن هي تتكون داخل الميدان والمعمل. أما الدكتور عبد الرحمان بدوي فإن له رأي آخر مضمونه هو حتمية تكامل وتعاون وتساند كل من العالم المتخصص والفيلسوف المنطقي في تكوين المناهج وعلم المناهج، ويرى أن ما طرحه كلود برنار صحيحا حيث أن مناهج البحث العلمي في تطبيقاتها على مختلف فروع العلوم والمعرفة ولكن هذا الرأي ليس صحيحا بالقول بإنفراد العالم المتخصص بخلق وتكوين مناهج البحث العلمي دون مشاركة العالم المنطقي والفيلسوف المفكر.

وعليه فعملية تكوين مناهج البحث العلمي وعلم المناهج عملية يشترك فيها العالم المتخصص والفيلسوف المنطقي بصورة تكامل وتعاون وتساند بحيث يقوم العالم المتخصص في مرحلة أولى ببيان المنهج الذي اكتشفه واتبعه في بحوثه ودراسته العلمية المتخصصة في نطاق علم من العلوم ثم يقدم تقريرا أو أطروحة  أو مقالا عن ذلك، ثم يأتي دور علم آخر أوسع علما وأفقا ذو عقلية تأملية شمولية وعامة ليقوم بعملية ملاحظة مراقبة وتنسيق بين التقارير والنتائج التي يتوصل إليها العلماء المتخصصون في مختلف فروع العلوم.
ومنه نصل إلى أن كافة المناهج العلمية صالحة لبحث في كافة العلوم، فليس هناك تخصص أو تخصيص للمناهج.
كما أنه يمكن استخدام كافة المناهج العلمية في بحث علمي واحد وفي نطاق علم معين واحد بشكل استخدام تكافل وتعاون وتساند كافة هذه المناهج في انجاز بحث علمي كامل وشامل ذو براهين يقينية ثابتة ومطلقة.

تصنيفات المناهج العلمية.
هناك جملة من التصنيفات التقليدية والحديثة نتناولها في الفرعين التاليين:
الفرع الأول: التصنيفات التقليدية لمناهج البحث العلمي.
تم تصنيف مناهج البحث العلمي تقليديا إلى عدة تصنيفات نذكر من بينها ما يلي:
ـ المنهج التحليلي والمنهج التركيبي: المنهج التحليلي الإكتشافي أو منهج الاختراع وهو يستهدف الكشف عن الحقيقة، أما المنهج التركيبي أو ألتأليفي الذي يقوم بتركيب وتأليف الحقائق التي تم اكتشافها أو اختراعها بواسطة المنهج التحليلي وذلك  بهدف تعليمها ونشرها للآخرين. ما يعاب على هذا التصنيف أنه ناقص لأنه يتحدث عن الأفكار فقط ولا يشمل القوانين والظواهر كما أنه لا يصلح لكافة فروع العلم والمعرفة.
ـ المنهج التلقائي والمنهج العقلي التأملي: المنهج التلقائي هو ذلك المنهج الذي يسير فيه العقل سيرا طبيعيا نحو المعرفة أو الحقيقة دون تحديد سابق لأساليب وأصول وقواعد منظمة، أما المنهج العقلي التأملي فهو ذلك المنهج الذي يسير فيه العقل والفكر في نطاق أصول وقواعد منظمة ومرتبة من أجل اكتشاف الحقيقة أو الحصول على المعرفة.
هذا التصنيف كذلك منتقد لأنه تحدث عن طرق ووسائل الحصول على المعرفة والشروط العقلية العلمية وليس على مناهج البحث العلمي كمناهج لها أصول وقواعد وقوانين.
الفرع الثاني: التصنيفات الحديثة لمناهج البحث العلمي.
يمكن إجمال التصنيفات الحديثة من خلال الرجوع إلى الفقهاء الذين نادوا بها ونتناولها على النحو التالي:
ـ تصنيف هويتني(Whitney):رتب الفقيه هويتني المناهج العلمية على النحو التالي:
1) المنهج الوصفي.
2) المنهج التاريخي.
3) المنهج التجريبي.
4) البحث الفلسفي.
5) البحث التنبؤي.
6) البحث الاجتماعي.
7) البحث الإبداعي.
ـ تصنيف ماركيزMarquis)): رتب ماركيز مناهج البحث العلمي على النحو التالي :
1) المنهج الأنثروبولوجي (الملاحظة الميدانية).
2) المنهج الفلسفي.
3) منهج دراسة الحالة.
4) المنهج التاريخي.
5) منهج المسح.
6) المنهج التجريبي.

ـ تصنيف جود و سكايتس Good et Scates : رتب هذان الفقيهان مناهج البحث العلمي إلى:
1) المنهج التاريخي.
2) المنهج الوصفي.
3) منهج المسح الوصفي.
4) المنهج التجريبي.
5) منهج دراسة الحالة والدراسات الإكلينية.
6) منهج دراسات النمو والتطور والوراثة.

كل هذه التصنيفات بالغ أصحابها في تحديد مناهج البحث العلمي حيث أقحموا بعض أنواع البحوث وطرق الحصول على المعرفة والثقافة وكذا بعض أجزاء المناهج الأصلية.
لكن هناك مناهج أصلية وأخرى فرعية متفق عليها من طرف العلماء وكتاب علم المناهج وهي على النحو التالي:
المناهج الأصلية : المنهج الاستدلالي ـ المنهج التاريخي ـ المنهج التجريبي ـ المنهج الجدلي أو الدياليكتيكي.
المناهج الفرعية: وتظم كل المناهج الأخرى التي لم يتم الاتفاق حول اعتبارها مناهج أصلية ومن بينها المنهج الوصفي والمنهج الإحصائي والمنهج التحليلي والمنهج المقارن وغيرها من مناهج البحث الأخرى.

مدى إمكانية إخضاع العلوم الإنسانية للمنهج العلمي.
لم يقبل العلماء بسهولة في السابق فكرة تطبيق مناهج البحث العلمي على العلوم الإنسانية، حيث كانوا ينظرون إليها على أنها ليست علوما وذلك لما تحدثه العلوم الإنسانية من لبس في المفاهيم نظرا لخصائصها المتنوعة والمتمثلة في:

ـ الظواهر السلوكية معقدة ومتشابكة.
ـ الظواهر السلوكية ديناميكية وسريعة التغيير والتفاعل.
ـ فقدان التجانس بين الظواهر السلوكية.
ـ صعوبة استخدام الطرق المختبرية.
ـ التحيز والميول الشخصي للباحث.
أهم قاعدتين طرحهما علماء العلوم الإنسانية من أجل تذليل الصعوبات التي تعوق البحث العلمي في هذا المجال هما:
1) اعتبار الظواهر الاجتماعية أشياء عند دراستها فالشيء هو كل ما يصلح أن يكون مادة للمعرفة ومنه تصبح مثل الظواهر الطبيعية قابلة للإدراك من خارج ذاتية الباحث.
2) استبعاد كل العوامل النفسية التي تبعث في نفس الباحث الشعور بالقهر الاجتماعي هذا ما دعا إليه (إيميل دور كايم) من أجل عزل الظواهر الاجتماعية عن فكر ووعي الباحث وجعلها كأنها كيان قائم بذاته خارج مجال التأثير على الفرد.