الخميس، 6 أبريل، 2017

المناذرة والغساسنة

قصة مملكة الغساسنة :
أصلهم وسبب تسميتهم :
الغساسنة فرع من أزد اليمن، نزحوا قبل حادثة سيل العرم( )، أو بعدها  تحت قيادة زعيمهم عمرو بن عامر مزيقياء- من جنوب الجزيرة العربية إلى بلاد  الشام.
ويسمى الغساسنة أيضاً بآل جفنة ، أو بأولاد جفنة ( )، لأن أول ملوكهم  جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر ، ويفسر الاخباريون تسمية عمرو بمزيقياء تفسيرين مختلفين، يذكرهما حمزة الأصفهاني ، أحدهما : أن الأزد تزعم أن عمراً إنما سمي مزيقياء ،لانه يمزّق كلّ يوم من سني ملكه حلتين، لئلا يلبسهما غيره ، فسمي هو مزيقياء، وسمي ولده "المزيقية" . وقيل : إنما سمي مزيقياء لأن الأزد تمزقت على عهده كلّ ممزق ، عند هروبهم من سيل العرم( ) . وواضح أنّ التفسير الأول خرافي ، لعل المقصود منه اظهار ثرائه.
وتاريخ دولة الغساسنة غامض، لقلة المصادر، وضياع معظم آثار بني غسان وربما لأن الروم لم يعنوا بتدوين تاريخ جيرانهم عناية الفرس بذلك( ). وان  المؤرخين العرب يختلفون في عدد الملوك وأسمائهم ، وسني حكمهم( ). ولعل السبب في هذا الاختلاف ، انما هو اختلاط أخبار آل غسان بالقبائل العربية التي سبقتهم إلى سوريا، ودانت بالنصرانية ، وخضعت لحكم الرومان( ). أضف إلى ذلك هذا التشابه في الاسماء بين حارث، ومنذر، ونعمان ، واختلاط ذلك بالتقارب والتشابه مع أسماء ملوك المناذرة.
أضف إلى ذلك أن هذا الاختلاط أو الخلاف بين مؤرخي العرب على عدد  من ملوك آل غسان ، إنما هو دليل على ما يحيط بأسرة "آل جفنة" من غموض، في الواقع ان تاريخ الأسرة بكامله غامض . حتى أصل الأسرة نفسها ، فالمؤرخون العرب يرون أن الغساسنة -وكذا المناذرة- إنما هم من عرب الجنوب، الا ان من المحدثين من يتشكك في هذا ،ويرجح أنهم من عرب الشمال، لأسباب تم رصدها( ).
أما العاصمة السياسية لآل جفنة ، فيبدو أنها كانت في البدء مخيماً متنقلاً ، ثم استقرت بعد ذلك في "الجابية" في منطقة الجولان غربي دمشق، كما كانت في بعض الوقت في " جلّق"  في جنوب حوران ( ) .
 وأما ديارهم فكانت -وفقاً لبعض الروايات- في اليرموك، والجولان ،  وغيرهما ، من غوطة دمشق ، وأعمالها ، وان منهم مَنْ نزل الأردن من أرض الشام ( ). ومهما يكن من خلاف فقد امتدت  دولتهم، حتى شملت الجولان، وحوران، والبلقاء ، وأحياناً فينيقيا، فضلاً عن أعراب سوريا وفلسطين ( ).
وكان الغساسنة كالبيزنطيين يدينون بالمسيحية ، وإن كانوا على المذهب اليعقوبي المخالف لمذهب بيزنطة ،الذي انتشر في الشام ومصر ( ) . ولذا عرفوا  أيضاً باسم " العرب المتنصرة "( ) . وانفرد اليعقوبي بالإشارة إلى انتشار اليهودية بينهم( )، لمجاورتهم يهود فلسطين ، إلاّ أننا لا نجد من الادلة ما ينهض لتأكيد هذا .
ويتميز تاريخ الغساسنة بقوة ملوكهم المسمّيْن "بني جفنة" ، وعرفوا للعرب  باسم "ملوك الشام"( ). وكانت هذه الدولة مخلصةً لحلفائها البيزنطيين ، بحيث أن "جستنيان" ( 527-565 ) منح الحارث بن جبلة " لقب ملك "( ) وتعد أيام الحارث بن جبلة أزهى أيام الغساسنة . وقد بقيت مملكة الغساسنة إلى وقت انسياح العرب  مع حركة الفتوح في الشام ، فكان آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم الذي اشترك مع الروم في قتال جيوش العرب بقيادة خالد بن الوليد( ) ، ولكنه هزم ، ثم انضم للعرب ، وأسلم ، ثم تنصر بعد ذلك ، وهرب إلى القسطنطينية .

حضارة الغساسنة :
 كانت حضارة الغساسنة متأثرة إلى أبعد الحدود  بالحضارتين : الساسانية  والبيزنطية . وقد عنوا بالزراعة لصلاح موقع بلادهم لهذا النوع من العمل ، واستغلوا مياه حوران ( ) في الزراعة ، فعمرت القرى والضياع . وكان اهتمام  أمراء غسان بالبنيان عظيماً، فعلى الرغم من إقامتهم في البوادي ، فانهم أقاموا  كثيراً من الأبنية من قصور وقناطر ، وأبراج وغيرها ، وينسب حمزة الأصفهاني  إلى ثلاثة عشر أميراً تشييد القصور والأبنية العامة .
 وقد أفادتنا أشعار حسان بن ثابت ، والنابغة الذبياني في وصف حياة الغساسنة في السلم والحرب، وهو وصف يلقي ضوءاً على حضارتهم ، ومن ذلك قول حسان( ) :
أََسألـتَ رسـمَ الدار أمْ لمْ  تسـألِ بَيْنَ الجـوابي فالبضيـعِ فحوملِ
 إلى ان يقول :
لـله درُّ  عصــابــةٍ نامتهــُمْ يوماً بجلـّق  في الزمـان الأوّلِ
يمشون  في الحُلَلِ المضاعفِ نَسْجُها مَشْيَ الجمال  إلى الجمال البـزّلِ
الضاربونَ الكبـشَ يبـرقُ  بيضـُه ضَرْباً يطيحُ لـه  بنانُ المفصـلِ
والخالطـون َ  فقيرَهُــمْ  بغنيّهـم والمنعمونَ على الضعيف الُمْرملِ

ومما قاله النابغة فيهم ( ) :
        اذا  ما غَزوْا  بالجيش  حلّق فوقَهم         عصائبُ طيـر  تهتدي بعصائبِ
        ولا عيْبَ  فيهم  غيـر أنّ سيوفَهم    بهنّ فلولٌ من  قـراع  الكتائـب
        لهم شيمة لم يعطهـا اللهُ غيرهـم    من الجود والاحلامُ غير عوازبِ
        محلّتهُمْ ذاتُ الإله ودينهُم   قويـمٌ     فمـا يرجـون غيـرَ العواقـبِ
        رقاقُ النّعـالِ طَيّـبٌ حجُزاتُهـمْ    يحيّوْنَ  بالرّيحان  يوم  السّباسبِ
        تحييهُمُ بيـضُ الـوَلائـِد بينهـم     وأكسيةُ  الاضريج فوق المشاجبِ
        يصونون أجساداً قديمـاً نعيمُهـا     بخالصةِ الاردان خُضرِ  المناكبِ
مملكة المناذرة
 قامت هذه  المملكة في بادية العراق ، بتشجيع الفرس، لتكون درعاً تحميهم  من غارات البدو، وجنوداً تقف في صفوفهم في أثناء حربهم ضد الرومان والغساسنة ( ). وكانت هذه المملكة تتـألف من القبائل العربية التي هاجرت من اليمن في عهد مبكر ، على أثر تصدع سد مآرب، وكان ذلك في القرن الثالث  الميلادي ( )، واتخذت لها عاصمة على سيف صحراء العرب ، عرفت " بالحيرة"( )  ومعناها المخيم ( ).
ويلاحظ أنّ تاريخ هذه المملكة يرتبط إلى حد كبير بتاريخ زعماء قبيلة "لخم"( ) الذين يظهر أنهم من نسل ملوك التتابعة، فبنوا فيها القصور المشهورة على نسق قصور اليمن ، مثل القصرين المشهورين " الخورنق والسدير" ( ).
وتاريخ ملوك هذه المملكة أوضح في مجموعه من تاريخ الغساسنة ، ولعل ذلك يرجع إلى أن ملوك الفرس دونوا تاريخهم، فأخذه عنهم العرب ( )، وان المناذرة أنفسهم كانوا يدونون أخبارهم، ويودعونها في البيع والاديرة، التي كانت منتشرة في منطقتهم( ) .
وأشهر ملوكهم المنذر بن النعمان الملقب بابن ماء السماء ( ) (505-554)  وهو الذي سار في مئة الف من أتباعه ، ليحارب البيزنطيين وحلفاءهم الغساسنة،  حيث حدثت المعركة المشهورة عند العرب بيوم حليمة .
 ولعمرو بن هند شهرة واسعة ، وقد أصبحت الحيرة في عهده مركزاً  مهماً للآداب ، وقد وفد عليه عدد من الشعراء من مختلف أرجاء الجزيرة العربية ينشدونه الشعر ، وينالون جوائزه، منهم طرفة بن العبد ، وعمرو بن كلثوم ، والحارث بن حلزة… ويقال :" ان عمراً هذا هو الذي توسط بين بكر وتغلب ، وأصلح بينهما بعد حرب البسوس ( ) وقد كان الرجل ظالماً شديد الزهو، والكبرياء، وقصته مع عمرو بن كلّثوم معروفة ، فقد انتقم منه ، وانتصر لكرامة المرأة العربية في شخص أمه .
 ولُقّب بالمُحَرّق ، لأنه أقسم ليحرقنّ مئة من بني تميم ، وبرّ بيمينه، في يوم أوراة الثاني ، وقصته مع الحمراء بنت ضمرة النهشلي، التي أتم بها العدد مئة مشهورة ( ).
وجاء بعد عمرو بن هند أخوه" قابوس بن المنذر ، ثم المنذر الرابع، ولم يحكما طويلاً ، ثم آل الحكم إلى النعمان الثالث، ابن المنذر الرابع ، المكنى " بأبي قابوس" (508-602) وهو أخر ملوك الحيرة اللخميين، واكثرهم شهرة في كتب الادب . ووفد على بلاطه كثير من الشعراء مثل : أوس بن حجر ، والمنخل اليشكري، والمثقب العبدي ، وحُجْر بن خالد الذي مدحه قائلا( ) :
سمعتُ بفعل الفاعلين  فلم أجد       كمثل ابي  قابوس حزماً ونائلا

وللنابغة الذبياني فيه مدح كثير، الاّ أن جفاء بينهما قد حصل لوفود النابغة  على الغساسنة ، واعتذر اليه ، مفتتحاً بذلك باباً جديداً في الشعر ، وقال في إحدى قصائده:
نُبئتُ أن أبا قابوس أوعدني    ولا قرار على زأر من الأسد
وتعرض له بعض الشعراء بالهجاء، منهم يزيد بن الحذاق الشني( )، وعبد  قيس بن خفاف البرجمي( ).
 وساءت العلاقة بينه وبين كسرى ، لأسباب اختلف المؤرخون حولها ، وفصلوا فيها إلى حد كبير.( ) فمنهم من يدعي أنها بسبب سجن أبي قابوس لعدي بن زيد العبادي، الذي كان سبب وصوله إلى الملك- وكان ملوك الحيرة قد اصبحوا من الضعف بحيث أصبح ملوك فارس يضعون على عرش الحيرة من شاؤوا ، وكان عديّ يعمل مترجماً في ديوان كسرى، فساعد أبا قابوس في الوصول إلى الحكم -وقتله إياه، وقد استغل ذلك خصوم النعمان ، وأوغروا صدر كسرى عليه فقتله، وبذلك انتهى حكم المناذرة في الحيرة. وعين الفرس مكانهم رجلاً من طيء اسمه اياس بن قبيصة.

معركة ذي قار :
تتحدث الروايات انه لما ساءت العلاقةُ بين كسرى والنعمان ، كتب كسرى إلى النعمان يأمره بالقدوم إليه ، فأدرك النعمان سوء المصير، فحمل سلاحه ، ثم مضى لبني طئ لصهر كان له فيهم ، وعرض عليهم أن يمنعوه ولكنهم أَبوْ خوفاً . فأخذ يطوف بقبائل العرب، يطلب النصرة إلى أن نزل بذي قار في بني شيبان سراً. فلقي هانيء بن مسعود بن عمر بن ربيعة ، أو هانيء بن قبيصة بن هانئ بن مسعود ، كما يقول ابو عبيدة. وكان هذا الرجل سيداً منيعاً، فاستودعه ماله وسلاحه، ولما قتل النعمان، طلب كسرى من إياس بـن قبيصـة أن يجمع ما خلفه النعمان، وأن يرسله اليه، ومن ثم فقد بعث اياس إلى هانئ بن مسعود أن يرسل ما استودعه النعمان إياه، فأبى هانئ ذلك ، وغضب كسرى ، وأرسل اليهم يخيّرهم بين ثلاثٍ، أحلاهنّ مرّ: الاستسلام ، أو الرحيل ، أو الحرب.
واجتمعت كلّمة بني بكر على الحرب وعدم الاستسلام. واختلف المؤرخون  في زمن معركة ذي قار هذه ( ) ، وفي اسمها ايضاً( ) .
ومهما يكن الأمر فان هذه هي أول معركة تنتصر فيها القبائل العربية على الجيش الفارسي، فقد أعطاهم هذا النصر ثقة كبيرة بانفسهم، وتجرأت القبائل العربية  على الهجوم المباشر على بلاد الساسانيين .