الخميس، 6 أبريل، 2017

شعر الاعتذار في العصر الجاهلي

الاعتذار
      وفي أواخر العصر الجاهلي اتخذ بعض الشعراء المديح وسيلة للتكسب والإرتزاق، وفتحت إمارتا الغساسنة والمناذرة أبوابهما لكثير من الشعراء، كحسان بن ثابت، والأعشى، وعلقمة، والنابغة ..
      اتصل النابغة الذبياني بملوك الحيرة، وطالت صحبته للنعمان بن المنذر فقرّبه، واتخذه نديما وصديقا، إلا أن حبل الود لم يتصل، وإن الحياة لم تصف له، فقد تدخل الوشاة لإفساد ما اتصل بينهما من ود، ونجحوا في تشويه صورة الشاعر عند مليكه مما اضطره إلى الفرار إلى الغساسنة، منافسي المناذرة وأعدائهم، وابتدعوا مختلف الأقاويل للإمعان في الإساءة إليه، والحط من شأنه، وقد صورته الوشايات في نظر مليكه، أبي قابوس، ناكرا للعرفان، عديم المروءة، والوفاء، لا يرعوي عن خيانة مَنْ منحه الرعاية، ووهبه نعمة الإثراء، ووفر له سبل الشهرة، وبوأه مجد الشاعرية، حتى غدا يأكل في صحاف من الذهب والفضة.
      وعزّ على الشاعر أن يصبح سيء الأحدوثة بين النّاس، وهانت سلامتُهُ في نظره إزاء العار الذي يهدّد شرفه ، فلاذَ بشاعريته لتذود عنه، ولجأ إلى قوة منطقه ليدفع الإفتراءات، فوفّق في الإعتذار لأبي قابوس، وكانت اعتذارياته صفحة جديدة في الأدب العربي، فتحت للشعراء خلال العصور التالية بابا مستحدثا لم يكن لهم عهد به. وكانت هـذه الاعتذاريات أروع ما دبجه الجاهليون ( ) ، لأنها خطت بالشعر الجاهلي خطوة نحو بؤرة عميقة من العلاقات الإنسانية المتشابكة المتنازعة( ).
ما قيل في اعتذاريّات النابغة :
      اختلف الباحثون في تقويم اعتذاريات النابغة وأسبابها، فمنهم من نسب هذه الإعتذاريات إلى العامل النفسي الذي انطبع عليه النابغة، وهو الذل والمسكنة والصغار في طريقة استعطافه للملك النعمان ( ) ، وفي هذه القصائد يفقد الشاعر العربي عنجهيته، ويحني هامته، ويخلع سيفه ودرعه، ليرتدي ثوب الذل، متعفرا، مخذولا على أعتاب القصور وبين أقدام الملوك. وقد خرج النابغة بذلك عن سياق النفسية العربية، وطبائع الفروسية، التي كان يضج بها الشعر القديم، يصورها الشاعر، وكأنها أعز من حياته ( ).
      ومن الباحثين من أقر له بالبراعة والتفوق ( ) ، دون أن يوفق إلى ذكر المآخذ على أسلوبه الإعتذاري. وقد فات أكثرهم، إن لم يفتهم جميعا، أن يدرسوا هذا الفن في ضوء الظروف التي كانت تحيط بالنابغة.
أسباب مفارقة النابغة للنعمان :
      تعددت الروايات في سبب المفارقة ( )، وقد زعموا أنه فارق النعمان خوفا على حياته، فإن  بعض الشعراء الذين كانوا ينافسونه في بلاط الحيرة قد صنعوا على لسانه شعرا مقذعا في هجاء النعمان، وفي رواية ثانية أنه كان لأحدهم سيف قاطع كثير الجوهر، فذكر النابغة ذلك للنعمان فأخذه، فأثار ذلك حقد صاحبه على النابغة ، فوشى به إلى النعمان، وحرضه عليه . وفي راوية ثالثة أن النابغة وصف زوج النعمان  المتجردة، وصفا استقصى فيه أعضاءها، فغار منه المنخل اليشكري، وكان يهواها، فوسوس به إلى الأمير أن هذا الوصف لا يقوله إلا مجرب، فغضب النعمان، وعلم النابغة، فهرب إلى الغساسنة ( ).
      وقد تكون هذه الروايات من نسج خيال الرواة، اخترعوها ليفسروا اعتذاريات النابغة التي تنبىء بأنه جنى جناية عظيمة. وقد أعرض عنها كثير من المعاصرين ( )، وعزوا أسباب المفارقة إلى وفود النابغة على الغساسنة، أعدائهم ومنافسيهم، وما صاغه فيهم من مديح، فقد رأى النعمان في هذا تحولا في موقف الذبيانيين، وهذا ما يبدو واضحا في قصيدته البائية، فالنعمان قد فسر هذا التحول تفسيرا سياسيا عاما، إذ هو التجاء إلى خصم مُنافس، وتقوية لشأنه، وبخاصة بعد انتصار الشام على العراق، ولكن النابغة فسره تفسيرا شخصيا قريبا ، بأنه شكر على صنيع ينهض به جميع الشعراء، فقال ( ) :
أتاني أبيْتَ اللّعن أنك لمتني      فبت كأن العائذات فرشنني      حلفت فلم أترك لنفسك ريبة      لئن كنت قد بُلّغتَ عني خيانة     ولكنني كنت امرأ لي جانب      ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم       كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم   .        وتلك التي أهتم منها وأنصب      هراسا به يعلى فراشي ويقشب     وليس وراء الله للمرء مذهب      لمبلغك الواشي أغش وأكذب       من الأرض فيه مستراد ومذهب    أحكّم في أموالهم وأقرب           فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا( )      .
           
           
           
           
           
           
           
           
           
إلى أن يقول :
ولست بمسبق أخا لا تلمه       فإن أك مظلوما فعبد ظلمته      .       على شَعَث أي الرجال المهذب          وإن تك ذا عتبي فمثلك يعتب       .
      ومن بديع اعتذارياته قصيدته الدالية، التي شرع يمدح  فيها النعمان، بعد أن فرغ من وصف ناقته، فقال ( ) : 
ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه  إلا سليمان إذ قال الإله له        وخيّس الجن ! إني قد أذنت لهم     فمن أطاعك فانفعه بطاعته       ومن عصاك فعاقبه بعاقبة        .          ولا أحاشي من الأقوام من أحد     قم في البرية فاحددها على الفند     يبنون تدمر بالصفاح والعمد        كما أطاعك وادْلُلْهُ على الرشد      تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد    .
      فالشاعر لا يرى أحداً يفعل فعلا كريما يشبه فعل النعمان، ولا يستثني من حكمه أحدا إلا سليمان، فقد شبه النعمان به، متنقلا من المشهد الواقعي إلى الأمور الخارقة، لقد انبرى الشاعر بالنعمان إلى ذروة المبالغة، منذ البيت الأول، إذ تفوق على سائر البشر.
      ويطلب النابغة من النعمان أن يكون بعيد النظر كزرقاء اليمامة، التي حذرت قومها يوما من عدوهم ، وكانوا على مسافة بعيدة منهم، فلم يأخذوا بقولها لاعتقادهم أن اليمامة تتخيل ذلك تخيلا، وكانت النتيجة أن داهمهم الغزاة.
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت  يحفه جانبا نيق وتتبعه            قالت : ألا ليتما هذا الحمام لنا    فحسبوه فألفوه كما حسبت        فكملت مئة منها حمامتها           .         إلى حمام شراع واردٍ الثمد                مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد     إلى حمامتنا ونصفه فَقَدِ              تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد      وأسرعت حسبة في ذلك العدد        .
           
           
           
           
      لقد وجد الشاعر في زرقاء اليمامة ( ) إشعاعا يستخدمه، ليكشف له عن حقيقة هذه التهمة التي ألصقت به، ولهذا ضرب له المثل الذي يحمل الصدق الأكيد، ويستجلي بواطن الأمور، وقد تمثلت هذه الصورة بكل أبعادها في حوادث الأسطورة (زرقاء اليمامة) التي استطاعت نظراتها أن تنفذ، لتستكشف دقائق الأمور، وتميز أصيلها من باطلها، وهو على هذه المسافة من البعد، والشاعر يطلب من النعمان أن يكون دقيقا في الحكم دقة هذه المرأة، ويطلب إليه أن يكون حاد البصر حدة هذه الفتاة، تنفذ نظراته إلى جوهر الأمور، وتتفحص أمورها، وتتحرى الدقة في الأحكام، ومن هنا كان استخدام الشاعر لهذه الصورة استخداما جيدا.
      وبعد النصيحة التي يقدمها للنعمان يعمد الشاعر إلى القسم ليبرى نفسه مما اتهم به ( ) :
فلا لعمر الذي مسّحتُ كعبته    والمؤمنِ العائذاتِ الطيرِ تمسحها  
ما قلت من سيء مما أتيت به   إلا مقالة أقوام شقيت بها        إذاً فعاقبني ربي معاقبة          .           وما هُريق على الأنصاب من جسد  ركبانُ مكة بين الغيل والسعد       إذا فلا رفعت سوطي إليّ يدي         كانت مقالتهم قرعا على الكبد      قَرّتْ بها عين مَنْ يأتيك بالفند      .
           
           
           
           
      فالنابغة يقسم بأقدس مكان عند العرب وهو الكعبة، والأنصاب التي حولها، وقد أريقت عليها الدماء. ويقسم أيضا بالله تعالى بأنه بريء مما نسب إليه من قول سوء.
ويقول : إذا كنت قلت هذا الذي بلغك شلّت يدي حتى لا أطيق بها رفع السوط على خفته ، وقد  أثرت فيه مقالة الكذب حتى قرعت كبده، وهو يدعو ربه بمعاقبته معاقبة تقرّ بها عين حاسده ، إن كان ما نسب إليه صحيحا.
      ويكشف النابغة بعد ذلك عن عظيم حبه لمليكه، هذا الحب الذي لا يتردد معه في افتدائه بما عنده من نعمة المال والبنين : ويصور نفسه ضعيفا أمام النعمان وقوته وبطشه، ويمثله أسدا جائعا يزأر، وقد وقع منه موقع الفريسة، ويستعطف الشاعر النعمان فيجعل جميع الناس فداء له، ثم يطلب إليه أن يترفق به، فقال( ) :
أنبئت أن أبا قابوس أوعدني    مهلا فداء لك الأقوام كلهم    لا تقذفني بركن لا كفاء له     .           ولا قرار على زأر من الأسد   وما أثمر من مال ومن ولد   وإن تأثفك الأعداء بالرفـد     .
      ثم ينتهي إلى المبالغة في وصف كرم النعمان حتى يقرن فيض كرمه بفيض الفرات. ويختم القصيدة بالطلب من النعمان أن يستجيب للعفو ويقبل العذر، أو يظل حليف البؤس والشقاء :
فما الفرات إذا هبّ الرياح له   يمده كل واد مترع لجب       يظل من خوفه الملاح معتصما يوما بأجود منه سيب نافلة     هذا الثناء فإن تسمع به حسنا   ها إن ذي عذرة إلا تكن نفعت .           ترمي أواذيه العبرين بالزبد    فيه ركام من الينبوت والخضد  بالخيزرانة بعد الأيْنِ والنجد    ولا يحول عطاء اليوم دون غد فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد  فإن صاحبها مشارك النكد      .
           
     
ابيات من الشعر في الاعتذار
من اروع ما قيل في الأعتذار
الاعتذار والاستعطاف بالمدح
أجمل ما قيل في الاعتذار والعتاب
فن الإعتذار
درة الإنسان على الإعتذار
شعر الاعتذار في العصر الجاهلي
قصائد اعتذار بالفصحى
اجمل ما قيل في الاعتذار
قصيدة الاعتذار للنابغة الذبياني
فن الاعتذار في الشعر العربي القديم
الاعتذار في الاسلام
الاعتذار للحبيب
موضوع تعبير عن فن الاعتذار