الأربعاء، 29 مارس، 2017

جريمة انتهاك أسرار الدفاع

جريمة انتهاك أسرار الدفاع .
    نصت المادة (80) من الأمر رقم (555) لسنة 1957م على أن : يعاقب الإعدام كل من سلم لدولة أجنبية أو لأحد ممن يعملون لمصلحتها أو أفشى إليها أو إليه بأية صورة وعلى أي وجه وبأية طريقة إلى الحصول على سر من هذه الأسرار بقصد تسليمه أو إفشائه لدولة أجنبية أو لأحد ممن يعملون لمصلحتها وكذلك كل من أتلف لمصلحة دولة أجنبية شيئاً يعتبر سرا من أسرار الدفاع أو جعله غير صالح لأن ينتفع به " .
    ولا ريب أن أسرار الدفاع عن الدولة هي أخطر الأسرار التي لا يجوز التواني عن كتمانها والحفاظ على سريتها باعتبارها تشكل دعائم وجودها خاصة وأن هذه الأسرار لم تعد قاصرة على الأسرار العسكرية , وإنما تتعلق بكافة نواحي وأوجه النشاط في الدولة سواء تعلق ذلك بالنواحي السياسية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية وحتى الاجتماعية .

المطلب الأول : ماهية أسرار الدفاع 

    أولاً : المقصود بالسر .
    لا يوجد في القانون تعريف محدد للسر ؛ لأن للسر مدلوله الذي يختلف من شخص لآخر , ومن ظرف لظرف فإن ما يعتبر سراً لشخص معين قد لا يكون كذلك بالنسبة لشخص آخر ؛ لذلك فإن ما يعتبر سرا لشخص معين قد لا يعتبر كذلك إذا ما تغيرت الظروف ، بمعنى أنه قد يعتبر أمراً ما سراً لشخص في ظل ظروف معينة , بحيث إذا تغيرت هذه الظروف تنعدم السرية بالنسبة لهذا الأمر , ونتيجة لذلك فقد ثار الخلاف بين الفقهاء في تحديد معيار للسر , إلا أن الأسرار عموماً تختلف حسب أنواعها فقد يكون السر شخصي , وقد يكون خاص بطائفة معينة من الأفراد , وقد يكون عام يهم الجماعة كلها وهو ما يعنينا في هذا المجال , حيث أن مجال هذا المؤلف هو دراسة انتهاك أسرار الدفاع دون الخوض في الأسرار الشخصية .

ثانياً : المقصود بأسرار الدفاع .

    أسرار الدفاع في مفهوم قانون العقوبات هي مجموعة الأسرار العامة التي تهتم الدولة بالحفاظ عليها بصفتها تؤثر تأثيراً كبيراً في قيام الدولة والمحافظة على كيانها الدولي , وهذه الأسرار قد تكون ذا طبيعة عسكرية أو سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية .
    فمصلحة الدولة تقتضي المحافظة على سرية الاستعدادات العسكرية , وقوة الجيش , وتكتيكاته الحربية , كما يستوجب الأمر الحفاظ على سرية علاقات الدولة بالدول الأخرى , وكتمان أسرار البرامج والمخططات السياسية سواء ما تعلق منها بالسياسة الخارجية أم الداخلية , وعدم نشر أية بيانات عن الاتفاقيات الدولية , كذلك يتعين المحافظة على الأسرار الصناعية  والتقنية وكافة ما يؤثر في المركز الاقتصادي للدولة بصفته يمثل في الوقت الحاضر أهم العوامل التي يقوم عليها كيان الدولة ومركزها بين الدول ، فشغل الدولة الشاغل هو حماية أسرار أمنها الخارجي والداخلي على السواء  .

ثالثاً : أنواع أسرار الدفاع .

    تنقسم أسرار الدفاع إلى نوعين : أسرار طبيعية وأسرار اعتبارية , والنوع الأول يراد به تلك المعلومات أو الموضوعات التي تعتبر أسراراً بطبيعتها والتي يعتبر حجبها عن العلانية مصلحة قومية لما في الكشف عنها من ضرر يحيق بالبلاد .
    أما النوع الثاني وهو الأسرار الاعتبارية فيقصد بها تلك البيانات أو الموضوعات التي لا تعتبر سرا في حد ذاتها ولكنها اعتبرت كذلك بناء على أمر من السلطة المختصة على أساس أنه قد يكون الكشف عنها الوصول إلى الكشف عن سر طبيعي .
    ولقد نصت المادة (85) من الأمر رقم (555) لسنة 1957م على أنه : "يعتبر سراً من أسرار الدفاع :
    1 - المعلومات الحربية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والصناعية التي بحكم طبيعتها لا يعلمها إلا الأشخاص الذين لهم صفة في ذلك . ويجب مراعاة لمصلحة الدفاع عن البلاد أن تبقى سرا على من عدا هؤلاء الأشخاص .
    2 - الأشياء والمكاتبات والمحررات والوثائق والرسوم والخرائط والتصميمات والصور وغيرها من الأشياء التي يجب لمصلحة الدفاع عن البلاد ألا يعلم بها إلا من يناط بهم حفظها أو استعمالها , والتي يجب أن تبقى سرا على من عداهم خشية أن تؤدى إلى إفشاء المعلومات مما أشير إليه في الفقرة السابقة .
    3 - الأخبار والمعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة وتشكيلاتها وتحركاتها وعتادها وتموينها وأفرادها , وبصفة عامة كل ما له مساس بالشئون العسكرية والاستراتيجية ولم يكن قد صدر إذن كتابي من القيادة العامة للقوات المسلحة بنشره أو إذاعته .
    4 - الأخبار والمعلومات المتعلقة بالتدابير والإجراءات التي تتخذ لكشف الجرائم المنصوص عليها في هذا الباب أو تحقيقها أو محاكمة مرتكبيها ومع ذلك فيجوز للمحكمة التي تتولى المحاكمة أن تأذن بإذاعة ما تراه من مجرياتها " .
    والملاحظ على هذا النص أنه قد حدد أسرار الدفاع تحديدا جامعا على سبيل الحصر ودون تمييز بين ما يعتبر سراً بطبيعته أو سراً اعتبارياً .

رابعاً : إثبات طبيعة السر .

    إن تحديد ماهية السر من حيث كونه متعلقا بالدفاع عن البلاد من عدمه مسألة متروكة لتقدير محكمة الموضوع , ويجب عليها أن تسوق الأدلة التي استخلصت منها سرية المعلومات وتعلقها بالدفاع عن البلاد , ولا يكفي لذلك اتخاذ الظروف الخارجية دليلاً , إنما يجب على المحكمة أن تستخلص السرية من البحث في حقيقة المعلومات وتقص مكنوناتها , وهو ما اتجه إليه القضاء وإلا كان الحكم مشوباً بالقصور .


أركان جريمة انتهاك أسرار الدفاع 

    الفرع الأول : الركن المادي .
    أولاً : عناصر الركن المادي .
    1- تسليم السر .
    تسليم السر أي إعطائه للغير , سواء أكان ذلك بنقله المادي إلى حيازة الغير , أم تمكين الغير من الاستيلاء عليه , والفرق بين التسليم هنا والإفشاء يمكن في أن التسليم يكون بنقل السر نقلا ماديا لحيازة الغير , بمعنى أنه إذا كان سلاحاً معيناً مثلاً فتتحقق الجريمة بنقل السلاح ذاته أو تسليم أوراقاً تتضمن صور السلاح وطرق تصنيعه وتشغليه والمواد الداخلة في تركيبه ... , أما الإفشاء فإنه لا يتضمن إلا نقل مضمون السر إلى دون ماديته .

2- إفشاء السر .

    مقتضى الإفشاء هو إعلام الغير به أو اطلاعه عليه , والجاني هنا قد يكون هو المكلف بحفظ السر شخصياً أو شخص من الغير تمكن من معرفة السر , أما الطرف الآخر فإنه يتعين أن يكون شخصا بذاته , بمعنى أنه لا بد أن يكون شخصاً متصلاً بدولة أجنبية أو يعمل لمصلحتها لكي يتحقق معنى الإفشاء المقصود في هذه الجريمة , بحيث لو كان الإفشاء لمجموعة غير متميزة من الناس , لا نكون بصدد إفشاء وإنما إذاعة للسر , ولو أن الإذاعة لا تحول دون العقاب أيضاً باعتبار أن للإذاعة مدلول أوسع من الإفشاء لأنها تتضمن في حقيقتها إفشاء بل وتعتبر أكثر خطورة منه .
    ولا يتعين بوقوع الجريمة أن يكون السر كله قد تم تسليمه أو إفشائه , إنما تقع الجريمة مادان أن بعض السر قد تسرب إلى الغير بحيث يؤدي إلى علم الدولة الأجنبية بالسر أو جزء منه نتيجة هذا الإفشاء , أما إذا كان الجاني قد قام باصطناع سر أو تزويره بحيث لا يفضح سراً من أسرار الدولة فان الجريمة هنا لا تتحقق .
    وهو المبدأ الذي أقره القضاء بمناسبة الرد على ما أثاره الدفاع من الجاني زور في السر الذي أفشاه , فاذا كان التزوير قد لحق السر كله سواء بطريق الاصطناع أو إذاعته بعد تشويهه بحيق لا ينبئ إطلاقاً عن حقيقة السر كلياً أو جزئياً فلا جريمة هنا , أما اذا كان التزوير لا يخفي السر كله أو جزء منه بحيث يترتب على الإفشاء معرفة جزء من السر تتحقق الجريمة ويستحق العقاب  .

3- الحصول على السر 

    الحصول على السر يعني دخول السر في حيازة الشخص , سواء انصبت الحيازة على الحيز المادي للسر أم الإحاطة بمضمونه ومعناه ومعرفة فحواه .
    وقد نص المشرع على تجريم الحصول على السر ولم يعنى بالطريقة التي توصل بها الجاني للحصول على السر , بل نص صراحة على التجريم مادام أن الجاني قد توصل إلى ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة , أي عن طريق تدخل وسيط أو وسطاء في ذلك , وسواء كان الجاني قد أتى النشاط بشخصه الحقيقي أو انتحل اسماً كاذباً أو صفة غير صحيحة , مثل الشخص الذي يرتدي زيا رسميا , دون أن يكون له الحق في ذلك وتمكن بذلك من الدخول إلى منطقة محظورة لتصوير بعض المواقع , ففي كل هذه الأحوال تتحقق الجريمة ما دام أن الجاني قد حقق غرضه بالحصول على السر .
    المهم أنه ما دامت الجريمة هنا جريمة عمدية , فإنه يتعين لكي تتحقق الجريمة أن يصدر سلوك إيجابي من الجاني في سبيل التوصل إلى الحصول على السر , بحيث لو وصل السر إلى علم الجاني بطريقة الصدفة مثلا كما لو كان جالسا في مكان وانتهى إلى مسمعه عرضا حديثا يدور حول أمر يعتبر سراً من أسرار الدفاع , فإنه لا يكون مرتكبا لجريمة الانتهاك بهذا الأسلوب , هذا مع عدم الإخلال بوقوع الجريمة في هذه الحالة اذا ما قام هذا الشخص بتسليم السر أو إفشائه

4- إتلاف السر 

    الإتلاف يعني  الإعدام , ولا يتصور في هذا المقام أن يرد الإتلاف إلا على الكيان المادي للسر , بمعنى أنه لا يمكن أن يقصد المشرع بإتلاف السر وروده على مضمون السر أو معناه , وإنما القصد هو إهلاك الوعاء المادي الذي أفرغ فيه السر كما لو كانت ورقة أو صورة أو وثيقة أو جهاز , ومن ثم لا يمكن أن يتصور وقوع الإتلاف على مجرد معلومات سرية يحتفظ بها المكلف بحفظها في ذهنه وان كان هناك جانب من الفقه يذهب إلى أنه يمكن أن يقع الإتلاف في هذه الحالة وذلك بقتل الشخص بما يتضمن ذلك إتلافا للسر وهي صورة نادرة الحدوث ولكنها ليست بمستحيلة  .

5- جعل السر غير صالح للانتفاع به 

    إن السر ما هو إلا شيء لتحقيق منفعة معينة للدولة , وأي فعل يؤدي إلى تعطيل هذه المنفعة يعتبر تعييباً له وبالتالي تتحقق الجريمة , سواء أكان ذلك في صورة إتلاف أو في صورة جعل السر غير صالح للانتفاع به .
    ولا يشترط أن يرد التعييب على السر أو مضمونه بالكامل , بل يمكن أن يكون التعييب جزئياً , فلا يشترط تشويه السر بصورة كاملاً ، ولكن يكتفي أن يصبح السر عديم الفائدة أو عدم قدرته على تحقيق الغرض منه , كما لا يشترط أن يكون التعييب دائماً ولكن يمكن تحقق الجريمة واستحقاق العقاب ولو كان التعييب بصفة مؤقتة .

محاولة انتهاك أسرار الدفاع

    لا ريب أن انتقال الشخص إلى دولة بقصد الحصول على سر من أسرارها , وكذلك مجرد التقصي عن موضع هذا السر , كل ذلك يدخل في عداد الأعمال التحضيرية التي لا عقاب عليها في القانون , فإذا ما بدأ الشخص في الاتصال بأحد من هؤلاء أو تكليف من يتوسط لديهم لبدء الاتصال ، فنكون هنا أمام بدء في التنفيذ ، فإذا أثمرت هذه السلوكيات وتم الحصول على السر فعلاً فنكون أمام جريمة تامة .
    أما إذا وصل إلى حد البدء في التنفيذ وأوقف أثر الفعل أو خاب بسبب خارج عن إرادة الجاني : كما لو قبض عليه أو على الشخص الذي تم الاتصال به, ففي هذه الحالة نكون أمام محاولة ارتكاب الجريمة ما دام أن أثر الجريمة قد خاب أو أوقف بسبب لا يد للجاني فيه .

الفرع الثاني : الركن المعنوي 

    تتميز جريمة انتهاك أسرار الدفاع في أنها من الجرائم العمدية التي تتطلب قصداً خصاً علاوة على القصد العام الواجب توافره في الجرائم العمدية بوجه عام .
    فالقصد العام بعنصرية المعروفين في هذه الجريمة وهو علم الجاني بالسلوكيات المكونة للركن المادي للجريمة , واتجاه إرادته إلى ارتكاب هذه السلوكيات , وطالما أن السلوك المكون للركن المادي للجريمة منصوص عليه قانوناً ، فلا يقبل من الجاني الدفع بجهله بالقانون , كذلك لا عبرة بالباعث الذي دفع الجاني لارتكاب الجريمة ما دام أن القصد الإجرامي قد توافر , كذلك لا يمكن للجاني الدفع بأنه لا يعلم بأن محل الجريمة هو سر من أسرار الدفاع ؛ لأنه من الأمور التي نظمها أيضاً قانون العقوبات وتولي المشرع الجزائي تعريفها صراحة .
    وإذا كان الشارع قد استلزم لوقوع هذه الجريمة قصداً خاصاً متمثلاً في كونها لا تتعلق بمصلحة دولة أجنبية ، فإن الأمر يستلزم بيان ماهية الدولة الأجنبية أو من يعمل لمصلحتها وهو ما سبق الكلام عنه في مجال البحث يعمل لمصلحتها وهو ما سبق الكلام عنه في مجال البحث في جرائم السعي أو التخابر وهو ما تحيل إليه منعاً من الازدواج وكل ما يهمنا في هذا المقام التنويه بأن القانون لا يستلزم سوى أن تكون الدولة أجنبية دون اشتراط أن تكون معادية .
    ويكفي أن يثبت إصرار الجاني وسعيه الدؤوب للحصول على السر ليكون قرينة على توافر القصد الإجرامي الخاص لديه , وكذلك قيامه بإتلاف السر أو جعله غير صالح للانتفاع به دون مقتضي أو سبب ظاهر لكي يعتبر ذلك دليلاً على توافر القصد الخاص لديه , وعلى الجاني إثبات العكس .