الأربعاء، 11 يناير، 2017

شروط الخلع

شــــــروط الخــلــــع


المبحث الأول: ما يشترط في الخلع
المبحث الثاني: ما لا يشترط في الخلع

ما يشترط في الخلع
المطلب الأول: أهلية الزوجين.
لا يصح الخلع إلا من الزوج البالغ العاقل المختار، ويشترط أن تكون الزوجة بالغة رشيدة مختارة( ).
قال ابن عابدين: شرط الخلع أهلية الزوج وكون المرأة محلاً للطلاق منجزاً أو معلقاً على الملك( ).
المطلب الثاني: التراضي بين الزوجين.
قال ابن حزم: إنما يجوز بتراضيهما( ).
قال الشوكاني: المراد حصول التراضي بأي لفظ كان، وعلى أي صيغة وقع( ).
وإذا امتنع الزوج من الخلع فللقاضي إلزام الزوج بالخلع، وله أن يخلع الزوجة من زوجها ولو بغير رضاه، وإنما يشترط رضا الزوج ابتداءً نظراً لعظم حق الزوج، فإن امتنع فلا عبرة برضاه دفعاً للضرر عن المرأة( ).
وأما اعتبار إلزام الحاكم فلارتفاع ثابت وامرأته إلى النبي ^ وإلزامه بأن يقبل الحديقة ويطلق( ).
وقال الشوكاني أيضا: إذا لم يقع الرضا من الزوج ولم يظهر منه ما يدل على الرضا، فللمختلعة الرجوع قبل القبول في العقد والشرط( ).
المطلب الثالث: مخافة الزوجين ألا يقيما حدود الله.
ظاهر الآية أنه لا يجوز الخلع إلا بشرط الخوف ألا يقيما حدود الله، والجمهور على أن الخلع جائز مع التراضي ولو لم يكن هنا شقاق بينهما( ).
وقيل: يحرم الخلع من غير حاجة، فلو طلبت الخلع من غير حاجة أثمت ولم يصح الخلع، وبه قال داود وابن المنذر وهو رواية عن أحمد رجحها ابن قدامة( ).
وقال الظاهرية بأن المخالعة في حال الوفاق بين الزوجين باطلة، ولا يترتب عليها شيء من الفرقة أو سقوط الحقوق أو تملك العوض( ).
قال ابن حزم: قال الشافعي: الخلع جائز بتراضيهما، وإن لم يخف منهما نشوزاً ولا إعراضاً ولا خافا أن لا يقيما حدود الله. وهذا خطأ لأنه قول بلا برهان( ).
وقال الشوكاني: قيد سبحانه حل الافتداء بمخافتهما ألا يقيما حدود الله وظاهر الآية أن الخلع لا يجوز إلا بحصول المخافة منهما جميعاً، بأن يخاف الزوج ألا يمسكها بالمعروف، وتخاف الزوجة أن لا تطيعه كما يجب عليها، ولكنه دل في حديث المختلعة على أن المخافة لعدم إقامة حدود الله من طريق الزوجة كافية في جواز الاختلاع( ).
وقال الحافظ في الفتح: الشقاق إذا حصل من قبل المرأة فقط جاز الخلع والفدية، ولا يتقيد ذلك بوجوده منهما جميعاً، ويشرع إذا كرهت المرأة عشرة الرجل ولو لم يكرهها. واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق بينهما جميعاً وإن وقع من أحدهما لا يندفع الإثم، وهو قوي موافق لظاهر الآيتين، وبه قال طاووس والشعبي وجماعة من التابعين، وأجاب الطبري وغيره عن ظاهر الآية بأن المرأة إذا لم تقم بحقوق الزوج التي أمرت بها كان ذلك منفرا للزوج عنها غالبا ومقتضيا لبغضه لها فنسبت المخافة إليهما لذلك( ).
أما العلامة محمد بن إبراهيم الوزير فقد رد على الذين اشترطوا النشوز بقوله: تأملت فإذا الأمر المشترط فيه خوف أن لا يقيما حدود الله هو طيب المال للزوج لا الخلع لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ) ولم يقل: في الخلع، يوضحه أنه لو ضارها حرم عليه لقوله تعالى: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) نقله في الروضة الندية وقال بعده: والجمهور على أنه ليس بشرط وهو الحق؛ لأن المرأة اشترت الطلاق بمالها، ولذلك لم تحل فيه الرجعة على القول بأنه طلاق( ).
وقال القرطبي في تفسيره: تمسك بهذه الآية: * ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ & [البقرة:229] من رأى اختصاص الخلع بحالة الشقاق والضرر وأنه شرط في الخلع، والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر، وأما الآية فلا حجة فيها لأن الله Q لم يذكرها على جهة الشرط، وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع، فخرج القول على الغالب، والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى: * ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ & [النساء:4] ( ).
 وقال ابن الرفعة: ذكْر الخوف في الآية خرج مخرج الغالب، فإن الأعم الأغلب أن المخالعة إنما تقع في حالة التشاجر، ولأنه إذا جاز في هذه الحالة وهي مضطرة إلى بذل المال، فلأن يجوز في حالة الرضا كان أولى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: * ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ & [النساء:4] ولأنه حل عقد بالتراضي جعل لدفع الضرر فجاز من غير ضرر كالإقالة في البيع( ).
والراجح أنه يشترط لجواز الخلع أن تكون هناك حاجة للزوجة لطلب الخلع من بغض منها لزوجها أو من سوء معاشرته لها أو من خشية أن لا يقيما حدود الله، وهذا شرط ذكره الكتاب العزيز فلا ينبغي تجاوزه وعدم اعتباره، وأقل مراتب اعتباره ثبوت الكراهة بفواته( ).
فإذا طلبت الخلع بلا حاجة وخالعها زوجها صح الخلع مع إثم الزوجة، ومن الحاجة أن يكون الخلع مخرجاً يقصد به بقاء المرأة مع زوجها وهو ما يسمى خلع الحيلة، كأن يطلقها ثلاثاً ويعلقه على دخول رمضان مثلاً ثم يخلعها قبل دخوله على عوض حذراً من وقوع الطلاق، فإذا خرج رمضان عقد عليها، وقد رجح ابن تيمية عدم صحته؛ لأنه ليس المقصود به الفرقة، وإنما يقصد به بقاء المرأة مع زوجها كما يقصد بنكاح المحلل أن يطلقها لتعود إلى الأول، وقال في الإنصاف: غالب الناس واقع في هذه المسألة وكثيراً ما يستعملونها في هذه الأزمنة ففي هذا القول فرج لهم، واختاره ابن القيم في أعلام الموقعين، ونصره من عشرة أوجه( ).
قلت: أخرج البيهقي عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: إذا جاء رمضان فأنت طالق ثلاثاً. وبينه وبين رمضان ستة أشهر فندم فقال ابن عباس: يطلق واحدة فتنقضي عدتها قبل أن يجيء رمضان فإذا مضى خطبها إن شاء( ).
ويستفاد من هذا جواز الحيلة الشرعية بالخلع فهو كالطلاق كلاهما فرقة فإذا تعين أحدهما مخرجاً لبقاء الزوجة فلا حرج * ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ & [البقرة:185].
قال الشوكاني: ليس المعتبر في صحة الخلع إلا ما ذكره الله Q من وقوع المخافة من الزوجين أن لا يقيما حدود الله، فإذا حصل ذلك ووقع منها الافتداء طيبة به نفسها فهذا هو الخلع الذي شرعة الله، وإذا وقع على غير هذا الوجه كأن تكون الزوجة مكرهة أو الزوج مكرهاً أو كان أحدهما صغيراً فهذا ليس هو الخلع الذي أذن الله به، فلا يصح من الأصل ولا يصير رجعياً؛ لأن إيقاع الطلاق إنما كان إلى مقابل المال الذي افتدت به المرأة، فإذا وجد مع كونهما مكلفين مختارين خائفين ألا يقيما حدود الله، فهو خلع بأي صيغة كان وعلى أي صيغة وقع، وإن اختل أحد هذه الأمور فلا يكون خلعا، ولا يثبت به طلاق لا بائن ولا رجعي.
ولا يعتبر في صحة الخلع صدور النشوز من المرأة بالفعل أو عدم إحسان العشرة من الزوج بل المراد حصول مجرد المخافة، فإن كان قد وقع ما خافاه أو أحدهما جازت المخالعة( ).
المطلب الرابع: النية:
يشترط لوقوع الخلع النية من الزوجين.
 قال في حاشية الروض المربع: وإن تخالعا هازلين فلغو، ما لم يكن بلفظ الطلاق أو نيته( ).
وقال النووي: تخالعا هازلين نفذ إن قلنا: إنه طلاق، وإن قلنا: فسخ فهو كبيع الهازل وفيه خلاف.( )
وفي حاشية رد المحتار: خلعها ثم قال: لم أنو به الطلاق لم يصدق قضاء بل ديانة؛ لأن الله عالم بسره، لكن لا يسع المرأة أن تقيم معه؛ لأنها كالقاضي لا تعرف منه إلا الظاهر.
وفيه إشارة إلى اشتراط النية للوقوع بها ديانة وكذا قضاءً إذا لم تكن قرينة من ذكر مال ونحوه كما هو الحكم في سائر الكنايات إلا أن المشايخ قالوا: لا تشترط النية في لفظ الخلع؛ لأنه بحكم غلبة الاستعمال صار كالصريح( ).

ما لا يشترط في الخلع
المطلب الأول: العوض في الخلع.
مذهب الأحناف والمالكية أنه يصح الخلع بلا عوض( )، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية لأمرين:
1.        أن العوض حق للزوج فإذا أسقطه باختياره فلا حرج.
2.        أنه يخالعها على عوض؛ لأنها تسقط حقها من الإنفاق لأنه لو كان الطلاق رجعياً لكانت النفقة مدة العدة على الزوج، فإذا خالعته فلا نفقة عليه، فكأنها بذلت له عوضاً( ).
المطلب الثاني: إيقاع الخلع في طهر الزوجة.
ذهب الجمهور إلى عدم اشتراط إيقاع الخلع في طهر الزوجة الذي لم يمسها زوجها فيه، فيجوز الخلع في الحيض والطهر الذي أصابها فيه( ).
وسيأتي تفصيل هذه المسألة في المبحث الثالث من الفصل الخامس.
المطلب الثالث: حصول الإيجاب والقبول في مجلس العقد.
قال في الروض النضير: اعلم أن الفقهاء اشترطوا في صحة الخلع حصول الإيجاب والقبول أو ما في حكمه في مجلس العقد أو الخبر به قبل الإعراض، وليس في الأدلة ما يفيده، وقد أشار المحقق الجلال إلى ذلك فقال: ظاهر حديث اختلاع امرأة ثابت يقضي بعدم اشتراط العقد وأن المعاطاة كافية في صحة الخلع، وذلك أيضاً ظاهر في أنه لا يشترط كون القبول في مجلس العقد أو في مجلس الخبر به( ).
المطلب الرابع: إذن القاضي.
لا يشترط عند جمهور الفقهاء إذن القاضي في الخلع؛ لأنه عقد بين الزوجين لإنهاء العلاقة الزوجية بالتراضي بينهما، وبإيجاب من أحدهما وقبول من الآخر، وهذا قول الأئمة الأربعة وهو ظاهر لأن الطلاق جائز دون إذن الحاكم وكذلك الخلع( ).
وفي صحيح البخاري أن عمر وعثمان ب أجازا الخلع دون السلطان( ).