الخميس، 29 ديسمبر، 2016

بحث عن مشكلة دارفور

ازمة درافور صراع السودان
مشاكل دارفور

مشكلة دارفور
مشكلة دارفور في غرب السودان
مشكلة دارفور وتداعياتها المحلية والاقليمية والعالمية
بحث عن مشكلة دارفور
تعريف مشكلة دارفور




        با      معلومات أساسية تاريخية واجتماعية
        1 -    السودان
من المهم لفهم الأزمة الحالية في دارفور وضع الحالة في دارفور في نطاق أوسع وبإيجاز. فالسودان هو أكبر بلد في أفريقيا تبلغ مساحته نحو 2.5 مليون كيلومتر مربع تجاوره مصر من الشمال والبحر الأحمر وإريتريا وإثيوبيا من الشرق وأوغندا وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية من الجنوب وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والجماهيرية العربية الليبية من الغرب. ويُقدر عدد سكان السودان بنحو 39 مليون نسمة. وتبلغ نسبة السكان الحضريين 32 في المائة ويمثل سكان الريف نسبة 68 في المائة وتبلغ نسبة البدو 7 في المائة. والإسلام هو الدين السائد لا سيما في الشمال وتسود المسيحية والأديان التقليدية الروحانية في الجنوب. والسودان جمهورية تتبع نظاما اتحاديا في الحكم. ويوجد عدد من المستويات الإدارية، فهناك 26 ولاية تنقسم بدورها إلى 120 محلية.
41 -  والعناصر التي تكون الهوية الوطنية للسودان عناصر معقدة. فيتكون سكان السودان من عدد من القبائل ويتحدث المواطنون أكثر من 130 لغة ولهجة. وبرزت ثقافة إسلامية عربية أفريقية على مدى السنين وأصبحت الثقافة السائدة في شمال البلد. واللغة العربية الآن هي لغة التخاطب في معظم أنحاء السودان وتعد ”اللغة المشتركة“ لمعظم السودانيين.
42 -  ويُعتبر السودان أحد البلدان الأقل نموا ويحتل المرتبة 139 على دليل التنمية البشرية( ) لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ولا توجد هناك شبكة وطنية ملائمة للطرق تربط البلد بعضه ببعض، وتعتمد أجزاء كبيرة من السودان على الاقتصاد الزراعي والاقتصاد الرعوي المعيشي. ومع ذلك فقد تطورت الزراعة التجارية والتنمية الصناعية كما جرى استغلال محدود للموارد الطبيعية في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد اكتشاف النفط في الجزء الأوسط والجنوبي من البلد. ومنذ عهد الاستعمار البريطاني وحتى اليوم تركز الاهتمام في الإقليم الأوسط حيث يلتقي النيلان الأزرق والأبيض نظرا لتركز التنمية والبناء في الخرطوم على منطقة الجزيرة الخصبة حيث يُزرع القطن طويل التيلة بوصفه محصول البلد الرئيسي. وما عدا هاتين المنطقتين فقد ظلت بقية أقاليم السودان الواسعة بما فيها دارفور والمناطق الأخرى مثل كردفان وجبال النوبة وشرق السودان وجنوب السودان مهمشة ومهملة إلى حد بعيد وحتى الإقليم الشمالي الممتد بين الحدود مع مصر والخرطوم لا يزال منطقة صحراوية مقفرة.
43 -  وحصل السودان على استقلاله من الحكم البريطاني المصري في 1 كانون الثاني/يناير 1956. ومنذ حصول السودان على الاستقلال، ظل يتقلب بين النظم العسكرية والحكم الديمقراطي. وعلى مدى 49 عاما من الحكم الوطني شهد السودان عشر سنوات من الديمقراطية في الفترات من 1956 إلى 1958 ومن 1965 إلى 1969 ومن 1985 إلى 1989. وفي الفترة الزمنية المتبقية حكمت السودان نظم عسكرية أتت إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية.
44 -  وبعد سنتين من الحكم الديمقراطي الذي تلا الاستقلال عام 1956 اعتلى الجنرال عبود السلطة عن طريق انقلاب عسكري وقع في تشرين الثاني/نوفمبر 1958. وأيد عبود نشر اللغة العربية والإسلام وهو ما لقي مقاومة في الجنوب. وازدادت القلاقل في الجنوب عام 1962؛ وفي عام 1963 حدث تمرد عسكري. وازداد حجم القمع الحكومي على نطاق البلد. وفي عام 1964 أدت مظاهرات الطلاب في الخرطوم إلى حدوث عصيان مدني عام انتشر بعد ذلك بسرعة. واستقال عبود كرئيس للدولة وعُينت حكومة انتقالية للعمل بموجب الدستور المؤقت لعام 1956.
45 -  وأجرت الحكومة الانتقالية انتخابات في نيسان/أبريل وأيار/مايو 1965. وتشكلت حكومة ائتلافية في حزيران/يونيه 1965 برئاسة أحد السياسيين القياديين في حزب الأمة، محمد أحمد محجوب. إلا أن حكومة محجوب فشلت في الاتفاق على تنفيذ سياسات إصلاحية فعالة. وفي أيار/مايو 1969 استولت مجموعة من الضباط بقيادة العقيد جعفر محمد نميري على السلطة. واعتمد العسكريون إيديولوجية اشتراكية من حزب واحد تحولت في وقت لاحق إلى الإسلام السياسي. وفي شباط/فبراير 1972 وقّع نميري ما سُمي باتفاق أديس أبابا مع متمردين من الجنوب وفَّر نوعا من الحكم الذاتي للجنوب. وأتاح هذا الاتفاق تحقيق سلام على مدى الأحد عشر عاما التالية. إلا أن الجنرال نميري اتخذ في السنوات الأخيرة من حكمه عددا من الإجراءات لتشديد قبضته على السلطة. وبعد اكتشاف البترول في الجنوب نفذ نميري إجراءات لإدماج المناطق الجنوبية الغنية بالبترول في الشمال وألغى منحة الحكم الذاتي للجنوب. وفضلا عن ذلك وفي أيلول/سبتمبر 1983 وتحت تأثير حسن الترابي زعيم الجبهة الإسلامية القومية ومنظمة الإخوان المسلمين أدخل نميري حكم الشريعة. وأدت جميع هذه الخطوات إلى رد فعل قوي في الجنوب وفي النهاية إلى نشوب الحرب الثانية مع الجنوب في عام 1983. وكان ثمة تدابير رئيسية أخرى تتصل بالقوانين التي تحكم ملكية الأرض ونظم الإدارة المحلية والقبلية مثلما هو مذكور أدناه.
46 -  وأخيرا، ففي نيسان/أبريل 1985 وبعد 16 سنة من الحكم تم إسقاط حكومة نميري العسكرية عن طريق انقلاب عسكري نظمه ضباط الجيش وتشكل مجلس عسكري انتقالي بقيادة الفريق عبد الرحمن سوار الدهب. ونُظمت انتخابات في عام 1986 أدت إلى فوز الصادق المهدي رئيس حزب الأمة الذي أصبح رئيسا للوزراء. واستمرت حكومة المهدي أقل من أربع سنوات. وشرعت أثناء تلك الفترة في اتخاذ بعض التدابير المهمة ولكنها واجهت تحديات خطيرة شملت استمرار الحرب في الجنوب إضافة إلى أزمتي الجفاف والتصحر.
47 -  ووصل الرئيس الحالي للسودان الفريق عمر حسن البشير إلى السلطة في حزيران/يونيه 1989 بعد انقلاب عسكري نظمه هو بالتعاون مع الإخوان المسلمين. وتعرض كثير من السودانيين للسجن أو اضطروا إلى العيش في المنفى بعد الانقلاب. وتعرضت الممتلكات للمصادرة وحُظرت الأحزاب السياسية. وخضع البشير مثل نميري لتأثير قوي من زعيم الجبهة الإسلامية القومية حسن الترابي. وابتداء من عام 1989 تم تغيير النظم القانونية والقضائية بدرجة كبيرة لكي تناسب مفهوم الحزب للإسلام السياسي.
48 -  وأُدخل تعديل على القاعدة الإيديولوجية للحزب الحاكم في عام 1998 بصياغة دستور جديد وبدء سريانه في 1 تموز/يوليه 1998 وإجراء انتخابات في كانون الأول/ديسمبر من تلك السنة. ولا يزال دستور عام 1998 يمثل إيديولوجية صارمة، وينص على نظام اتحادي للحكم ويكفل بعض الحقوق الأساسية المهمة. وأدت الانتخابات التي جرت عام 1998 والتي قاطعتها جميع أحزاب المعارضة الرئيسية إلى انتخاب الرئيس البشير لفترة خمس سنوات أخرى وحصول حزب المؤتمر الوطني على 340 مقعدا برلمانيا من جملة 360 مقعدا. وأصبح الترابي رئيسا للمجلس الوطني (البرلمان). وواصل أعضاء الحزب تولي المناصب الرئيسية وممارسة نفوذهم القوي على الحكومة وعلى قوات الجيش والأمن والهيئة القضائية والمؤسسات الأكاديمية ووسائط الإعلام.
49 -  وفي عام 1999 حدث صراع على السلطة داخل المؤتمر الوطني أدى بالرئيس البشير إلى إعلان حالة الطوارئ وحل المجلس الوطني (البرلمان) وتعليق أحكام مهمة من الدستور، بما فيها تلك المتعلقة بهيكل الحكم المحلي في الولايات. وفي أيار/مايو 2000، قاد الترابي إنشقاقا من ”المؤتمر الوطني“ نتج عنه إنشاء حزب جديد سمي ”المؤتمر الشعبي“. وفُصل العديد من المسؤولين المرتبطين بالترابي من الحكومة. وفي أيار/مايو 2001، جرى التحفظ على الترابي نفسه في مقر إقامته، واتهم في وقت لاحق بتنظيم انقلاب عسكري. ثم احتجز ولا يزال قيد الاحتجاز حتى اليوم. وهناك 70 عضوا رئيسيا من أعضاء ”المؤتمر الشعبي“ لا يزالون محتجزين دون أن توجه إليهم تهم ودون تقديمهم للمحاكمة، وهرب عدد منهم للعيش في المنفى خارج السودان.
50 -  وكان لنشوب الصراع الداخلي بين الشمال والجنوب عام 1983، أثر كبير على السودان من عدة أوجه. فهو أطول صراع في أفريقيا تخللته انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتسبب في كوارث بشرية كبيرة. وقتل أثناء الصراع أكثر من مليوني شخص، وأجبر أكثر من 4.5 ملايين شخص على ترك منازلهم. إلا أنه وبعد عدد من سنوات الحرب ونتيجة لضغط دولي قوي، دخلت الحكومة وحركة التمرد الرئيسية في الجنوب، وهي الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان، في محادثات للسلام في عام 2002. وأحرزت عملية السلام في السودان برعاية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد)، والدعم الذي قدمته المجموعة الثلاثية (الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية والنرويج) تقدما مهما. وفي تموز/يوليه 2002، وقع الطرفان بروتوكول ميشاكوس، الذي توصلا فيه إلى اتفاق محدد بشأن إطار عام يضع مبادئ للحكم مع تحديد المقومات لعملية انتقالية وهياكل للحكم، إضافة إلى حق سكان الجنوب في تقرير المصير. كما اتفقا على مواصلة المحادثات بشأن القضايا العالقة فيما يتعلق بتقاسم السلطة والثروة ووقف إطلاق النار. وأحرزت عملية السلام التي رعتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) تقدما كبيرا بتوقيع مجموعة من البروتوكولات الإطارية في نيفاشا بكينيا، في 2003 و 2004. وفي 31 كانون الأول/ديسمبر 2004، وقع الطرفان بروتوكولين يتعلقان بطرق تنفيذ الوقف الدائم لإطلاق النار، مما أنهى المحادثات والمفاوضات في نيفاشا. وبلغت العملية أوجها في 9 كانون الثاني/يناير 2005، عندما وقَّع طه النائب الأول للرئيس وجون قرنغ رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان، في احتفال رسمي، اتفاق السلام الشامل الذي ضم جميع الوثائق الموقعة في السابق بما فيها البروتوكولان الموقعان في 31 كانون الأول/ديسمبر 2004. ويشكل اتفاق السلام الشامل نهاية لعقدين من الحرب الأهلية، وينص على فترة انتقالية مدتها 6 أشهر، تليها فترة انتقالية مدتها 6 سنوات، تنتهي بإجراء استفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان. وينص اتفاق السلام الشامل على الشروع في عملية فورية تفضي إلى صياغة دستور وطني مؤقت. وتؤلف لجنة من 7 أعضاء لكل طرف، مهمتها صياغة الدستور، ثم يطرح الدستور لمراجعة دستورية وطنية.

        2 -    دارفور
51 -  يقع إقليم دارفور في الجزء الغربي من السودان، وهو منطقة شاسعة جغرافيا تبلغ مساحتها نحو 000 250 كيلومتر مربع. ويقدر عدد سكان الإقليم بنحو 6 ملايين نسمة. ولدارفور حدود مع الجماهيرية العربية الليبية وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. ومنذ عام 1994، قسّم الإقليم إداريا إلى ثلاث ولايات هي ولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وغرب دارفور. ومثل جميع الولايات الأخرى في السودان، تعين الحكومة المركزية في الخرطوم واليا لكل واحدة من الولايات الثلاث بدارفور تدعمه إدارة محلية. تشمل المراكز الحضرية الرئيسية عواصم الولايات الثلاث في دارفور وهي، نيالا في جنوب دارفور، والجنينة في غرب دارفور، والفاشر عاصمة شمالي دارفور، وهي أيضا العاصمة التاريخية للإقليم. وبالإضافة إلى ذلك تنتشر عدة مدن رئيسية في أرجاء الإقليم، تعد مراكز تجارية وإدارية محلية. وتسكن غالبية الســـكان في قرى ونواح صغـــيرة تتألف في الغالب من مئات قليلة من الأسر. ويقوم اقتصاد ولايات دارفور الثلاث أساســا على الزراعة المعيشــية والزراعة الصــناعية المحدودة إضــــافة إلى رعي المواشي.
52 -  ودارفور سلطنة برزت إلى الوجود عام 1650 في منطقة هضبة جبل مرة. وتجاوزت فترات اضطراب قليلة حتى سقطت في أيدي البريطانيين عام 1917 وضمت إلى السودان الحقيقي( ). ويسكن الإقليم مجموعات قبلية يمكن تصنيفها بطرق متعددة. بيد أن الفوارق بين هذه المجموعات ليست قاطعة، وتظهر علاماتها بصورة بارزة عند نشوب نزاعات. وبالرغم من ذلك، فإن الإنتماءات الفردية لا تزال تعتمد بشدة على التبعيات القبلية. ولا يزال الهيكل القبلي التاريخي الذي يعود إلى عدة قرون ساريا في دارفور، بالرغم من الضعف الذي تعرض له بعد إدخال نظام الحكم المحلي في عهد نميري. وبعض القبائل هي قبائل زراعية مقيمة تعيش أساسا على إنتاج المحاصيل أثناء وبعد موسم الأمطار الذي يمتد من تموز/يوليه إلى أيلول/سبتمبر. كما تمثل بعض القبائل المقيمة رعاة الأبقار. ومن بين القبائل الزراعية نجد الفور والبارني والتاما والجبل والأرانجا والمساليت. ومن بين القبائل المقيمة الرئيسية تشكل الرزيقات المجموعات الرئيسية في الجنوب إضافة إلى الزغاوة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن عددا من القبائل البدوية أو شبه البدوية توجد تقليديا في دارفور، وهي ترعى المواشي والإبل، ومن بينها التعايشة والحبانية والبني حلبه والمحاميد وغيرهم. وينبغي الإشارة إلى أن جميع القبائل في دارفور يؤمنون بنفس الدين (دين الإسلام). وفي حين تحتفظ بعض القبائل بلغاتها الأصلية، فإن العربية هي لغة التخاطب المعتادة.
53 -  وظلت قضية الأرض لزمن طويل تحتل مركز الصدارة على الساحة السياسية في دارفور. وكانت ملكية الأرض في دارفور في العادة ملكية مشاعة. فالتقسيم التقليدي للأرض إلى ديار، وهي أساسا مناطق يمكن أن يقال إن لفرادى القبائل حقوقا تاريخية فيها، يعتبر عنصرا حيويا من التصور الذاتي المحلي للسكان. وترجع نسبة الأرض إلى فرادى القبائل الموجودة حاليا إلى بداية القرن العشرين، عندما أصدر آخر سلاطين دارفور، وهو السلطان علي دينار، مرسوما بهذا التقسيم الذي قبلته جميع القبائل تقريبا. وبالرغم من أن هذا التقسيم التقليدي لم يحدد الديار جغرافيا بطريقة دقيقة، يمكن تقديم بعض الملاحظات العامة. فعلى سبيل المثال، تسود قبيلة الزغاوة الأجزاء الشمالية من ولاية غرب دارفور وبعض الأجزاء الغربية من ولاية شمال دارفور، ويشار إلى المنطقة ذاتها بأنها دار زغاوة. وفي المنطقة المحيطة بالجنينة وإلى الجنوب منها، وهي لا تزال في غرب دارفور، توجد دار قبيلة المساليت. وفي الوقت الذي يمكن أن يعني فيه اسم دارفور أن الأرض هي دار الفور، فإن المنطقة الفعلية التي توجد فيها دار هذه القبيلة تنتشر في وسط إقليم دارفور أي المنطقة المحيطة بجبل مرة. وتشمل المنطقة التي تتلاقى فيها حدود ولايات دارفور الثلاث، وتمتد أيضا إلى داخل الولايات الثلاث. وتوجد الرزيقات أساسا في الأجزاء الجنوبية من جنوب دارفور. ومثلمـــا لوحظ، فإن بعض القبائل ولا سيما معظم القبائل البدوية لا تملك أرضا، ولكنها تنتقل في العادة عبر الأراضي المملوكة للقبائل الأخرى(8). وبالرغم من أن هذا التوزيع التقليدي للأراضي إلى ديار لمختلف القبائل ظل موجودا لعدة سنوات، فقد كان من شأن التزاوج على نطاق واسع والتواصل الاجتماعي والاقتصادي بين القبائل أن جعل التمييز الواضح بين القبائل والديار أقل دقة. وبالرغم من ذلك فإن التصور الذاتي للسكان كأفراد من القبائل وأعضاء في شبكات اجتماعية تتصل بهياكل قبلية، يظل سمة أساسية من الوجهة الديموغرافية في دارفور.
54 -  ومن الناحية التاريخية، كانت الأرض ملكا مشاعا لأعضاء القبيلة، يحدد أوجه استخدامها زعيم القبيلة. وكان لزعماء القبائل سلطات واسعة في تخصيص أجزاء من الأرض لأفراد القبائل بغرض السكن والرعي والزراعة وأشكال الاستخدام الأخرى. وفي فترة السبعينات، تغيرت قوانين الأرض وأصبحت الملكية الفردية ممكنة. وبالرغم من نسبة ملكية الأرض حاليا إلى الدولة، فإن من يملك الأرض لمدة سنة على الأقل يمكنه ادعاء الحق القانوني بها. أما من لا يملكون أرضا، فقد أصبح لديهم حافز إضافي بإظهار ولائهم للحكومة من أجل الحصول على الأرض.
55 -  وكان للتحولات الإيكولوجية والديموغرافية في السنوات الأخيرة أثر على العلاقات فيما بين القبائل. فدارفور جزء من منطقة الصحراء الكبرى. وبالرغم من وجود مناطق زراعية في دارفور، لا سيما في هضبة جبل مرة، فإن معظم هذا الإقليم لا يزال أرضا صحراوية جرداء. وكان للجفاف والتصحر أثر كبير عليه في فترة السبعينات والثمانينات، وازدادت حدة القتال بسبب ندرة الموارد. وظهرت النزاعات بصفة خاصة بين المزارعين ورعاة الأبقار. وكثيرا ما كان رعاة الأبقار في بحثهم عن المرعى والماء يقومون بغزو حقول المزارعين، وأدى ذلك إلى صدامات دموية على النحو المبين أدناه. ولم تحترم المسارات التي تم الاتفاق عليها بين القبائل لتسهيل حركة المواشي لعدة سنوات. وأصبحت الأراضي الخصبة نادرة، وقل بالتالي تسامح السكان المقيمين تجاه الزوار الموسميين( ).
56 -  وكان للجفاف والتصحر آثارهما ليس فقط على دارفور وإنما أيضا على منطقة الصحراء بأكملها مما أدى إلى زيادة هجرة المجموعات البدوية من تشاد والجماهيرية العربية الليبية ودول أخرى إلى المناطق الأكثر خصوبة في دارفور. ولا خلاف بوجه عام على أنه في الوقت الذي يتم فيه استيعاب هذه الهجرة أساسا من قبل الجماعات الأصلية في دارفور فإن زيادة التدفق وما صحبه من قسوة الأوضاع المعيشية أثناء الجفاف أديا إلى حدوث مناوشات وظهور توترات بين القادمين الجدد والسكان المحليين( )ٍ.
57 -  وكان من المتعارف عليه أن تقوم القبائل في دارفور بحل نزاعاتها بالطرق القانونية العرفية، خاصة وأن كثيرا من النزاعات التي تحدث بين القبائل البدوية والقبائل المقيمة في حالات القتل وحوادث سرقة المواشي يمكن أن تتطور إلى نزاعات بين القبائل. وكانت المنازعات بين أفراد القبائل تسوى سلميا على يد زعماء القبائل المعنيين الذين يجتمعون من أجل التوصل إلى حل يكون مقبولا من الجهتين. وكان ينظر إلى الدولة حينذاك بأنها وسيط محايد. ولكن الرئيس نميري أدخل هياكل جديدة للإدارة المحلية وألغى رسميا النظام القبلي. ومنح مديري التشكيلات الجديدة الذين تعينهم الحكومة المركزية سلطات تنفيذية وقضائية. وبالرغم من استمرار القبائل في الاحتكام إلى النظام القبلي بطرق غير رسمية فقد تعرض هذا النظام لإضعاف شديد. وكان الزعماء المحليون يختارون على أساس ولائهم السياسي للنظام لا على أساس مركزهم في المجتمع المحلي. وفي بعض الأحيان كانت تقدم لهم الأموال وتعزز مراكزهم لا سيما عن طريق جهاز الأمن في الدولة. وكان معنى ذلك أنه عندما تتدخل الدولة لحل صراع تقليدي ما، لم يكن ينظر إليها بوصفها حكما محايدا.
58 -  وضاعف من حدة الصراع بين القبائل تزايد فرص الحصول على الأسلحة عن طريق تشاد والجماهيرية العربية الليبية بصفة خاصة. وكانت الجماهيرية تتطلع إلى إقامة نظام صديق في تشاد. وأدت محاولات احتواء الطموحات الليبية في المنطقة بالعديد من الحكومات الأجنبية إلى إغراق المنطقة بالأسلحة. وبالإضافة إلى ذلك، انطلق العديد من عمليات التمرد المسلحة التشادية من دارفور. وكان للصراع في جنوب السودان أثره أيضا على المنطقة نتيجة تسهيل الحصول على الأسلحة. ومن ثم، بدأت كل قبيلة كبيرة وكذلك بعض القرى في تنظيم مليشيات ومجموعات للدفاع عن القرى، وهذه في جوهرها مجموعات من الرجال المسلحين المتأهبين للدفاع عن وتعزيز مصالح القبيلة أو القرية.
59 -  ووقعت مناوشات قبلية في الجزء الأخير من فترة الثمانينات بين القبائل المقيمة والقبائل البدوية أساسا، ولا سيما بين الفور وعدد من القبائل البدوية العربية التي نظمت نفسها في شكل تحالف اسمه ”تجمع العرب“، في حين أنشأ بعض من أفراد قبيلة الفور مجموعة أطلقوا عليها ”الحزام الأفريقي“. وتوسطت الحكومة والزعماء القبليون المحليون لحل النزاع في عام 1990 ولكن التوترات استمرت على مدى السنوات اللاحقة. كما استمرت المناوشات بين هذه القبائل. وأدى ذلك أيضا إلى انتشار التذمر في أوساط سكان دارفور ضد حكومة البشير التي لم تكن فيما يبدو قادرة أو راغبة في التصدي الفعال للحالة المتدهورة في دارفور.
60 -  وفي سياق الصراع الحالي في دارفور وفي السنوات السابقة له برز موضوع التفريق بين القبائل الأفريقية والعربية وازدادت أهمية الهوية القبلية للأفراد. وجاء التفريق إلى حد كبير بفعل الآثار التراكمية للتهميش وتزاحم المصالح الاقتصادية، وجاء مؤخرا نتيجة الاستقطاب السياسي الذي عم المنطقة. وأصبح التفريق بين ”العربي“ و ”الأفريقي“ الذي كان عديم الأثر في السابق سببا في الوقوف على جانبين مختلفين من الصراع السياسي. وتلعب نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين دورا رئيسيا في هذا السياق.