دور الوقف في دعم مؤسسات الرعاية الصحية

دور الوقف في دعم مؤسسات الرعاية الصحية


دور الوقف في دعم الخدمات الصحية
دور الوقف في تمويل متطلبات التنمية البشرية
دور الأوقاف الإسلامية في مجال الرعاية الصحية
دور الوقف في تفعيل الرعاية الصحية
لوقف ودعم مؤسسات الرعاية الصحية ندوة مكانة الوقف وأثره
القطاع الصحي الخيري ودوره في المجتمع 



أولاً: مساهمة الوقف فـي مجال الطب والرعاية الصحية عبر التاريخ الإسلامي:
إن المتتبع لتاريخ الطب والمستشفيات في الإسلام يجد تلازماً شبه تام بين تطور الأوقاف واتساع نطاقها وانتشارها في جميع بلاد المسلمين من جهة وبين تقدم الطب، كعلم وكمهنة، والتوسع في مجال الرعاية الصحية للمواطنين من جهة أخرى. حيث يكاد يكون الوقف هو المصدر الأول والوحيد في كثير من الأحيان للإنفاق على العديد من المتشفيات والمدارس والمعاهد الطبية، وأحياناً تجد مدناً طبية متكاملة تمول من ريع الأوقاف،  علاوة على ما تقدمه الأوقاف من أموال تصرف على بعض الأمور المتعلقة بالصحة مثل الحمامات العامة وتغذية الأطفال ورعاية العاجزين وغير ذلك.
وقد ظل الحال على هذا قروناً عديدة ولذلك يذهب كثير من المحللين للتاريخ الإسلامي إلى أن التقدم العلمي وازدهار علم الطب والصيدلية والكيمياء في بلاد المسلمين كان ثمرة من ثمرات نظام الوقف الإسلامي( ) ولا يتسع المجال لحصر الأوقاف الإسلامية في مجال الطب والصيدلة والتمريض والتعليم الطبي، ولكن نورد هنا بعض الأمثلة لذلك باختصار.
1 – المستشفيات:
وقفت المستشفيات في كثير من بلاد المسلمين ووقف عليها الأراضي والبساتين والدور والحوانيت وغيرها، لضمان استمرارها في تقديم خدماتها، ولم تكن هذه المستشفيات أماكن للعلاج فقط بل كانت أيضا معاهد للتعليم في مجال الطب والتمريض، كما كان يكفل للمريض فيها العلاج والغذاء والكسوة وجميع متطلباته. وقد كان يطلق على المستشفيات لفظ (مارستان) وهي كلمة فارسية تعني دار المريض ومن أشهر تلك المستشفيات، المستشفى العضدي ببغداد والمستشفى المنصوري في القاهرة والمستشفى النوري في دمشق والمستشفى المنصوري بمكة المكرمة وغيرها كثير.
وعلى سبيل المثال عرف عن المارستان المنصوري بالقاهرة دقة التنظيم وفائق العناية بالمرضى. وقد أنشئ سنة 682هـ لعلاج الملك والمملوك، والكبير والصغير، والحر والعبد، وكان هذا المستشفى الكبير الذي وصفه (ابن بطوطة) بأنه يعجز الواصف عن محاسنه، كان مقسماً إلى أربعة أقسام: للحميات، والرمد، والجراحة والنساء وخصص لكل مريض فرش كامل، وعين له الأطباء والصيادلة والخدم، كما زود بمطبخ كبير، وكان المريض إذا ما برئ وخرج تلقى منحة وكسوة.
وقدرت الحالات التي يعالجها المستشفى في اليوم الواحد بعدة آلاف، وألحقت به مدرسة للطب يجلس فيها رئيس الأطباء لإلقاء درس طب ينتفع به الطلبة( ).
ومن أشهر تلك المستشفيات التي قامت على الوقف مارستان
ابن طولون بناه أحمد بن طولون في عام 259هـ، ويعرف بالبيمارستان العتيق.
ولما فرغ منه حبس عليه دار الديوان، ودوره في الأسكافة والقيسارية وسوق الرقيق.. وعمل حمامين للمارستان أحدهما للرجال والآخر للنساء. حبسهما على المارستان وغيره، وشرط أنه إذا جيء بالعليل تنزع ثيابه ونفقته وتحفظ عند أمين المارستان ثم يلبس ثياباً ويفرش له ويغدى عليه ويراح بالأدوية والأغذية والأطباء حتى يبرأ…
وقد ظل هذا المارستان قائماً يؤدي خدماته للمرضى إلى القرن التاسع الهجري( ).
وهكذا كان القادرون من المسلمين يتسابقون في وقف المستشفيات والوقف عليها من أموالهم وممتلكاتهم مما أدى إلى ازدهار مهنة الطب عندهم، حيث بلغ عدد المستشفيات في بعض المدن أكثر من خمسين مستشفى في وقت واحد، بينما لم يكن يوجد في أوروبا في حينه أي مستشفى يوازي أياً منها( ).
ولقد بلغ من عناية المسلمين بالمستشفيات لكي تقوم بأداء الخدمات نحو مرضاها بصورة متكاملة وتساهم في تطور صحة المجتمع، أنه كانت توقف الوقوف الكاملة لبناء أحياء طبية متكاملة الخدمات والمرافق، كما تنشأ في العصر الحديث المدن الطبية الآن، إذ في العصور الإسلامية الزاهرة كانت تقام هناك المدن الطبية كذلك.
ويذكر ابن جبير في رحلته عند وروده بغداد بأنه وجد حياً كاملاً ومهما من أحياء بغداد يشبه المدينة الصغيرة، كان يسمى بسوق المارستان يتوسطه قصر فخم جميل وكبير تحيط به الفياض والرياض والمقاصير والبيوت المتعددة وجميع المراقق الملوكية على حد تعبيره وكلها أوقاف أوقفت على علاج المرضى، وكانت تأمة المرضى وطلبة الطب والأطباء والصيادلة والذين يقومون على تقديم الخدمات إذ كانت الخدمات والنفقات جارية عليهم من الأموال الموقوفة في أطراف بغداد على هذا الحي الزاهر( ).
2 – التعليم الطبي:
انطلاقاً من اهتمام المسلمين بشؤون الصحة فقد تنبهوا لأهمية التعليم الطبي نظرياً وعملياً وأنشأوا المستشفيات التعليمية المتخصصة من أموال الوقف ومن ذلك إنشاء مستشفيات متخصصة للرمد وأخرى للأمراض العقلية وأخرى لمعالجة الجذام وغيرها. ويقال أن أول من سن هذه الطريقة هو الخليفة المأمون إذ بنى هذه المستشفيات المتخصصة في المدن الكبيرة وأوقف عليها وأرصد لها الحوانيت والمسقفات للصرف من ريعها على احتياجات هذه المستشفيات وقد وجدت هذه المستشفيات التعليمية في كافة أنحاء العالم الإسلامي. وكان الطلبة يتمرنون في هذه المستشفيات تحت إشراف أساتذتهم.
أما كليات الطب ذات الدراسة المنتظمة فقد أتت في مرحلة لاحقة على ذلك، إذ نجد الوقفيات في العصر العباسي ابتدأت تشترط إنشاء كليات للطب متخصصة، وأن تنشأ بحيث تتزامن مع إنشاء المستشفيات التعليمية، فقد ألحقت مدرسة للطب مثلاً بمدرسة المستنصرية، واشترطت الوقفية التي أنشأت هذه الكلية أن يتردد الأطباء الأستاذة مع طلبتهم على مرضى مدرسة المستنصرية صباح كل يوم لمعالجة طلبتها وإعطائهم الدواء، وأن  تكون هنالك أقسام داخلية للطلبة مع مخصصات شهرية تدفع لدارسي الطب عدا المواد العينية التي كانت توزع عليهم كل يوم.
وقد كان تدريس الطب نظرياً يجري في تلك المستشفيات، حيث كان في المستشفيات الكبرى قاعات كبيرة للمحاضرات يلقى بها الأساتذة محاضراتهم والطلبة معهم كتبهم وآلاتهم، وتجرى المناقشات الطبية ثم يصطحب الأستاذ تلامذته للمرور على المرضى لمعالجتهم ولتمرين الطلاب على الحالات العملية.
ولم يكن يسمح للطبيب بعد تخرجه بالمعاينة والمعالجة إلا بعد أن يؤدي اختباراً أمام كبير الأطباء ويقدم رسالة في نوع تخصصه الذي يرغب الحصول على الإجازة فيه مثل حقل الجراحة، والكحالة أو أمراض العظام والتجبير أو في غيرها من التخصصات، فإذا اجتاز الاختبار منح الشهادة وزاول مهنة الطب( ).
3 – البحث العلمي والتأليف في مجال الطب والصيدلة:
لقد كان للوقف الإسلامي الذي خصص وأنفق على المستشفيات وعلى النشاطات التعليمية الطبية والعلمية والمرتبطة بالطب أثره الواضح على تقدم البحث العلمي في الكيمياء والصيدلة، وكانت كليات الطب والمستشفيات التعليمية هي المختبرات العلمية لتطور ولتطوير علم الأقرباذين وعلم النبات وعلم الصيدلة.وكانت هذه المستشفيات التي اعتمدت على الأموال الموقوفة سبباً في تحقيق الإنجازات الرئيسية في الفروع المتصلة بعلم الكيمياء والأدوية. ونتيجة ما انفتح من أبواب الإيقاف على البحث العلمي خاصة من قبل من كان يدخل هذه المستشفيات ويخرج منها بعد ذلك معافى بفضل الله ومنه. لذا فان القادرين والمؤسرين منهم وعرفاناً منهم لفضل الله تعالى عليهم، وتقديراً منهم للجهود المبذولة من قبل طلبة وأساتذة هذه المستشفيات، ولما يشاهدوه من وافر العناية والرعاية والتطبيب الذي كانوا يلاقونه فيها أخذوا يحبسون الكثير من أموالهم على هذه المستشفيات التعليمية( ).
وقد خصصت أوقافاً مقررة للإنفاق على تأليف الكتب في الصيدلة والطب واستطاع الأساتذة أن يكملوا كتبهم نتيجة مثل هذا التعضيد العلمي من هذه الأموال الموقوفة. ومن أمثلة ذلك (كتاب البيمارستانات) لزاهد العلماء الفارقي عميد أحد المستشفيات في القرن الخامس الهجري وكتاب (مقالة أمينية في الأدوية البيمارستانية) لابن التلميذ والدستور البيمارستاني تأليف
ابن أبي عببان، وكتاب (صفات البيمارستان) للرازي في العلوم الطبية كذلك إذ هو أحد أهم الإنجازات التي نتجت عن مثل هذا التعضيد من قبل الواقفين.
وقام مشاهير الأطباء بتأليف أهم المؤلفات الطبية والتي تعد فخراً للتراث العربي والإسلامي ولتأثيره في الحضارة الإنسانية جمعاء، فمثلاً إن كتاب الكليات في الطب لابن رشد عندما ابتدأ الغرب يستيقظ أنشأوا له أول معهد دراسي علمي في جنوبي إيطاليا وهو أول معهد في أوروبا كلها قد أنشأوه على نسق المدارس العربية فترجم هذا المعهد كتاب الكليات في الطب إلى اللاتينية تحت عنوان (Colliget)  فأصبح هو الكتاب الرئيسي لتدريس الطب في أوروبا، إذ إن الطب هو أول دراسة عليا اقتبسها الغرب من العرب واصبح مفهوم (Colliget) يطلق على مركز الدراسة هذا، كما أطلق على الدراسة نفسها التي تطورت أخيراً إلى مفهوم (College) وهذا الاصطلاح ما هو إلا تحوير لاسم كتاب الكليات لابن رشد.
ومن مشاهير الأطباء الذين ألفوا وترجموا العديد من الكتب الهامة، الرازى الذي ألف 237 كتاباً ورسالة في الطب والفلسفة من أهمها الحاوى في الطب، ومن أشهر من ألف كذلك ابن التلميذ المتوفي سنة 560 هجرية الذي ألف كتابه المشهور الملكي. والرئيس ابن سينا صاحب كتاب القانون وعلي بن عيسى طبيب العيون الذي ألف تذكرة الكمالين الذي وصف فيه30 مرضاً من أمراض العيون، و ابن جزلة صاحب كتاب تقويم الأبدان، والرازي الذي وصف أمراض الحصبة والجديري وكيفية علاجهما، وابن زهر الذي وصف الحوادث السريرية والأمراض الباطنية( ).
4 – بعض الجوانب المتعلقة بالصحة:
ساهم الوقف الإسلامي عبر التاريخ في تقديم الخدمات العامة للإنسان في مختلف جوانب الحياة، فعلاوة على وقف المستشفيات والإنفاق على تعليم الطب وتعلمه وما يتصل بذلك، نجد أن الوقف قد شمل أموراً كثيرة ذات علاقة بصحة الإنسان ومنها الوقف على إنشاء وصيانة الحمامات العامة وما يتبعها. فقد احتوت أكثر الوقفيات الخاصة بإنشاء المستشفيات على إنشاء مرافق النظافة والحمامات العامة ومجاري المياه والصهاريج، كما شملت الأوقاف العناية بالأطفال وتغذيتهم، ورعاية العاجزين والعميان والمقعدين وكبار السن وغيرهم من فئات المجتمع الذين هم بحاجة إلى مثل هذا الخدمات. ولا يتسع المجال لسرد الأمثلة من أوقاف المسلمين على كل ما يتعلق بالصحة والرعاية الصحية عبر التاريخ الإسلامي الزاهر. ولكن السؤال الهام هو ماذا فعل المسلمون اليوم وماذا قدم الواقفون في هذا المجال في عصرنا الحاضر؟

ثانياً: وضع الوقف اليوم وموقفه من مؤسسات الرعاية الصحية:
تبين لنا خلال العرض السريع في الفقرة السابقة، ما قدمه الوقف، كمؤسسة إسلامية أو كنظام إسلامي، في مجال الرعاية الصحية لأفراد المجتمع الإسلامي على اختلاف فئاتهم العمرية والمهنية والاقتصادية والاجتاعية، وما أسهمت به أموال الأوقاف في دعم التقدم العلمي في كافة المجالات وفي مجال الطب والتمريض والصيدلة خاصة. وقد كان ذلك كله ضمن منظومة الأنشطة الوقفية والأعمال الخيرية التي عمت المجتمعات الإسلامية خلال تلك العصور وأسهمت في تقدمها في كافة المجالات.
وقد خبت جذوة هذه الأنشطة وتراجع دور الوقف خلال العصور المتأخرة حتى أصبح اليوم مقصوراً على بعض الأعمال الخيرية مثل المساجد أو بعض الأربطة والأضاحي وما إلى ذلك من أعمال خيرية محدودة النفع. وقد ساعد على هذا الوضع فتور همة الكثير من المسلمين في إيقاف أموالهم لأعمال البر ذات النفع  العام لأسباب كثيرة – سبقت الإشارة إلى بعضها في المبحث الأول – ومنها تغير نمط الحياة في العصور الحديثة حيث أصبحت الحكومات تتولى الإشراف على كافة الخدمات المقدمة للمواطنين ومن أهمها الخدمات الصحية. وكذلك استيلاء الحكومات على الكثير من الأوقاف السابقة في كافة أنحاء العالم الإسلامي إلا ما ندر، مما لم يبق أمام الناس نماذج حية لأعمال الوقف التي يشاهدون ثمارها في خدمة مجتمعاتهم ويحاولون دعمها والإكثار منها، حيث لا يكاد يوجد مستشفى واحد على سبيل المثال من تلك المستشفيات الكبرى التي أشرنا إليها والتي بقي أخرها إلى بداية القرن الحالي وخاصة في تركيا حيث عمد كمال أتاتورك إلى محو الأوقاف الإسلامية، حتى أنه أحال أخر مستشفى منها عام 1927م إلى مخزن للتبغ( ).
والمتتبع لإحصائيات وزارات الأوقاف في بعض دول العالم الإسلامي في اليوم، وخاصة الغنية منها لا يكاد يجد ما يشير إلى الوقف في مجال الرعاية الصحية. وعلى سبيل المثال: في المملكة العربية السعودية، تشير إحصائيات وزارة الشؤون الإسلامية إلى أن نسبة 60.4% من الأوقاف المخصصة للشؤون الخيرية غير المساجد وشؤون الدعوة. قد خصصت للفقـراء وأن 31.2% مخصص للأربطة ونسبة 8.2% مخصصة لأوجه أخرى متفرقة وتحتوي على أوقاف غير مخصصة( ).
وقد عانى الوقف في دول الخليج العربي من نفس الأعراض التي عانى منها الوقف في باقي دول العالم الإسلامي إضافة إلى الوفرة الاقتصادية النفطية التي أدت إلى قيام الحكومات بالدور الرئيسي في التنمية مما أدى إلى انكماش وتقلص العمل التطوعي، والوقف على وجه الخصوص، وقصرت أعمال الوقف على بعض المجالات ذات النفع الاجتماعي المحدود – كما سبق – وعندما انحسرت الطفرة الاقتصادية، وبدأت الأزمات في ظل تزايد أعداد السكان وتزايد الطلب على الخدمات من جهة وتراجع إمكانيات الدول وعجز السلطات عن مواجهة هذه الطلبات من جهة أخرى، بدت الحاجة ماسة من جديد لإحياء دور الوقف ومشاركته في التنمية ودراسة أسباب القصور في هذا الجانب ومحاولة علاجها.
ومن خلال تتبع هذا النظام الإسلامي (الوقف) عبر التاريخ يتبين لنا أن له إيجابيات كثيرة وقدرات كبيرة في مجال تخفيف العبء المالي على ميزانية الدولة والإسهام في خدمة المجتمع، ومع هذه الإمكانيات والقدرات فإن واقع نظام الوقف اليوم بحاجة إلى بعض التطوير من حيث الممارسة والتنظيم حتى يواكب احتياجات المجتمعات الإسلامية ويلبي متطلباتها في كافة المجالات ومنها المجال الصحي.
فالعناية بالأوقاف الإسلامية في هذا العصر ضرورة إنسانية ملحة، حيث أن لها أهمية بالغة لإنقاذ البشرية المتضررة عامة، والأمة المسلمة بصفة خاصة فالحروب العرقية الشرسة والخلافات الطائفية المدمرة، والكوارث المفاجئة المختلفة، مثل: الزلازل، والبراكين، الفيضانات، وغيرها من النوازل والمصائب، والمآسي، جعلت اليوم مالا يقل عن 50 مليون من البشر، (منهم 80% من المسلمين) يعانون معاناة مؤلمة من نقص في الطعام والغذاء والدواء والكساء والملجأ، بسبب تعرضهم لعمليات التشريد، والتهجير، والطرد من الأوطان( ).
وذلك أن أهداف الوقف في الإسلام كما هو معلوم لا تقتصر على بناء المساجد أو مساعدة الفقراء من المال، بل تتعدى ذلك إلي تقديم النفع العام للمسلمين كافة وفي كافة المجالات كما تقدم ذكره – حتى أن الأوقاف الإسلامية شملت غير المسلمين بل نص بعضها على العناية بالحيوانات المريضة والهرمة.
وقد تنبه العالم الإسلامي. ومن المهتمين بذلك البنك الإسلامي للتنمية، حيث عقد الندوات التي تدعو إلى تنشيط الدور الاستثماري للوقف.كما قامت تجارب في العالم الإسلامي جديـرة أن يستفاد منهـا،مثل مشـروع سنابل الخير الـذي خص 15%من ريعه للخدمات الصحية. وكذلك المشروعات الوقفية التي تصرف على الخدمات الصحية للجنة مسلمي إفريقيا الكويتية.
ومن التجارب الفعالة أيضاً الصندوق الوقفي للتنمية الصحية الذي أنشئ في الكويت للصرف على الخدمات الصحية بشمولها، حيث اهتم بإصدار النشرات في موضوعات التوعية الصحية، وتبنى مشروعات لتعزيز الصحة. يضاف إلى ذلك ما قام في مختلف دول العالم الإسلامي من تجارب حديثة، مثل جمعية المقاصد الخيرية اللبنانية التي أقامت مستشفى يحوي 200 سرير يصرف عليه من الإيرادات الوقفية( ).
ثالثاً: ما يمكن أن يقدمه الوقف لدعم مؤسسات الرعاية الصحية مستقبلاً:
إن التجربة الإسلامية العريقة في مجال الوقف الصحي – والتي أشرنا إلى بعض جوانبها – يمكن تكرارها اليوم، مع الأخذ في الاعتبار فوارق الزمن وتغير الآليات وتجدد الأساليب، حيث أن للوقف الإسلامي خصائص تجعله مناسباً للصرف على الخدمات الصحية في العصر الحالي منها استمراريته، وثباته وحريته، ومرونته، حيث يهدف في النهاية إلى تحسين وتعزيز الصحة بشتى الوسائل. ويستطيع الوقف الإسلامي أن يكون رافداً كبيراً للخدمات الصحية التي تقدمها الحكومة. بل إنه كان الأصل في الصرف على الخدمات الصحية – كما سبق بيانه – ويمكن عند إعادة دور الوقف على الخدمات الصحية لما كان عليه أن تتفرغ الإدارات الحكومية لتنظيم الخدمات الصحية، وللتنسيق بينها والإشراف عليها( ).
        ومن المجالات التي يمكن أن يسهم بها الوقف في مجال الخدمات الصحية حسب إمكانيات الواقفين، والتي سوف تخفف أعباء مالية كبيرة على ميزانية الحكومات وتحل كثيراً من المشكلات القائمة في مجال الرعاية الصحية ما يأتي:
1 – وقف المستشفيات الكبيرة والصغيرة والمستوصفات سواء العامة منها أو المتخصصة، أما بتقديم  المنشآت أو الأراضي الخاصة بها أو عمارتها أو تجهيزها وفرشها أو القيام بذلك كله ثم تتولى الحكومة تشغيلها وصيانتها كما هو الحال في وقف كثير من المساجد.
2 – الوقف على تشغيل وصيانة تلك المؤسسات سواء الموقوفة أو الحكومية، وذلك بتخصيص بعض العقارات أو المزارع أو المشروعات الاستثمارية للصرف على تلك المؤسسات الصحية، من مستشفيات ومستوصفات ومراكز علاجية ووقائية عامة أو متخصصة.
3 – وقف الأجهزة الطبية التي تحتاجها المستشفيات والمراكز الصحية مثل جهاز غسيل الكلى وأجهزة الأشعة المتطورة وغيرها مما قد لا يتوفر في كثير من المستشفيات رغم الحاجة المتزايدة إليها، وكذا وقف سيارات الإسعاف وغيرها من الوسائل المساعدة التي تحتاجها المستشفيات والمراكز الطبية.
4 – الوقف على الأدوية حيث يمكن تخصيص بعض الأوقاف
لتوفير الأدوية وخاصة أدوية الأمراض المزمنة والتي يحتاجها المريض فترات طويلة أو مدى الحياة مثل أدوية الضغط والسكر والقلب وغيرها.
5 – الوقف على كليات الطب والمعاهد الصحية، سواء وقف المنشآت أو تخصيص بعض الأوقاف للصرف على تلك الكليات والمعاهد ودعمها، وتوفير احتياجات طلابها وأساتذتها من الكتب والأجهزة وغير ذلك.
6 – الوقف على مراكز البحوث وهيئات البحث العلمي وتخصيص أوقاف للصرف على المنح الدراسية في مجال الطب والصيدلة والتمريض.
وهذه فقط أمثلة يمكن أن يضاف إليها الكثير مما يمكن أن يقدمه الوقف في مجال دعم مؤسسات الرعاية الصحية في البلاد الإسلامية.
ويمكن أن يتم ذلك عن طريق إنشاء لجان أو هيئات تخصص لتنظيم وتنسيق هذه الجهود واستقبال التبرعات واستثمارها، كما يمكن الاستفادة من تجربة بعض الدول الإسلامية في إنشاء صناديق وقفية تستقبل التبرعات الصغيرة وتنميها وتصرف من ريعها لدعم المؤسسات الصحية. كما يمكن أن يتم ذلك أيضا عن طريق التعاون المباشر والمستمر بين وزارة أو إدارة الأوقاف في كل بلد إسلامي وبين وزارة الصحة لتنسيق الجهود وتلبية الحاجات وترتيب الأولويات للاستفادة مما تقدمه الأوقاف لخدمة المجتمع في
مجال الصحة.
ولكي يتم ذلك لا بد أولاً من عدة أمور تعتبر هامة في إحياء وتنشيط دور الوقف في كافة المجالات وفي المجال الصحي خاصة ومنها على
سبيل المثال:
1 – إثارة الوعي لدى أبناء المجتمع بأهمية الوقف في خدمة المجتمع وفائدته في تقديم الخدمات الصحية وغيرها، وأنه سنة حسنة يثاب عليها فاعلها في الدنيا والآخرة وأنه هو الصدقة الجارية التي لا ينقطع أجرها بعد موت صاحبها. والاستفادة من وسائل الإعلام وخطباء المساجد والدعاة في هذا المجال، لإحياء السنة التي
كادت تندثر.
2 – تشجيع الجمعيات القائمة على الأوقاف، وتسهيل مهامها، ودعم أنشطتها التأسيسية، ومتابعة أعمالها من قبل الجهات الحكومية ومحاولة تحديث نظم إدارتها والرقابة عليها.
3 – طمأنة الواقفين والمساهمين في المشروعات الوقفية إلى شرعية وسلامة تعامل الهيئات القائمة على الوقف وكفاءة القائمين عليها، ويمكن أن يتم ذلك بالحصول على التزكية من العلماء ونشر التقارير الخاصة بتلك الهيئات وأنشطتها وما إلى ذلك، مما يدفع إلى تعزيز الثقة في تلك الهيئات والمؤسسات الوقفية ويزيد من إقبال الموسرين على التعامل معها.
4 – تسهيل مشاركة المواطن العادي في تكوين أوقاف جديدة أياً كان قدرها وذلك بتيسير الإجراءات الإدارية الخاصة بذلك مع التركيز على دعم وتشجيع المشاريع ذات العائد الاجتماعي العالي.
5 – تنمية ربع الأموال الموقوفة من خلال إدارة استثمارية محترفة مع الالتزام بشروط الواقفين والمقاصد الشرعية للوقف.
6 – توسيع مفهوم الوقف لدى عامة الناس لكي لا ينحصر في بعض الأوجه التقليدية وبيان ما قدمه الوقف قديماً وما يمكن أن يقدمه مستقبلاً في كافة مجالات الحياة الاجتماعية للمسلمين في أمور دينهم ودنياهم.
7 – إجراء الدراسات والأبحاث المستمرة وتقويم التجارب التي تقدم في هذا المجال سواء في البلاد الإسلامية أو غيرها. للاستفادة منها وتلافي ما قد يحدث من سلبيات. مع مراعاة الخصوصية الإسلامية لمجتمعاتنا، حيث أن مشروعات الوقف والأعمال الخيرية في بلادنا يجب أن تنطلق من المفهوم الإسلامي للتنمية الذي لا يقتصر على الجانب المادي الدنيوي فقط.
المراجع

(1)    ابن قدامة المقدسي المقنع.
(2)    ابن منظور، لسان العرب.
(3)    جمال برزنجي، الوقف الإسلامي وأثره في تنمية المجتمع(نماذج معاصرة لتطبيقاته في أمريكا الشمالية) ضمن أبحاث ندوة نحو دور تنموي للوقف، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، 1993م.
(4)    حسن عبدالغني أبوغده، صور من التكافل الاجتماعي عند المسلمين، الخفجي، ربيع الأخر 1417هـ.
(5)    راشد سعد القحطاني، أوقاف السلطان الأشرف شعبان على الحرمين. مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1414هـ.
(6)    زهدي يمكن، أحكام الوقف، بيروت، المطبعة العصرية.
(7)    شوقي أحمد دنيا، أثر الوقف في إنجاز التنمية الشاملة، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، عدد 24، 1415هـ.
(8)    صالح بن سعد الأنصاري، الوقف الإسلامي كمورد للخدمات الصحية، مجلة صحة الخليج، العدد 38 محرم 1420هـ.
(9)    عبدالإله ساعاتي، التطور الصحي من عهد الملك عبدالعزيز إلى عهد الملك فهد، مجلة صحة الخليج، العدد 35 رمضان 1419هـ.
(10)  عبدالإله ساعاتي، بدائل تمويل الخدمات الصحية في دول الخليخ، مجلة صحة الخليج، العدد 39 ربيع أول 1420هـ.
(11)  عبدالعزيز محمد الداود. الوقف، شروطه وخصائصه، أضواء الشريعة (كلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) الرياض العدد 11(1400هـ).
(12)  عبدالله بن أحمد الزيد، أهمية الوقف وأهدافه، دار طيبة، الرياض 1414هـ.
(13)  عبدالله صالح العبيد، الهيئات الخيرية الإسلامية، الإغاثة العدد 14، 1418هـ.
(14)  عبدالملك أحمد السيد، الدور الاجتماعي للوقف، وقائع الحلقة الدراسية لتثمير ممتلكات الأوقاف، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، 1404هـ.
(15)  علي جمعه، الوقف وأثره التنموي، ضمن أبحاث ندوة نحو دور تنموي للوقف، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت 1993م.
(16)  مجلة صحة الخليج، ندوة العدد بعنوان، الصحة في ميزان الإقتصاد من يرجح، العدد 39. ربيع أول 1420هـ.
(17)  محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف ط 2 دار الفكر 1972م ص8.
(18)  محمد سراج، أحكام الوقف في الفقه والقانون، القاهرة 1993م.
(19)  مسلم بن حجاج صحح مسلم بشرح النووي، دار أبي حيان، القاهرة، 1415هـ ج 6.
(20)  وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، الكتاب الإحصائي السنوي الثاني 1416هـ–1417هـ.
(21)  يحى ساعاتي، الوقف والمجتمع، كتاب الرياض 39، مؤسسة اليمامة الصحفية الرياض.