الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (تعريفه وأنواعه وأساسه القانوني)

الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (تعريفه وأنواعه وأساسه القانوني)


الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (تعريفه وأنواعه وأساسه القانوني)
بحث حول محكمة العدل الدولية
اختصاصات محكمة العدل الدولية
تكوين محكمة العدل الدولية
تعريف محكمة العدل الدولية
قضايا محكمة العدل الدولية
ملخص مادة المنظمات الدولية
منظمات دولية
بحث عن محكمة العدل الدولية

يعبر مفهوم الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية من بين المفاهيم التي لم تحظى بتعريف جمع مانع ومتفق عليه بين الباحثين وفقهاء القانون الدولي وعلى الرغم من ذلك سنقوم من خلال هذا الفصل التمهيدي بتقديم مجموعة من المحاولات من أجل تعريف تعريف الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل دولية، وذلك حتى نتمكن من رسم صورة واضحة عن السياق العام للموضوع '' الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية '' مع بيان أنواعه أيضا.
كما يعتبر الأساس القانوني للاختصاص الاستشاري من النقط الاساسية التي حاولنا التطرق لها في هدا الفصل التمهيدي، بحيث إذا كانت المادة 14 من عهد عصبة الأمم المتحدة هي الأساس القانوني للاختصاص الاستشاري للمحكمة الدائمة، فإن الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية والتي أصبحت جهاز رئيسي من أجهزة الأمم المتحدة، فأساسه القانوني هي المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة وإضافة إلى المادة 65 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولي.
بحيث سنتناول في هذا الفصل هذه النقط الرئيسة السالف ذكرها، بحيث خصصنا لها مبحثين الأول يتناول تعريف الاختصاص الاستشاري وبيان أنواعه، وفي المبحث الثاني تم تناول فيه الأساس القانوني أو السند القانوني للإختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
المبحث الأول:

سنحاول في هذا المبحث، الحديث عن التعاريف التي قدمت للاختصاص الاستشاري، من خلال المطلب الأول في مقابل خصصها المطلب الثاني للإشارة إلى أنواع الاختصاص الاستشاري.
المطلب الأول: تعريف الاختصاص الاستشاري

إذ خصصنا في دراسة هذا المطلب بيان المقصود بالاختصاص الاستشاري لغة واصطلاحا (الفقرة الأولى)، مع بيان المقصود بمفهوم الاختصاص الاستشاري من زاوية القانون الدولي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: التعريف اللغوي والاصطلاحي للاختصاص الاستشاري

الاختصاص لغة هو التفضيل و الانفراد بالشيء دون غيره.  وفي نطاق القانون الداخلي، هو سلطة قانونية مخولة لأحد أشخاص القانون يستطيع ممارستها على شخص أو مكان أو شيء، أو هو الامكانية القانونية على فعل شيء أو القيام بعمل أو اتخاذ قرارات معينة بما يجعل الاختصاص شبيها بفكرة الأهلية في القانون الخاص. 
أما الاستشارة لغة فيعود أصلها إلى كلمة أشار، فيقال استشار فلان في الأمر وشاور، وأشار عليه يعني نصحه. أما المشورة فإن أصل الكلمة شور، أي طلب منه المشورة، واشتوَرَ القوم، أي شاوربعضهم بعضا.  
والاستشارة اصطلاحا تعني عرض الشيء لإبداء ما فيه من محاسن أو إبداء رأي أو نصيحة بشأنه. وتعني كذلك الإجماع من أجل المشورة أو تباحث مجموعة أشخاص من ذوي الاختصاص أو الهيئات متخصصة لغرض تقديم المشورة دون أن تصدر قرارا ملزما بذلك.  
الفقرة الثانية: تعريف الاخصاص الاستشاري في نطاق القانون الدولي

أما في نطاق القانون، وبالتحديد في نطاق القانون الدولي، أصبح من المعتاد أن يقال فتوى قانونية أو استشارة قانونية.
فالرأي الاستشاري أو الافتائي يعني: الإفصاح عن رأي القانون بصدد نزاع، أو بشأن وجهات النظر المتعارضة، وما يستتبع ذلك من حسم النزاع أو الترجيح بين وجهات النظر. 
وطبقا لما جاء في قاموس مصطلحات القانون الدولي، فإن الرأي الاستشاري، هو الرأي الصادر عن جهاز منشأ لهذا الغرض، أو هي الايضاحات التي يقدمها هذا الجهاز بشأن : مسألة معينة معروضة عليه، أو ملائمة الاجراءات التي يتم اتخاذها، أو القواعد والمبادئ القانونية الواجبة التطبيق في ظل ظروف معينة، أو بشأن معنى نص من النصوص أو مدى مطابقة إجراء معين يتم اتخاذه أو من المقرر إتخاذه، لنص أو نصوص معينة، كل ذلك من غير أن يلزم الرأي ذلك المخطب به.    ويعتبر هذا التعريف الأخير الأقرب إلى الصواب، باعتباره يحدد القضايا أو الحالات بشكل عام، التي يمكن أن تكون موضوعا لرأي الاستشاري، إلا أنه يستحسن لو تم جمع كل هذه الحالات أو الامكانيات السالف ذكرها في عبارة '' بشأن نزاع أو مسألة معينة ''.
وفي هذه المرحلة وجب علينا التمييز بين المقصود بالاستشارة أو الفتوى من جهة والتفسير من وجهة ثانية بحيث نجد على أن التفسير عمل فكري، يكون المقصود منه بيان وكشف مضمون النص القانوني، والذي يهم مسألة أو قضية ما. أما الاستشارة، هي عبارة عن عمل فكري تكون الغاية المرجوة منه إيضاح وجهة نظر قائمة على المعرفة والخبرة في مسألة ما.
وفي بعض الأحيان نجد الاستشارة أو الفتوى تتطلب تفسير نص قانوني ما، هنا يكون الرأي الاستشاري أو الفتوى عبارة عن تفسير، مما يجعل الأمر من التفسير عنصرا من عناصر الاستشارة
وفي هذه المرحلة، نستنتج من خلال ما سبق، على أن التفسير المراد به التحليل العميق لنص القانوني والالتزام به، ومن هنا ظهرت مدرسة الالتزام بالنص القانوني، وفي المقابل نجد على أن الرأي الاستشاري يعتمد على التحليل العميق للإجابة عن الأسئلة المطروحة والتي تخص قضية معينة، وقد يتجاوزها في بعض الأحيان ليتطرق إلى جوانب أخرى لم تطرح في طلب الرأي الاستشاري، كما في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية المتعلق بمشروعية الأسلحة النووية الصادر 8/7/1996.
المطلب الثاني: أنواع الاختصاص الاستشاري

تتمتع محكمة العدل الدولية بنوعين من الاختصاص الاستشاري، بحيث هناك اختصاص استشاري طبيعة نوعه عادي، وهو ما سنتطرق له في (الفقرة الأولى)، أما النوع الثاني من الاختصاص الاستشاري للمحكمة، فهو الاستثنائي، وهو ما ستتناوله (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الاختصاص الاستشاري العادي

إن قرائتنا للمادة 96 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة بجد على أن هذه المادة أعطت للمحكمة الحق في ممارسة الاختصاص الاستشاري العادي، والذي يكون لا يتمتع بالصفة الإلزامية تجاه الأطراف المعنية.
والاختصاص الاستشاري العادي محدود الفاعلية، لأن الرأي الاستشاري الصادر بموجبه غير ملزم، فمن خلال صياغة المادة 96 من الميثاق، تبرز الصفة ا لغير ا لملزمة للرأي الاستشاري الذي تصدره المحكمة، ومن هنا نلاحظ على أن الرأي الاستشاري لا يحوز على مبدأ '' حجية الأمر المقضى به ''.
فابتداء تكون المحكمة غير ملزمة بإعطائه، كما لا يلزم جهاز الهيئة الذي طلب الرأي الاستشاري، والذي يحق له قانونيا ذلك، بحثّ المحكمة على ضرورة إصدارها الرأي الاستشاري.
كما يجب الإشارة إلى أنه يمكن للمحكمة النظر في قضية مشابهة لأحد القضايا التي سبق للمحكمة أن نظرت فيها، في إطار ممارستها لاختصاصها الاستشاري، بعد أن تحال عليها المسألة من قبل جهاز أو وكالة متخصصة أخرى، تابعة للأمم المتحدة، فإن للمحكمة الحق في أن تصدر رأي استشاريا، رفعوا هذا النزاع إلى المحكمة للبث فيه بحكم قضائي، فإنها تستطيع أن تصدر قرارا مخالفا للرأي الاستشاري الصادر عنها.
نلاحظ على أنه من خلال الممارسة، أن محكمة العدل الدولية في إطار ممارستها لاختصاصها الاستشاري، وعلى الرغم من إمكانية اختلاف آرائها الاستشارية في قضايا مشابهة، نجد على أن المحكمة تحرص كل الحرص على عدم اختلاف وتضارب آرائها الاستشارية مع بعضها البعض، مع إمكانية عدم إهمال المبادئ التي تم ذكرها في الآراء الاستشارية السابقة، والأخذ بها ولو في نطاق ضيق.
ففي رأيها الاستشاري بشأن قضية إجراءات التصويت التي تطبق على المسائل المتعلقة بالتقارير والالتماسات الخاصة جنوب غرب إفريقيا الصادر 11/7/1950، وفي جوابها عن السؤال الذي عرضته الجمعية العامة، فقط ذكرت المحكمة أنها بعملها هذا، أجابت عن سؤال جديد ولا ترغب في مخالفة المبادئ الواردة في رأيها الأول.
الفقرة الثانية: الاختصاص الاستشاري الاستثنائي

تصدر محكمة العدل الدولية بموجب هذا النوع من الاختصاص الاستشاري الاستثنائي، وكما يسميه البعض الاختصاص الاستشاري الخالص آراء استشارية ملزمة على الرغم من أن هذه الآراء الاستشارية الملزمة لم ترد في ميثاق الأمم المتحدة أو في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، بل وردت في نصوص قانونية دولية أخرى. 
بحيث إذ وقفنا عند المادة 59 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية والتي جرى نصها على أنه: '' لا يكون للحكم قوة الإلزام إلا لمن صدر بينهم وفي خصوص النزاع الذي فصل منه '' إلا أن المادة 59 من النظام الأساسي قد تحدثت عن '' مدى الالتزام بالأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية لا الفتاوى ''.
بينما نجد الفقه الدولي قد انقسم بين مؤيد ومعارض فيما يتعلق بمدى التزام الدول المعنية بموضوع الفتوى، وكذلك التزام الجهة التي طلبت الاستشارة، ويمكننا القول بوجود اتجاهية رئيسيين في هذا الخصوص أولهما: يرى بعدم تمتع الفتاوى بأية قيمة قانونية ملزمة، وإنها لا تعدو سوى رأيا استشاريا غير ملزم.
أما الاتجاه الثاني: فيرى أن الفتاوى التي تصدرها محكمة العدل الدولية تتساوى مع الأحكام القضائية من حيث قيمتها القانونية الملزمة، وأن الاختلافات التي بين الفتاوى والأحكام ماهي إلا اختلافات شكلية فقط.
ولهذا يمكننا القول على الرغم من أن الرأي الاستشاري باعتباره عمل قضائي له حجيته، لكن هذه الحجية لا تتماثل من حيث القيمة القانونية مع الأحكام القضائية للمحكمة، وهذا ما سيتم التطرق إليه بتفصيل في الفصل الثاني من هذا البحث.
المبحث الثاني: الأساس القانوني للاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية

يعد الأساس القانوني هو السند الذي يعطي صفة المشروعية على أعمال وتصرفات متخذة بموجبها صفة قانونية، و بما أن النصوص القانونية التي جاءت في ميثاق منظمة الأمم المتحدة وكذلك النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، والتي تتعلق بالسند القانوني للاختصاص الاستشاري للمحكمة، قد كرست بالدرجة الأولى من خلال الاعتماد على النصوص القانونية الواردة في كل من عهد العصبة والنظام الأساسي للمحكمة الدائمة.
وعليه سنقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، الأول تم تخصيصه لدراسة الأساس القانوني للاختصاص الاستشاري للمحكمة الدائمة للعدل الدولية، في حين سيتم تناول الأساس القانوني للإختصاص الإستشاري لمحكمة العدل الدولية في المطلب الثاني.
المطلب الأول: الأساس القانوني للاختصاص الاستشاري للمحكمة الدائمة

لقد أثير خلاف فقهي منذ بداية تأسيس المحكمة الدائمة للعدل الدولي في سنة 1922، وذلك حول ممارسة المحكمة للاختصاص الاستشاري.

الفقرة الأولى: المادة 14 من عهد العصبة، كأساس قانوني للاختصاص الاستشاري للمحكمة الدائمة للعدل الدولية

تعتبر المادة 14 من عصبة الأمم المتحدة ، المادة الوحيدة التي ذكرت في عبارتها الأخيرة الاختصاص النذكور، وعلى الرغم من أن لجنة الفقهاء التي كلفها مجلس العصبة عام 1920 بوضع هذا النظام، قد ذكرت في مشروعها نصا صريحا يخول المحكمة الاختصاص المشار إليه.

ويرجع القاضي HUDSON رفض اقتراح لجنة الفقهاء إلى الإعتقاد بعدم ضرورة هذه النصوص، لأن المادة 14 من عهد العصبة احتوت نصا صريحا بهذا الخصوص، ويرى البعض الآخر ان الإكتفاء بنص المادة 14 من عهد العصبة للإشارة إلى الاختصاص الاستشاري للمحكمة الدائمة إنما جاء ليمثل حلا وسطا بين الاتجاهات المعارضة والمؤيدة لتخويل المحكمة الدائمة الاختصاص المذكور.
 الفقرة الثانية: النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدل الدولي كأساس قانوني لممارسة اختصاصها الاستشاري

إن النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدل الدولي وعلى الرغم من عدم تضمن نصا صريحا يتعلق بالاختصاص الاستشاري، فإنه يمكن القول إن هذا المعنى قد ورد في المادة الأولى من ذلك النظام، التي بينت أن '' المحكمة الدائمة للعدل الدولي قد أنشأت طبقا للمادة 14 من عهد عصبة الأمم ''. وهكذا فإن الإختصاص الاستشاري قد نص عليه ضمن اختصاصات المحكمة وفقا للمادة المذكورة   زد على على هذا قد نصت المادة 36 (الفقرة الأولى) من النظام الأساسي الخاص بالمحكمة الدائمة للعدل الدولي على إمكانية ممارسة المحكمة للاختصاص الاستشاري. 
ومن خلال ماسبق، نجد فعلا على أن المحكمة الدائمة للعدل الدولي، كانت تمارس اختصاصها الاستشاري طبقا للأساس القانوني المنصوص عليه في  المادة 14 من ميثاق عصبة الأمم، وحتى في المادة 36 من النظام الأساسي للمحكمة الدائمة، بل يمكن القول على أن المحكمة الدائمة كانت  أولى اختصاصاتها التي مارستها، هي اختصاصات استشارية، بحيث أصدرت المحكمة الدائمة أربع آراء استشارية قبل أن تصدر حكمها القضائي الأول في 17/8/1923 في قضية السفينة ويمبلدون. 
كما نلاحظ أيضا من خلال اللائحة الداخلية للمحكمة الدائمة الصادرة في 24/3/ 1992 قد عملت هذه الاخيرة على تكريس مجموعة من المبادئ المتعلقة بممارسة الاختصاص الاستشاري بحيث تضمنت أربع مواد في هذا الخصوص
و في سنة  1929 تم تعديل النظام الاساسي الخاص بالمحكمة الدائمة، بحيث  على اثر هذا التعديل تم الحاق بروتوكول اضافي تضمن اعترافا صريحا و واضح في مدى مشروعية المحكمة الدائمة للعدل دولي في ممارسة الاختصاص الاستشاري .
تمثل هذا التعديل بإضافة فصل خاص الى النظام الاساسي و هو الفصل الرابع (المواد 65 -68) و هي المواد نفسها التي تضمنها فيما بعد النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية 
ان هذا التعديل جلب قيمة قانونية أساسية و مهمة للمحكمة الدائمة بحيث ينص التعديل على مشروعية المحكمة في ممارسة الاختصاص الاستشاري  كما يضع حدا لأي دولة مثلا في اطار نزاع معين أن تطلب بعدم اختصاص المحكمة الدائمة في الافتاء تحت ذريعة غياب النص القانوني و الذي يشكل و ثيقة قانونية منفصلة من الناحية القانونية عن ميثاق عصبة الأمم.
المطلب الثاني: الأساس القانوني للاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية

لقد تمت الإشارة إلى الأساس القانوني للاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في كل من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا ما سيتم تناوله في الفقرة الأولى، كما تم التطرق إليه في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: ميثاق الأمم المتحدة كأساس قانوني للاختصاص الاستشاري للمحكمة

        إن المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة، تنص على مايلي:
       لأي من الجمعية العامة أو مجلس الأمن، أن يطلب إلى محكمة العدل الدولية إفتائه في أي مسألة قانونية.
       ولسائر فروع الهيئة والوكالات المتخصصة المرتبطة بها ممن يجوز أن تأذن لها الجمعية العامة في أي وقت، أن تطلب أيضا من المحكمة إفتاءها فيما يعرض عليها من المسائل القانونية الداخلة في نطاق أعمالها.

بحيث من خلال المادة أعلاه 96 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، قد أضفى أهمية كبيرة للاختصاص الاستشاري للمحكمة، فهو لم يقتصر في إطار سلطة طلب الفتوى على الجهازين السياسيين الرئيسيين للمنظمة، أي كل من مجلس الأمن والجمعية العامة. على نحوها فُعِل في عهد عصبة الأمم في المادة 14 منه كما سبق أن رأينا، وإنما جاء نص الميثاق صريحا على أن باقي أجهزة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، تتمتع هي أيضا بسلطة استفتاء المحكمة متى رخصت لها الجمعية العامة بذلك. ومعنى ذلك أن المادة 96 من الميثاق، تُكرر نفس المعنى الذي تضمنته من قبل المادة 14 من عهد العصبة، ولكن مع الفارق المتمثل في عدم قصر سلطة طلب الفتوى على الجهازين الرئيسيين للمنظمة.

ولهذا، فقد اعتبر البعض – وبحق – أن الميثاق قد أحدث تطورا ملحوظا في وضع الوظيفة الافتائية للمحكمة الدولية بالمقارنة بما كان عليه الحال في عهد عصبة الأمم.
والحق أن هذا التطور، إنما يجد سنده الحقيقي في الدروس العملية المستفادة من تجربة المحكمة الدائمة للعدل الدولي في هذا المجال.

بحيث أن العديد من الفتاوى التي طلبها مجلس عصبة الأمم من المحكمة الدائمة، لم يتعد دوره فيها مجرد دور الوسيط بين المحكمة وبعض الأجهزة والمنظمات الدولية الأخرى غير المأذون لها باستفتاء المحكمة كمنظمة العمل الدولية.  

ومن خلال ماسبق، يمكننا القول بأن ميثاق منظمة الأمم المتحدة، وبناءا على المادة 96 من الميثاق، قد خُوّل الحق لطلب الفتوى من قبل محكمة العدل الدولية، لا يقتصر على الأجهزة الرئيسية (الجمعية العامة ومجلس الأمن)، وإنما ذهب ليشمل حتى باقي فروع هيئة الأمم المتحدة، وباعتبار أن هذا النص القانوني سند قانوني لمحكمة العدل الدولية واضح في ممارسة اختصاصها الاستشاري.
الفقرة الثانية: النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية كأساس قانوني في ممارسة الاختصاص الاستشاري

نود الإشارة بهذا الخصوص أن المادة 65 في فقرتها الأولى من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، قد جاء مكررا لنفس المعنى المشار إليه في المادة 96 من الميثاق، مع الأخذ بعين الإعتبار حقيقة أن النظام الأساسي هو جزء لايتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة، وأن الفتاوى تعطى لأجهزة الأمم المتحدة وليس للدول بصفتها هذه، اذ عارض البعض هذه المسالة في المحادثات التمهيدية، ذلك إذ تضمن النظام الأساسي المعنى الذي أشارت إليه المادة 65 الفقرة الأولى.
وقناعتنا أن تضمين النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية نصا يحمل نفس المعنى المنصوص عليه في المادة 96 من الميثاق، لا يخلو من بعض الفوائد التي يصعب معها القول بأنه قد جاء على سبيل التزيد فمن ناحية، نرى أن هذا النص كان ضروريا لتفادي الوقوع في نفس الخطأ الذي وقع فيه واضعو النظام الأساسي للمحكمة الدائمة عندما لم يتضمن أي نص بشأن الاختصاص الافتائي للمحكمة، مكتفين في ذلك بنص المادة 14 من عهد عصبة الأمم.
وقد رأينا كيف أن غياب النص في النظام الأساسي على الاختصاص المذكور، قد أدى إلى إثارة جدل فقهي كبير بشأن الأساس القانوني لسلطة المحكمة الدائمة في مباشرته. ومن ناحية ثانية، أن النص المذكور يعتبر ضروريا كذلك بالنظر إلى حقيقة أنه ليس كل الدول الأطراف في النظام الأساسي، تكون بالضرورة أعضاء في الأمم المتحدة.
إلا أنه نجد إمكانية طلب الرأي الاستشاري من قبل الدول الغير الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، وذلك أن بعض الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة، والتي تكون في نفس الوقت غير منظمة إلى عضوية الأمم المتحدة، قد تكون أعضاء في بعض المنظمات المتخصصة التي تقوم بينها وبين الأمم المتحدة اتفاقيات الربط.
ومن ناحية ثالثة، نلاحظ أن احدى الفوائد المهمة التي يحققها نص المادة 65 الفقرة الأولى، ولا يحققها أي نص آخر، بما في ذلك المادة 96 من الميثاق، يستنتج الأستاذ براتراب بحق بالقول:
أننا نستطيع في ضوئه أن نفسر السلطة التقديرية للمحكمة في مجال مباشرتها لاختصاصها الافتائي.

يمكن أن نخلص في هذه المرحلة للقول بأن النظام الأساسي المنظم لمحكمة العدل الدولية في جزء منه، وهنا نحن نتحدث بالتحديد في الفصل الرابع منه (المواد 65-68)، يقتصر على بيان الاجراءات المسطرية المتبعة في ممارسة المحكمة لاختصاصها الاستشاري، وإنما جُعِلَ من المادة 65 أساس قانوني لمحكمة العدل الدولية في مزاولة الاختصاص المذكور.


















خلاصة الفصل التمهيدي:

لقد حاولنا في هذا الفصل التمهيدي، تسليط الضوء على ما المقصود بالاختصاص الاستشاري الذي تمارسه محكمة العدل الدولية، والوقوف على الاختلافات الفقهية في وضع تعريف جامع مانع لمفهوم الاختصاص الاستشاري مع بيان أنواع الاختصاص الاستشاري، بحيث وجدنا صنفين بهذا الخصوص و هما  : الأول الرأي الاستشاري العادي، بمعنى الذي  لا يحوز على الصفة الإلزامية عكس الحكم القضائي في اطار علاقته مع الأطراف المعنية به في مسألة قانونية.

أما المبحث الثاني من هذا الفصل التمهيدي، خصصناه لدراسة الأساس القانوني للرأي الاستشاري، من خلال المقارنة بين المحكمة الدائمة للعدل الدولي، وبين محكمة العدل الدولية، ويتجلى الفرق من خلال أن الأساس القانوني للمحكمة الدائمة، والذي تستند إليه في ممارستها للاختصاص الاستشاري، لم يتم التنصيص عليه في النظام الأساسي المنشئ للمحكمة الدائمة، وإنما تم التطرق له في ميثاق عصبة الأمم (المادة 14) مع العلم على أن المحكمة الدائمة لم تكن من بين الأجهزة الرئيسية التابعة لعصبة الأمم، بمعنى آخر أن التنصيص عليه في وثيقة مستقلة كل الاستقلال على النظام الأساسي للمحكمة الدائمة، في المقابل، وبعد تأسيس منظمة الأمم المتحدة لتحل محل عصبة الأمم المتحدة، قامت منظمة الأمم المتحدة بضم محكمة العدل الدولية كجهاز رئيسي تابع للمنظمة، مما أصبح الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يستند أساسه القانوني من روح النظام الأساسي للمحكمة (المادة 65 الفقرة الأولى) والمادة 96 من ميثاق الأمم الأمم المتحدة، مما يجعلنا نقر بوجود لإزدواجية الأساس القانوني لمحكمة العدل الدولية في ممارسة الاختصاص الاستشاري.