أهمية الوقف وحكمة مشروعيته



حكمة مشروعية الوقف:
الوقف فضائله و أحكامه
أهمية الوقف وحكمة مشروعيته
أحكام الوقف
أدلة مشروعية الوقف وبيان التوافق الفقهي
الوقف في الإسلام -
الفصل الأول: الوقف .. مفهومه وأحكامه
مشروعية حكم الوقف
فضل الوقف في سبيل الله
الحكمة من مشروعية الوصية
فضائل الوقف
فوائد الوقف
فوائد الوقف للمجتمع
ما فضل الوقف
فضل وقف الماء في سبيل الله
الوقف الخيري للوالدين


تعريفهُ لغةً:الوقف:هو الحبس والمنع,وفيه لغتان,أوقف يوقف إيقافاً وجمعهُ أوقاف,ووقف يقف وقفاً, يقال فرساً في سبيل الله أي وقفت([1]).
وقال آخر الوقف حبس منفعة, وتكون في سبيل الله سَبّل ضيعتهُ.أي جعلها في سبيل الله,وسبّلتَ الشيء إذا أبحتهُ كأنك جعلت اليهِ طرقٌ مطروقة([2]).
وقيل هو المنع والسكوت والإدامةِ([3]) أي أن مالك ذات الشيء يجعل منفعتهُ لمستحق آخرأو مجموعة مستحقين.
المطلب الثاني/ تعريفهُ إصطلاحاً:عَرّفَ الفقهاء الوقف بتعريفات متعددة, وفق إتجاهات مختلفة ومن أبرز تلك التعريفات وأوضحها:
أن الوقف تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة([4]) وقال آخر أن الوقف هو: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة([5]) وقيل: الوقف هو حبس العين على ملك الواقف والصدقة بالمنفعة([6]) فالألفاظ مختلفةِ وقد تكون المعاني متحدة. ويمكن القول ان المعنى اللغوي والاصطلاحي للوقف متقاربان وهو تحبيس الأصل – وتسبيل المنفعة([7]) وهو تصّدق على وجه التأبيد. فهو عمل ناجز في الحياة تقر عين صاحبهُ بهِ وذلك أن يباشر بنفسه ويرى آثاره الطيبة, فقد سئل النبي محمد (ص) أي الصدقات أفضل. قال: ((أن تتصدق وأنت صحيح شحيح, تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذ بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا)) ([8]).









مشروعية الوقف
في القران الكريم :الوقف من الصدقات المستحبة التي ندبت اليها الشريعة الإسلامية. وإذا نذر الأنسان كان واجباً, وإذا كان فيه حيف أو وقف على شيء محرم كان حراماً, وإن كان فيه تضييق على الورثةِ كان مكروها – فيمكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة. والأدلة على مشروعية الوقف كثيرة؛ نورد بعض منها ما يتناسب مع طبيعة البحث وهي كالآتي:
1-قال تعالى:[لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ] سورة آل عمران:92.
كان السلف الصالح رحمهم الله إذا أحبوا شيء جعلوه لله: روى أنهُ لما نزلت هذهِ الآية المباركة. قال: أبو طلحة, يارسول الله لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي إليَّ أفتصدق به؟ فقال رسول الله (ص): (بخُ بخٌ ذاك مال رابح, وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)([9]) وروي أن زيد بن حارثة (رض) جاء عند نزول هذه الآية بفرس لهُ كان يحبهُ وجعلها في سبيل الله. فحُمل عليها رسول الله (ص) إسامة فوجد زيد في نفسهِ فقال (ص) إن الله قد قبلها([10]).
وقيل في تفسير النص المبارك (لن تنالوا البر....) المراد به الأنفاق في سبيل الخير, وأعمال البر على العموم([11]).
وإن عائشة (رض) أنها كانت تقرأ في مصحف مُذَهّب فلما إنتهت إلى هذهِ الآية باعتهُ وتصدقت بثمنه([12]).
2-قال تعالى:[آَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ] سورة الحديد:7.
يبين الله سبحانهُ وتعالى في هذا النص المبارك حث المؤمنين وترغيبهم في الإنفاق في سبيل الله,وفيه دعوه إلىالإيثار والتضحية,وذلك بالإنفاق والعطاء مما منَّ الله بهِ على الأنسان,وإن المالك هو الله عز وجل,وهذهِ الأموال والممتلكات قد وضعها الله عند الأنسان بعنوان أمانة لفترة محدودة([13]).
3-قولهُ تعالى:[إِنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ] الحديد: 18.
أي أن الذين أنفقوا أموالهم في طاعة الله وسبيل مرضاتهِ, والقرض الحسن عبارة عن التصدق والإنفاق في سبيل الله مع خلوص نية وصحة قصد وأحتساب أجر([14]).
4-قولهُ تعالى:[الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ]سورة البقرة:3.
نقل عن ابن مسعود أن هذهِ الآية نزلت قبل وجوب الزكاة. فالأولى حمل هذهِ الآية على عمومها فيمن أخرج الزكاة الواجبة والنفقات الواجبة وتطوع الخيرات, فهي تشمل كل الإنفاق والأنفاق أصلهُ الإخراج ومنهُ قيل: نفقت الدابة إذا خرجت روحها([15]).
5-عموم قولهُ [وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] سورة الحج:77,وقولهُ تعالى:[وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ] سورة البقرة:272- 273,ففعل الخير هو الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء([16]).
المطلب الثاني/السنة النبوية الشريفة
1-قال رسول الله (ص): (إذا مات إبن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع بهِ أو ولد صالح يدعو له)([17]) والصدقة الجارية هي الوقف([18]).

2-روي عن عائشة (رض) أن رسول الله (ص) جعل سبع حيطان (بساتين) لهُ بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب وبني هاشم([19]).
3-روي عن أنس بن مالك (رض) أنه قال لما قدم رسول الله (ص) المدينة أمر بالمسجد, وقال: يابني النجار ثامنوني بحائطكم هذا فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنهُ إلا إلى الله تعالى([20]).
4-عن سعد بن عباده (رض)أنه قال: يارسول الله إن ام سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: الماء, فحفر بئراً وقال: هذه لأم سعد([21]).
5-روي عن عمرو بن الحارث أنه قال: ما ترك رسول الله (ص) إلا بغلته البيضاء وسلاحه,وأرضا جعلها صدقة([22]).
6-جاء عثمان بن عفان (رض) أن النبي محمد (ص) قدم المدينة وليسبها ماء يستعذب غير بئر (رومه) فقال رسول الله (ص) من يشتري بئر (رومه) فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير لهُ منها في الجنة, فإشتريتها من صلب مالي([23]).
7-ما رواه ربعي بن عبدالله عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) قال: تصدق أمير المؤمنين بدار لهُ بالمدينة في بني زريق فكتب بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب وهو حي سوي تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لاتباع ولاتوهب حتى يرث الله الذي يرث السموات والأرض([24]).
ولابد هنا أن نشير إلى أن أول وقف في الإسلام هي (أراضي مخيريق) ومخيريق هو أيسر بني قينقاع وكان من أحبار اليهود وعلمائها بالتورات, خرج مع رسول الله (ص) إلى موقعة (أُحد) ينصره وهو على دينهِ, قال: إن أصبت فأموالي لمحمد (ص) يضعها حيث أراه الله عزوجل فلما كان يوم السبت وإنكشفت قريش ودفن القتلى وجد (مخيريق) مقتولاً بهِ جراح فدفن ناحية من مقابر المسلمين وقال عنه رسول الله (ص) مخيريق خير يهود([25]).
وذكر إبن حجر في (الإصابة) أن الواقدي ذكر أنهُ أسلم وإستشهد بأحد – ولهُ سبع حوائط هي:وحسنى, وبرقه,المشيب,والطائفة, والدلال, والأعواف,ومشربة إم إبراهيم. جعلها النبي (ص) صدقة([26])وهذا القول مناسب لما قام به مخيريق من وقوف ما يملك.
8-عن عبدالله بن عمر أن عمر بن الخطاب أصاب أرضاً من أرض خيبر فقال: يارسول الله (ص) أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منهُ فما تأمرني؟ فقال:إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها([27]).
المطلب الثالث/ الأجماع:إتفق علماء المسلمين على مشروعية الوقف. وإنهُ صدقه جارية في سبيل الله, وقد عمل بها الصحابة (رض) قولاً وفعلاً فلم ينكره أحد. ولم يكن أحد من الصحابة ذو مقدره إلا وقف وقفاً.
وقال الشافعي (رض):في القديم بلغني أن ثمانين صحابياً من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات,والشافعي يسمي الأوقاف (الصدقات المحرمات)([28]).
فمن وسع الله عليهم من أهل الغنى أن يتزودوا من الطاعات ويُكثروا من القربات,وذلك بوقف شيء من أموالهم العينية مما يبقى أصلهُ, وتستمر منفعتهُ, خشية أن يؤول بعد الموت إلى من لا يحفظه ولا يصونه. فالعبد يعظم أجره بتوقيف مالهُ إبتغاء وجه الله.
روي أن عمر بن عبد العزيز كان يشتري أعدالاً من السّكر ويتصدق بها فقيل لهُ هلا تصدقت بثمنه فقال:لأن السّكر احب إلي فأردت أن أتصدق مما أحب([29]).


(1)الصحاح: الجوهري: 3/915, ت(393هـ) تحقيق أحمد عبد الغفور العطار, ط4, 1407هـ - 1987م, دار العلم للملايين بيروت – لبنان.
(2)لسان العرب – ابن منظور: 11/319, ت(711هـ) د.ط 1405هـ قم -إيران.
(3) المصدر نفسهُ.
(1) شرائع الإسلام – المحقق الحلي:2/442, ت(676هـ) تحقيق صادق الشيرازي, ط2, 1409هـ , أمير – قم.
(2) المغني – عبدالله بن قدامة: 6/185, ت(620هـ) د.ط, دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع – بيروت – لبنان.
(3)ظ: البحر الرائق – ابن نجيم: 5/313, ت(970هـ) تحقيق الشيخ زكريا عميرات, ط1, 1418 هـ - 1997م, دار الكتب العلمية, بيروت – لبنان.
(4)ظ: السرائر – ابن إدريس الحلي: 3/152, ت(598هـ) تحقيق لجنة التحقيق, ط2, 1410هـ - مؤسسة النشر الإسلامي – قم المشرفة.
(5) صحيح البخاري – البخاري: 2/115, ت (256هـ) د.ط, 1401هـ - 1981, دار الفكر للطباعة.
(9)صحيح البخاري – البخاري: 2/127, ت(256هـ) 1401 هـ - 1981م, دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
(1)الأستذكار – إبن عبد البر: 8/100, ت(463هـ) تحقيق سلام محمد, ط1, 2000م, بيروت – دار الكتب العلمية.
(2)ظ: مجمع البيان – الطبرسي: 2/191, ت(548هـ) تحقيق لجنة من العلماء والمحققين, ط1, 1415هـ - 1995م, مؤسسة الاعلمي للمطبوعات – بيروت - لبنان.
(3)ظ: تفسير السمرقندي –أبو الليث السمرقندي: 1/255, ت(383هـ) تحقيق د. محمود مطرحي, دار الفكر – بيروت - لبنان.
(4)ظ: تفسير الميزان – الطباطبائي: 19/43, ت(1412هـ) منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية – قم المقدسة + الأمثل في كتاب الله المنزل – ناصر مكارم الشيرازي: 18/25.
(5)ظ: جامع البيان – ابن جرير الطبري: 27/298, ت(310هـ) تحقيق الشيخ خليل الميس. 1415 هـ - 1995م, دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان. + فتح القدير – الشوكاني:5/173, ت(1255هـ) مطبعة عالم الكتب.
(6)ظ: التبيان – الطوسي: 1/57.
(7)ظ: مفاتيح الغيب – الرازي: 23/71, ت(606),ط2.
(8)شرح مسلم – النووي: 1/90, ت(676هـ), 1407هـ, 1987م, دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان.
(9)المصدر نفسه.
(1)السنن الكبرى – البيهقي: 6/160, ت(458هـ) دار الفكر.
(2) صحيح البخاري – البخاري: 1/112.
(3) سنن أبي داود – إبن الأشعث السجستاني:1/378, ت(275هـ) تحقيق سعيد محمد اللحام, ط1, 1410 – 1990م, دار الفكر للطباعة.
(4)صحيح البخاري – البخاري: 3/186.
(5)سنن الترمذي – الترمذي: 5/290, ت(279هـ), تحقيق وتصحيح عبد الرحمن محمد, ط2, 1403هـ - 1983م, دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان.
(6)تهذيب الأحكام– الطوسي: 9/232.
(7) ظ الطبقات الكبرى – محمد بن سعد: 1/502, ت(230هـ), دار صادر – بيروت.
(8) ظ الإصابة– ابن حجر: 6/46, ت(852هـ) تحقيق عادل أدهم بن الموجود والشيخ علي محمد معوض, ط1, 1415هـ - دار الكتب العلمية, بيروت.
(9)ظ: نيل الأوطار– الشوكاني:6/129.
(1) مغني المحتاج – محمد بن أحمد الشربيني: 2/376.
(2)ظ: تفسير السمرقندي – أبو الليث السمرقندي: 1/255, ت(383هـ) تحقيق د. محمود مطرجي – دار الفكر - بيروت.