أثر القومية في العلاقات الدولية

أثر القومية في العلاقات الدولية

العلاقات الدولية هي منظومة السلوكيات التي ينتهجها أطراف المعادلة الدولية في اتجاهاتهم السياسية إزاء بعضهم البعض ، وهنا نجد أن فهم هذه السلوكيات الدولية كفيل بتفسير كل ما ينتج عنها من مخرجات دولية نلمسها على أرض الواقع ، ولفهم أي سلوك دولي ينبغي علينا التعرف على طبيعة القوى التي تتحكم في تشكيل هذا السلوك وتحديد الكيفية التي تؤثر فيها هذه القوى .
ونحن هنا نتناول القومية كأحد أهم القوى التي تتحكم في تشكيل السياسة الخارجية لأطراف النظام الدولي ، لأن فهم موضوع القومية -باعتقادنا- هو شرط أساسي لتفهم ظاهرة السلوك الدولي عموما ، ذلك أن الخصائص الذاتية المتميزة لكل دولة سواء كانت هذه الخصائص بشرية أم جغرافية أم حضارية أم إقليمية ..الخ ،هي التي تؤثر في تحديد مصالح الدولة وأهداف سياستها الخارجية وبالتالي ترسم أبعاد دورها في المجتمع الدولي ( ).
وتعتبر القومية من أهم مصادر الصراعات السياسية الدولية ، ذلك أن الحساسيات الناتجة عن الاختلاف في الكيانات والمصالح القومية قد خلق شعور لدى كل دولة بأنها المسئولة أساسا عن الدفاع عن كيانها ومصالحها في وجه التحديات القومية المناوئة ،أو بمعنى آخر ،فأن الولاء لهذه القوميات طغى على إحساس الدول بمسؤلياتها تجاه السلام العالمي أو تجاه المجتمع الدولي الذي تتعامل معه  ( ).
وقد أدى نمو القومية وانتشارها إلى انبثاق العديد من الدول الجديدة إلى المجتمع الدولي ومن فئات الدول التي خلقتها هذه الحركات القومية النامية ( ) :
أولاً : الدول التي كانت أجزاء من الممتلكات الاستعمارية فيما وراء البحار والتي ترتبط مع الدول الإمبريالية برباط من الثقافة المتجانسة مثلما كان الحال مع الولايات المتحدة الأمريكية والكومنولث البريطاني في علاقاتهم بالمملكة المتحدة ، أو دول أمريكا اللاتينية في علاقاتها باسبانيا والبرتغال ، وهذه الدول استقلت تأكيدا لكيانها القومي دون اعتبار لهذه الروابط الثقافية المشتركة مع القوى الإمبريالية التي سيطرت عليها في وقت من الأوقات .
ثانيا : الدول التي كانت مجزأة في عدد من الكيانات الإقليمية المحدودة رغم انتمائها إلى قومية واحدة ، ومن أمثلتها ألمانيا وإيطاليا في القرن التاسع عشر .
ثالثاً : الدول التي ظهرت نتيجة لحركات قومية في مواجهة التسلط والنفوذ الاستعماري وذلك ابتداء من تمر الشعوب الواقعة في البلقان ضد سلطة الإمبراطورية العثمانية واستقلالها في أوائل القرن الحالي وانتهاء بالأعداد الضخمة من الدول التي استقلت في أسيا وإفريقيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية .
      وفي كل الحالات السابقة ، قد انبنى مطلب هذه الدول في الاستقلال على أساس أن كلاً منها كانت تتمتع بكيان قومي ذاتي يعطيها الحق في تقرير مصيرها وفق ما تراه مناسبا ومتمشيا مع ظروفها وأوضاعها الخاصة ، وقد أدى ذلك إلى تفجير عدد كبير جدا من الصراعات الدولية ، ويرجع ذلك إلى سعي الدول إلى توسيع حدودها لكي تضم بداخلها الشعوب التي تشاركها قوميتها ، فالحدود السياسية للدول لا تتفق في كل الأحوال مع التقسيمات القومية للشعوب ، وهو ما يمثل الفارق بين مفهوم الدولة ومفهوم الأمة ، فالدولة هي كيان سياسي يتحدد في إطار جغرافي أو إقليمي معين ، أما الأمة فهي دلالة على كيان قومي معين خارج عن الإطار الجغرافي أو الإقليمي الذي يعتبر أحد المقومات الرئيسية للدولة  ( ).
      وهناك الكثير من الأمثلة على هذه الصراعات الحدودية القومية التي تعتبر سمة من سمات العلاقات الدولية ، فهناك النزاع الدائم بين ألمانيا وفرنسا على إقليم الالزاس واللورين وحوض السار ،النزاع بين إيطاليا ويوغسلافيا على إقليم تريستا ، النزاع بين بولندا وتشيكوسلوفاكيا على إقليم تسكين ، والنزاع بين بلغاريا ويوغسلافيا واليونان على إقليم مقدونيا ، والنزاع بين الولايات المتحدة والمكسيك حول إقليم تكساس ، وهو النزاع الذي تسبب في الحرب الأمريكية المكسيكية عام 1846 ، وهناك أيضا النزاع بين الصين والهند حول إقليم الهمالايا الذي أدى إلى اندلاع الحرب بين الدولتين عام 1962 ، والنزاع بين الهند والباكستان حول إقليم كشمير .
      وهذه المشاكل حول الحدود تؤدي إلى إذكاء الروح القومية ، وزيادة حدة الصراعات الدولية ( ) ،ولا نعني هنا بالطبع أن جميع النزاعات الحدودية قائمة على صراع قومي لأن هناك العديد من النزاعات الحدودية يقوم على أهداف إستراتيجية أو إقتصادية ،ومع ذلك فهي في النهاية تصب في المصلحة القومية لأي دولة .
      وإضافة إلى كل ما سبق يجدر بنا الإشارة إلى دور البعد القومي في إحداث معظم التغيرات التي كانت تغير خارطة العلاقات السياسية الدولية باستمرار ، ولا تكمن أهمية هذه التغيرات العظيمة بظهورها فقط ، وإنما بالمتغيرات والمعطيات الدولية الكثيرة التي رافقت هذا الظهور والتي لعبت دورا كبيرا في تشكيل السياسات الخارجية لجميع أطراف العلاقة الدولية دون استثناء ، ويكفي أن نذكر أن الحربين العالميتين كانتا بعض من هذه المتغيرات والمعطيات التي جاءت أصلا كنتاج للتغيرات التي أحدثتها القومية في العلاقات الدولية .
      ومن أهم التغيرات التي أحدثتها القومية في تاريخ العلاقات الدولية هي الثورة الفرنسية ، التي تعتبر إحدى الثورات الكبرى الثلاث التي شكلت المدنية الأوربية الحديثة بالإضافة إلى حركة الإصلاح الديني والثورة البلشفية( ).
      وتوصف الثورة الفرنسية بأنها الحركة التي لعبت فيها المشاعر القومية دوراً واعياً حاسماً وعبرت فيها الإرادة القومية - لأول مرة في التاريخ - عن ذاتها بإجراءات محددة  تستهدف فرض (اللغة القومية ) ، ووضع أسس ( التربية القومية ) بل وظهر فيها لأول مرة ما يمكن أن نسميه ( الأيديولوجية القومية ) ،حيث كانت هذه الثورة بمثابة المرحلة الأخيرة في بناء الوعي الفرنسي ،ونضوج الأمة الفرنسية وتبلور أرادتها ،وكان ذلك إيذانا بمولد القومية الحديثة( ).
      ويعتقد البعض أن الثورة الفرنسية ما هي إلا ردة فعل شعبية عفوية نتيجة للأوضاع المأساوية التي كان يعيشها ذلك الشعب ، أو ما اصطلح على تسميته (بثورة الغوغاء) ، ولكن الحقيقة أن الثورة الفرنسية قد قامت على أكتاف الطبقة الوسطى المثقفة والتي كانت تعتنق المفهوم القومي للامة الفرنسية ، حيث كانوا يعتبرون أنفسهم ممثلي الأمة الفرنسية( ).
      ويظهر البعد القومي في الثورة الفرنسية من خلال الإجراءات التي تمت خلال الثورة والتي كانت تعبيراً حقيقياً عن إرادة قومية ،وليس عن إرادة طبقة تسعى إلى فرض نفسها على المجتمع ككل ، فقد أسهمت الثورة الفرنسية بعناصر كثيرة محددة وبارزة صارت منذ ذلك الوقت من علائم ظهور الإرادة القومية في كل مكان تقريباً ،فقد دعمت الثورة الدولة القومية الجديدة على حساب الكنيسة وسمحت للأفراد بمجال واسع في اختيار ولاء اتهم الدينية ، ولكنها غرست في نفوسهم مبدأ أن كل المواطنين ملزمون بالولاء الأول للدولة القومية وحدها ، وابتكرت رموزاً جديدة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحركات القومية في جميع أنحاء العالم ، مثل العلم القومي والنشيد القومي والأعياد القومية بالإضافة إلى الإصرار على استخدام لغة واحدة هي اللغة القومية ،ومنع استخدام أي لغة أخرى داخل فرنسا ،فقد أدرك الثوار الفرنسيين الأساس اللغوي للجنسية ، ووجدوا أنه من الضروري لتحقيق تصميمهم على رفع الولاء القومي فوق كل الولاءات الأخرى       ، أن يفرضوا على كل المواطنين الفرنسيين (اللغة المركزية أو القومية ) ، ويرتبط بهذا الاتجاه أن الثورة الفرنسية كانت أول من وضع نظاماً عاماً للتعليم الإجباري على نطاق قومي تموله الدولة وتوجهه ، وكان البرنامج الموضوع يتضمن تعليم الوطنية القومية والواجبات القومية على قدم المساواة مع المواد الأخرى ، والأهم من ذلك كله إلغاء المقاطعات المحلية التي كانت تعتبر نفسها كيانات مستقلة نسبياً عن الدولة ،مما أدى إلى إلغاء الروح المحلية ، وما كان ذلك ليتم دون مقاومة لولا سيادة المشاعر القومية( ).
      والوقع أن عددا كبيرا من الباحثين في هذا الميدان متفقون إلى حد كبير على أن الثورة الفرنسية تعتبر نقطة البداية للتعبير الواضح عن الإرادة القومية عملياً ، فيذهب كون في كتابه (فكرة القومية) إلى أن أول تعبير كبير للقومية هو الثورة الفرنسية ، وينقل عن جوش قوله أن القومية بنت الثورة الفرنسية ، ثم يذهب إلى أن الشعوب المتمدينة لم تشعر بأن الولاء القومي أهم وأقدس مصادر الوحي في الحياة إلا منذ الثورة الفرنسية ، ويؤكد أيضاً أن الثورة الفرنسية كانت أول التعبيرات الكبرى عن مذهب القومية ، ومن أقوى عوامل تكثيف الوعي القومي ، ويربط بين الديمقراطية والقومية (التي لا يمكن تصورها بدون أن تسبقها أفكار السيادة الشعبية) .
      وكان من الآثار المباشرة لانتصار الإرادة القومية في الثورة الفرنسية ظهور مفهوم جديد تماما هو فكرة (الاستفتاء) كوسيلة لتحديد الانتماء القومي تعتمد أساسا على مشيئة أصحاب الشأن أنفسهم كأفراد متساوين فيما لهم من حقوق بالنسبة للمجتمع الذي ينتمون إليه ، فقد كان الاستفتاء الشعبي الذي أجرى في أفينيون تحت رعاية فرنسا وتقرر بمقتضاه ضمها إلى فرنسا في عام 1791 إيذانا بمولد سياسة جديدة أحدثت ثورة في العلاقات الدولية ، ولم يلبث زعماء الثورة أن أعلنوا مبدأ تقرير المصير القومي ، ودعوا كل الأمم إلى التخلص من طغاتها على أساسه ، يقول كارنو ، الذي أطلق عليه في الثورة لقب (منظم النصر) : إن لكل أمة الحق في أن تعيش بمفردها إذا شاءت ، أو أن تتحد مع غيرها للصالح المشترك ، وأعتبر الفرنسيون أن العمل على تحقيق هذه الدعوة هو رسالتهم القومية التي حملوها معهم إلى معظم بلاد أوروبا إبان الصراع الطويل الذي هز أوروبا ، فكانت -كما يقول هيز - أعظم الدروس التي تلقتها أوروبا في فترة حروب نابليون وأبعدها أثراً هي القومية ، وكان جنود نابليون رسل إنجيل القومية الجديد ودعوا لفكرة الأمة التي لا تنقسم ، الأمة فوق كل الطبقات ، وكل الفوارق الدينية ، الأمة ذات الرسالة( ).
      ويتأكد لنا مما سبق أن القومية كانت الدافع الأكبر للثورة الفرنسية والتي تعتبر كما ذكرنا بداية من أعظم التغيرات التي شكلت المدنية الأوروبية الحديثة ، وبالتالي العالم الحديث ، ومعظم العلاقات السياسية الخارجية بين أطراف المعادلة الدولية منذ ذلك الوقت وحتى الوقت الحاضر .
      وبالإضافة إلى الثورة الفرنسية ، وفي إطار حديثنا عن التغيرات التي أحدثتها القومية في تاريخ العلاقات الدولية سواء الماضي أو المعاصر ، فأنه يجدر بنا تناول الوحدة الألمانية والإيطالية كنتيجة لجهود الحركات القومية في كلتا الحالتين ، وليس هناك من ينكر أن الوحدتين الألمانية والإيطالية هما نتيجة للفكرة القومية بشكل خالص ، وليس هناك أيضا من ينكر دور هاتين الوحدتين في تشكيل العلاقات الدولية لمدة قرن من الزمان ، والذي كان أهمها أكبر حربين في تاريخ البشرية .
      ونتيجة لتشابه الظروف الموضوعية لكلا الوحدتين فأننا نكتفي هنا بتناول الوحدة الألمانية فقط، حيث نجد أن الحركة القومية الألمانية قد تأثرت بشكل كبير بالثورة الفرنسية وشعاراتها القومية ، ودعوتها للشعوب إلى ممارسة حقها في حكم نفسها ، حيث كانت هذه الحركة تسعى لإيجاد دولة ألمانية موحدة ،بدلا من مجموعة الدويلات الألمانية التي وصلت ابان معاهدة وستفاليا إلى ما يقارب 360دويلة ، ثم انخفضت في فترة حكم نابليون إلى 38 دويلة ،وعند قيام الوحدة الألمانية كان عددها 25 دويلة ( )، وقد أثارت الثورة الفرنسية لدى الألمان كما الشعوب الأخرى ،التفكير في الأقلية التي تتحكم في تلك الشعوب وممن تتكون ،وانتهى هذا التفكير إلى فحص جنسية هذه الأقلية وما إذا كانت تنتمي إلى نفس الشعب الذي تحكمه أم أنها أجنبية عنه ، وهذا السؤال يثير بطبيعته التفكير في من هو الأجنبي وما هي الأمة .
      وقد بدأ التنظير لفكرة القومية الألمانية عن طريق المفكرين جيته وشيلر حيث بدءوا بالمناداة إلى أن لكل شعب عبقريته الخاصة في فهم الحرية والمساواة ، وان للشعب الألماني بحكم ثقافته وعبقريته المختلفة أن يشكل آراءه الخاصة في ذلك ، وقد أوشكت هذه الآراء أن تتحقق بطريقة عملية وتجسد الحركة القومية الألمانية على أرض الواقع بعد الانتصارات الساحقة التي حققتها النمسا وبروسيا على فرنسا في نهاية عهد نابليون ، حيث ساد الألمان شعور بالمجد القومي حينما انتصروا في معركة ليبزيج عام 1813، وتوقعوا أن يؤدي ذلك إلى بعث ألمانيا الموحدة بعد القضاء على نابليون( ).
      ولكن رفض النمسا لفكرة توحيد ألمانيا جعل فكرة الوحدة تتراجع ،ولكن  أفكار المفكرين فيخته وهيجل وسافيني ظلت تصب في الدعوة إلى توحيد البلاد التي تضم العنصر الجرماني على اعتبار أن الجرمان يمثلون أرقى الأمم البشرية وأن الألمان يجب أن يرثوا الإمبراطورية الرومانية المقدسة( ) ، ويلاحظ أن هذه الأفكار هي نفس الأفكار التي تبنتها الحركة النازية والتي أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية ، وتعتبر أفكار فيخته التي جاءت على شكل خطابات إلى الأمة الألمانية ،نموذجا للدعوة القومية في مطلع القرن التاسع عشر في أوروبا ، حيث خاطب فيها روح الشعب الألماني ، وضمنها مفهوما محددا للأبعاد القومية يتميز بالتركيز على الأمة ، وعلى اعتبارها العامل الرئيسي في تكوين الطابع القومي ، وضرورة تطابق حدود الدولة مع نطاق من يتكلمون اللغة القومية( ).
      ولسنا هنا بصدد السرد التاريخي للخطوات التي قامت بها بروسيا التي تبنت الحركة القومية الألمانية وفكرة توحيد ألمانيا ، واستطاعت تحقيق ذلك فعليا عام 1871 ، ولكن ما يهمنا بالفعل هو توضيح دور العامل القومي في هذه الوحدة ، ودور الأفكار القومية الألمانية وخصوصا فكرة تفوق العنصر الجرماني ،التي ظلت تلقي بظلالها على العلاقات السياسية الخارجية لألمانية ، والتي أدت إلى اندلاع الحربين العالميتين ، وذلك بالطبع دون إهمال دور القوميات الأخرى في هاتين الحربين .
      وبالإضافة إلى الوحدة الألمانية والإيطالية ، فهناك الموجة العارمة من الحركات القومية التي شغلت العالم طوال القرون الثلاث الأخيرة والتي لا زالت تلعب دورا مؤثراً في العلاقات الدولية حتى يومنا هذا ، ويمكن القول أن معظم أحداث القرنين التاسع عشر والعشرين كانت بمجملها قائمة على المسألة القومية ، ولسنا نعني هنا في أوروبا فقط وإنما في جميع أنحاء العالم ، فهناك العديد من القوميات الآسيوية ومعظمها أقدم من الأمم الأوروبية ، مثل الأمة العربية والأمة الصينية والأمة الهندية ، والأمة اليابانية ، والأمة الفارسية في إيران ، وقد شكلت هذه القوميات مجمل العلاقات الدولية في آسيا وأمتد أثرها إلى جميع القارات .
      ولان كان كل ما سبق يؤكد الدور العميق والمؤثر للبعد القومي في العلاقات الدولية ، فقد يتساءل البعض هل سيستمر هذا الدور في ظل التطورات التي يشهدها العالم وفي ظل المصطلحات والمفاهيم الجديدة ، كالنظام الدولي الجديد ، والعولمة ، والأحلاف الاقتصادية ، والشركات المتعددة الجنسية ، والوحدة السياسية الأوروبية  ؟؟؟
      وللإجابة على هذا السؤال أعتقد أننا بحاجة إلى كتاب كامل وليس بحث قصير كهذا ، ومهما يكن فأن الإجابة على هذا السؤال يمكن أن تنحصر وبشكل أساسي في محاولة دراسة العامل الأهم والأخطر والأشد  تأثيراً  على القومية والدولة القومية والذي بدأ يشغل بال معظم مفكري السياسة والاقتصاد والاجتماع خصوصاُ والعلوم الاخرى عموما ، وهذا العامل أو التطور هو العولمة الذي يعتبر أهم التحديات الكونية التي تواجه الفكرة القومية بالاضافة طبعا للشركات والتحالفات الاقتصادية والتجمع الأوروبي ، ولأن كانت العولمة لم تستقر بعد بشكلها النهائي حتى نستطيع تحديد الاثار التي يمكن أن تترتب عليها إلا أننا ومن خلال ما بدأ العمل به في جميع الاوساط سواء الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية فأنه يمكننا استقراء بعض التأثيرات المحتملة للعولمة على القومية والدولة القومية ،ويمكن القول أنه لا توجد دولة تستطيع أن تعزل نفسها عن العولمة وتأثيراتها مهما كان حجمها وقوتها الاقتصادية .
      ولا بد لنا في تناول هذا الموضوع التمييز بين الدولة القومية في العالم المتقدم والدولة القومية في العالم الثالث على الرغم من أن الطرفين خاضعين للتأثير المباشر من قبل العولمة والعوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية المرافقة لها ، إلا أن مدى التأثر يكون متفاوتاً ونسبياً بالتأكيد .
      فالدولة الرأسمالية هي دولة قومية بالأساس اعتمدت فيها القومية على رأس المال واعتمد رأس المال عليها لذلك أقامت تلك الدول اطر ومؤسسات تكفل تأمين تطور علاقات الانتاجية الرأسمالية وتوسعها ، يقول بول سويزي ( إن الشركات تعتمد كلياً في وجودها على الدولة في حين أن الدولة تعيش على فائض ما تنتجه تلك الشركات وبالتالي فهما يوجدان في حالة تكافلية يعتمد كل منهما على الآخر ) واستمرت هذه العلاقة ونجم عنها باستمرار عملية توسع على أساس أن تراكم رأس المال من السمات الأساسية لنظام الانتاج الرأسمالي وتوقف هذا الانتاج يؤدي بالضرورة لأزمات للمجتمع والدولة .
      وتاريخيا يلاحظ أن انتشار الشركات وتوسعها كان مقترنا بدعم دولها لها وحمايتها، وعليه نلاحظ أن الدولة القومية في الغرب قد ترافق تطورها تطور رأس المال وإنهما يخدمان بعضهما البعض ولا قوة لاحدهما دون الآخر ولذلك فإن زوال الدولة القومية في الغرب أمر ولو نظرياً غير وارد ( ).
      ويقول بول كيندي أن التحديات الكونية تثير جدلا حول الدولة القومية ذاتها وجدواها فالعامل المستقل والرئيسي الذي لعبته الدولة في الشؤون السياسية والدولية على مدى العقود السابقة يبدو انه يفقد سيطرته وانه اصبح نموذجا مغلوطاً للكيان القادر على معالجة الظروف المستجدة لذلك فهو يتكلم عن نقل للسلطة في اتجاهين أعلى واسفل وتوفير هياكل تكون اقدر على الاستجابة لقوى التغيير الحالية والمستقبلية .
      أما بالنسبة لنقل السلطة للأعلى أي لخارج الدولة القومية وهو يشير بذلك إلى القوى العابرة للقومية ونظم الاتصالات الكونية وكذلك الدور المتزايد للمؤسسات والاتفاقيات الدولية استنادا للتفكير القائل بأن المشكلات الدولية حتى تجابه بنجاح لا بد من معالجتها على نطاق دولي ، أما نقل السلطة للأسفل أي إلى وحدات اصغر من الدولة القومية فهي ناتجة عن تطورات اقتصادية وتكنولوجية فمثلا زوال الحدود بين أوروبا سمح بظهور مناطق تجارية إقليمية ( ) كانت محظورة من قبل الجمارك في السابق فمثلا سلوفينيا تتكامل مع النمسا أكثر من صربيا ، والالزاس واللورين تتكاملان مع ألمانيا أكثر من باريس وهناك ولايات أمريكية تفتح لها ممثليات في الخارج للقيام بدبلوماسية الاستثمار  وعلى صعيد فردي ، وهذا اتجاه يؤيده الاقتصاديين على اساس أن التجارة لا تخضع للقيود بل تتبع مسارها الطبيعي على الرغم مما ينجم عن نقل السلطة للاسفل من تفكك قومي وتعاني الكثير من الدول من هذه المشكلة مثل يوغسلافيا وإفريقيا والأكراد في تركيا.
      كذلك مسألة اخرى مرافقة للعولمة وهي مسألة التكتلات كالاتحاد الأوربي حيث أن هنالك باحثون يقولون بظهور دولة فوق قومية ، لكن هذا الرأي ليس صائبا تماما فالوحدة في أوربا أساسها أهمية رأس المال وليست دولا منسجمة كالدولة القومية وكذلك وجود فوارق اجتماعية واقتصادية مما سيؤدي بطرق لاستقطاب اطراف اخرى وكذلك ماذا يكون مستقبل هكذا اتحاد في حال تضارب المصالح ( ).
      أما بالنسبة لدول العالم الثالث الأكثر تأثرا بهذه العوامل فيقول الدكتور محمد عابد الجابري : " بما أن العولمة نظام يقفز على الدولة والامة والوطن فأنه يعمل في المقابل على التشتيت والتفتيت وإن اضعاف سلطة الدولة والتخفيف من حضورها لفائدة العولمة يؤديان حتما لاستيقاظ اطر الانتماء السابقة على الدولة وهي القبيلة والطائفة والجهة والتعصب والمذهبية والنتيجة تفتيت المجتمع وتشتيت شمله " ( ).
      وهناك الكثير من الامثلة على تفتيت المجتمعات والدول ونقل الولاءات لجهات غير الدولة ، واخيرا تبقى الدولة القومية المصدر الاول لهوية معظم الناس ومازال الافراد يدفعون الضرائب للدولة ويخضعون لقوانينها ويخدمون في جيشها ولا يستطيعون السفر دون جواز سفر من دولتهم وانه كلما ظهرت مشاكل في المجتمع كالهجرة غير الشرعية فأن الناس يلجئون لحكومتهم لإيجاد حلول لهم ( ).
      ووفق جميع المعطيات السابقة فإن المستقبل لا زال مجهولا وربما يحمل الكثير من المعطيات والتغيرات الجديدة التي ربما يكون لها الأثر الأشد تأثيرا مما سبق ذكره ولكن بناء على الواقع الذي نعيشه نرى أن الدولة القومية لا زالت تلعب الدور الاساسي والمحوري في العلاقات الدولية حيث أنه ولغاية الان لم يأتي ما يثبت تهميش دور القومية والقفز عنه لصالح افكار جديدة سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ، وربما يفضل أن نكون بانتظار ما ستسفر عنه المعطيات الجديد وما سيتمخض عنها من تغيرات على جميع الأصعدة .



تأثير القومية على العلاقات الدولية
القومية و العلاقات الدولية
العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية
أثر القومية في العلاقات الدولية
مفهوم الدولة القومية
تعريف القومية اصطلاحا
مفهوم القومية
مفهوم القومية
مفهوم الدولة القومية
تعريف القومية باختصار
تعريف القومية العربية
نشأة الدولة القومية