نشوء الحركة القومية الكردية والنزعة القومية الكردية

نشوء الحركة القومية الكردية والنزعة القومية الكردية
قبل البدء في البحث عن نشوء النزعة القومية الكردية أو نشوء الحركة القومية الكردية لا بد أن نميز بين ثلاث مستويات مختلفة من مستويات الترابط القومي كما يميزها بعض الباحثين( ):

أولا/ المستوى الوجودي الشعوري للارتباط القومي:
و يعبر هذا المستوى عن احساس الجماعة الاجتماعية بذاتها بوصفها جماعة مميزة تحدد نفسها بـ (نحن) وتميز الآخرين بوصفهم (هم). و تشترك في هذا المستوى كل الجماعات القومية القديمة والحديثة، البدائية والمتحضرة، الصغيرة والكبيرة، لا فرق بينها في ذلك الاحساس، وينعكس هذا المستوى في صورة شعوراحساس إنساني فردي وجماعي بوحدة الجماعة التي ينتمي اليها الفرد ويشترك مع باقي اعضائها بخصائص توحدهم وسمات تميزهم. ومن ثم يترتب على ذلك شعور احساس مرادف ومقابل بالاختلاف عن الجماعات الاخرى انطلاق من التباين معها في السمات والخصائص التي تتمتع بها. ويخلق هذا الشعور الاحساس فضائين اجتماعيين وثقافيين نسمي الفضاء الذي تنتمي اليه الجماعة بـ(نحن/ ذات) ونسمي فضاء غيرهم بـ (هم/ الآخر).

ثانيا/ المستوى الوجودي الفكري للارتباط القومي:
و يعبر هذا المستوى عن تقدم الجماعة القومية خطوات جديدة على طريق تعميق ارتباطها القومي وصولاً إلى ما هو أبعد من المستوى الوجودي الشعوري، حيث تحتفظ الجماعة القومية بالمستوى الأول، لكنها تضيف اليه قيامها بتقديم مساهمات نظرية فكرية واعية، تؤكد من خلالها وحدتها وتمايزها، وتعمل من خلالها على الدفاع عن ذاتها وتأكيد مصالحها القومية وقيمها، جاعلة من رابطتها القومية محركا لنشاطها الفكري الواعي واقعا لهذا النشاط. وتتم اطار هذا المستوى محاولة التعبير عن وحدة الجماعة القومية وهويتها المميزة، والبحث في ذلك و تأمله نظرياً باستخدام الادوات الفكرية ومنتجاتها و أساليبها المختلفة، أدبية كانت أم فنية أم بحثية منهجية. وإذا كان المستوى الأول أمراً تشترك فيه كل الجماعات الانسانية فأن المستوى الثاني يقتصر وجوده على عدد أقل من الجماعات القومية، تتميز ببلوغها درجة من الرقي والتحضر تسمح لها بخلق وتطوير ادوات تعبير فكري واع تجسده شعراً أو قصة أو رواية أو بحثاً منهجياًفي الظاهرة القومية.

ثالثا/ المستوى الوجودي السياسي للارتباط القومي:
وهو آخر المستويات الوجودية للارتباط القومي وأكثرها عمقاً وتطوراً وتعقيداً، إذ يضم في إطاره عناصر ومضامين المستويين السابقين مضيفاً اليها عناصر جديدة ذات طبيعة سياسية وقانونية تلخصها الحقوق الأساسية الثلاثة للجماعات القومية أو الأمم التي ظهرت في إطار المستوى الوجودي السياسي ومثلث جوهره وأساسه ألا وهي:
-    حق الجماعة القومية (الأمة) في تقرير مصيرها.
-    حق الجماعة القومية (الأمة) في إقامة دولتها القومية المستقلة الموحدة.
-    حق الجماعة القومية (الأمة) في السيادة الكاملة في دولتها وعلى إقليمها.
-    هكذا تكون ولادة المستوى الوجودي السياسي للارتباط القومي مشروطة بامتلاك الجماعة القومية للمستويين الوجوديين الشعوري والفكري ثم امتلاكها لحق تقرير مصيرها واقامة دولتها القومية المستقلة ذات السيادة.
اما مايخص البحث عن نشوء النزعة القومية الكردية فانه من الصعب تحديد تأريخ محدد لهذا النشوء يتفق عليه الباحثون، والسبب هو أولاً قلة الدراسات والأبحاث الاكاديمية حول هذا الموضوع وثانيا عدم التمايز بين المستويات الثلاث الذي ذكرناها بخصوص الترابط القومي مما يؤدي بالبعض إلى اعتبار عام (1695م) أي عام كتابة (مم و زين- مةمء زين) من قبل الشاعر الكردي (أحمدي خاني) بداية نشوء الفكر القومي الكردي وايضا بداية ظهور الحركة القومية الكردية( ). ويعتمد هؤلاء على بعض الأبيات الشعرية من قصائد (أحمدي خاني) يصف ويمدح فيها شهامة وشجاعة الكُرد، وينتقد أمراء وحكام الامارات الكردية لأنهم أصبحوا تابعين للترك أوالعجم، بالاضافة إلى ذلك فانه يؤكد على ضرورة الوحدة بين الكُرد ويقول، إذا توحدالكرد وتضامنوا فيما بينهم، فان الروم والعجم سيصبحوا خدماً عند الكُرد، وهكذا نحن (الكُرد) نكمل ديننا و دنيانا ودولتنا وسنصل إلى قمة العلم والحكمة. وحول تبريره وتفسيره الكتابة باللغة الكردية يقول (أحمدي خاني)( ).
دا خلق نةبيذيتن كو اكراد بى معرفتن بى أصل و بنياد
هةم اهلى بةبين كو كرمانج عشقى نةكردن ذبو خوة امانج

يقصد (أحمدي خاني) انه كتب باللغة الكردية حتى لا يقولوا بأن الكرد هم في الاصل لا يعرفون الكتابة والقراءة وأنهم يفتقدون العلم والمعرفة والثقافة، ويقول أحمدي خاني أيضا "إنني حائر في المصير الذي خصصه الله للكرد، هؤلاء الكُرد الذين بلغوا المجد بسيوفهم، كيف يصح منعهم من حكم أنفسهم بأنفسهم واخضاعهم لسلطة الآخرين؟ إن الترك والفرس محاطون بأسوار كردية وكلما تحرك جيوش العرب والترك سبح الكُرد في الدماء التي يسفكها هؤلاء إننا متفرقون دوماً وعلى خلاف فيما بيننا، ولا يخضع الواحد منا للآخر... أما إذا اتحدنا جميعاً، فلن يستطيع هؤلاء الوقوف في وجهنا"( ).
إن مكانة (أحمدي خاني) وعلاقته بالقومية الكردية مرتبطة بالدرجة الأساسية بمكانته و دوره في الثقافة والأدب و اللغة الكردية بصورة عامة، بالرغم من أن العمل في اللغة لا يكفي لنشوء النزعة القومية الكردية، وأن (أحمدي خاني) لم يستطيع التحرر من تأثير الفكر الديني والثقافة الدينية في استخدامه لمفاهيم ومصطلحات مرتبطة بالثقافة الدينية الاسلامية أكثر مما ترتبط بالثقافة أو الفكر القومي الحديث، علما بأن المفاهيم السياسية القومية لم تتبلور بصورة واضحة حينها حتى في الغرب( ). وهكذا حسب راي بعض الباحثين لا يمكن اعتبار بعض الأبيات شعرية ذات الطابع العاطفي في التعبير عن الحب للقوم، بأنها جوهر الفكر القومي الكردي ومن ثم بداية الحركة القومية الكردية. ولكن يمكن القول بأن (أحمدي خاني) ساهم في ظهور الفكر القومي الكردي،أو مهد له بدعوته لنصرة الكُرد وتمنياته الوحدة والغلبة الكردية مقابل الفرس والترك ومطالبته بأن يحل الكُرد مكان الترك في الحكم ولم يطالب بتأسيس  دولة كردية قومية( ). يقول (به ختيار عةلى)، أن من أكبرالأخطاء هو البحث عن تأريخ النزعة القومية والحركة القومية في الأدب، لانه لا يمكن لنا البحث عن الفكر القومي والحركة القومية في الأدب والشعر، ولهذا فمن الخطأ أن نعتبر بيت شعر لأحمدي خاني أو لغيره، دليلاً على وجود الفكر القومي والحركة القومية الكردية، لأن النزعة القومية ليست فقط خيالاً يوتوبياً، وانما هي حقيقة و واقعة اجتماعية وسياسية ومشروع صريح و واضح، قد يبدأ مع اليوتوبيا أو يدعمه الخيال لكنه لا تقف ولا تكتفي بهذا الحد( ).
وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك (أي ابعد من أحمدي خاني)، بكثير بأرجاع الوعي والحركة القومية الكردية إلى معركة جالديران (1514) التي وقعت بين جيوش السلطان العثماني سليم جيوش الشاه اسماعيل الصفوي التي أدت إلى تقسيم كُردستان لأول مرة بين الصفويين والعثمانيين( ).
ويقول (احمد تاج الدين) إن المرحلة الأولى للنضال القومي الكردي هي مرحلة موقعة جالديران( ). ويقول (جةمال نةبةز)، في الحقيقة لا يمكن معرفة متى وكيف بدأ الاكراد نضالهم القومي لتأسيس دولتهم القومية الموحدة والمستقلة، ولكن من غير المشكوك فيه بأن مثل هذه الدولة الكردية المستقلة وجدت على شكل إمارات منذ القدم، حيث كانت كل امارة تحتوي وتضم جزء من الأمة الكردية( ). ويحأول (جةمال نةبةز) أن يفسر كل المحاولات التي قام بها الاكراد تلك لتوحيد الإمارات بأنها محاولات قومية من أجل بناء دولة قومية كردية، ولكنه يرجع ويؤكد على أن النضال العملي من أجل الدولة الكردية الموحدة والقومية بدأ في القرن الثامن عشر، و وصل إلى ذروته في النصف الأول من القرن التاسع عشر عندما بدأ أمراء البابان والسوران والبوتان والبهدينان والاردلان ثوراتهم الواحدة تلو الأخرى ضد العثمانيين والقاجاريين، فان هؤلاء كلهم بدأوا النضال القومي الكردي في التاريخ الحديث من أجل دولة كردية قومية مستقلة( ).
ولكن هذه الآراء هي محاولة لإسقاط الماضي على الحاضر والحكم على التاريخ الماضي والاحداث الماضية بمعايير حديثة، إذ لا يمكن اعتبار كل انواع الصراعات السياسية والاجتماعية بين المجموعات السكانية قبل نشوء مبدأ القوميات نزاعات وصراعات قومية. يقول (جلال الطالباني) بصدد ظهور القومية الكردية وحركتها التحررية، إن هذه العملية الاجتماعية، عملية تكون القومية الكردية ونشؤ حركتها التحررية، قد نجمت عن تفاعل جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والفكرية مع العناصر الأولية للأمة الكردية التي كانت بمثابة المواد الخام في هذه العملية الاجتماعية المهمة، واهم هذه العوامل هي( ):
1.   احتلال واستعباد كردستان و آثارهما ونتائجهما، بعد الحملات العسكرية والقضاء على الإمارات الكردية وجميع مظاهر الحكم الكردي فيها والعمل على اخضاع الشعب الكردي بقوة الحديد والنار لسيطرة عثمانية المظهر وتركية الجوهر وفرض نظام مركزي.
2.   مقاومة سلمية ومسلحة ضد الغاصبين العثمانيين وحدوث انتفاضات مسلحة، وان هذه الإنتفاضات الثورية المسلحة أعطت السعرات الحرارية التي ساهمت في صهر العناصر الأولية للأمة الكُردية.
3.   التطورات الاجتماعية- الاقتصادية، في مجتمع كردستان وتصادمها مع السيطرة التركية.
4.   ما نتج عن توحيد الإمارات الكردية والمقاطعات المختلفة تحت لواء دولة واحدة ذات نظام واحد، من توحيد للاعراف والقوانين وتشابه في العادات ومن زيادة الاختلاط والامتزاج بين الاكراد.
5.   ظهور الحركة القومية التركية بعنف وبشكل عنصري ونشوء الحركات الوطنية في أرمينيا والبلدان العربية وبلغاريا وتأثير وانعكاس هذه الحركات على المتعلمين ورجال الدين الاكراد.

ويقول جلال طالباني أننا نستطيع في ضوء ما تقدم ملاحظة حقيقة ان القومية الكردية- بشكلها الابتدائي- والحركة القومية للشعب الكردي- في دور البداية والنشوء – قد ظهرتا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ثم غدت معالمها ظاهرة و واضحة رويداً رويداً معالمها ظاهرة وواضحة بحيث تبلور الشعور القومي المنعكس عنهما أيضا وانتشر بين المتعلمين والمتنفذين الاكراد- والوطنيين من التجار وأصحاب المانيفكتورات والمصدرين والمستوردين الذين أربكت السيطرة التركية أعمالهم وهددت مصالحهم بالضياع والضرر وبحيث اتخذ النضال الكردي ضد العثمانيين الغاصبين وسيطرتهم طابعاً قوميا لا لكونه فقط ضد الغاصبين الاجانب ودفاعاً عن نوع من الاستقلال القومي بل ولكونه ذا مضمون اجتماعي أيضاً( ).
ويحدد (باسيلي نيكيتين) ثلاث مراحل تطورية للحركة الوطنية الكردية كالتالي( ):
المرحلة الأولى، هي فترة التمردات والهيجانات الاجتماعية وثورات الاقطاعيين الحريصين على امتيازاتهم، حيث رافقت ثورة تركيا الفتاة محاولات عدة قام بها الكُرد من أجل تنظيم أنفسهم بغية الحصول على نظام يعترف بخصوصيتهم القومية، وتلك هي المرحلة الثانية، أما المرحلة الثالثة والأخيرة فقد اعقبت الحرب العالمية الأولى، و جرى فيها بحث المسألة الكردية في المحافل الدولية (معاهدة سيفر ومن ثم معاهدة لوزان). وفي المرحلة الثانية بدأت المحاولات الجدية لتنظيم الحركة الوطنية الكردية في إطار التنظيمات السياسية الكردية الأولى في القسطنطينية منذ عام 1908، حيث بدأ الكُرد وعلى طريقة القوميين العرب والترك في تنظيم أنفسهم، والتئموا في البداية حول صحيفة اسبوعية تأسست لتكون نقطة تلاق لجميع الذين كانوا نواة لتلك الحركة، فتبلورت لديهم فكرة التحرر الوطني.
وهذه الصحيفة التي تأسست في البداية في مدينة القاهرة عام (1898) هي صحيفة كردستان، ثم انتقلت إلى (جنيف) ثم إلى (فولكستن) في بريطانيا، ثم عادت إلى القسطنطينية عندما تسلمت جماعة (تركيا الفتاة) زمام السلطة، وخلال الحرب الكونية الأولى عادت إلى الصدور في القاهرة مرة أخرى، لقد تبدل محرروا هذه الصحيفة ولكنهم كانوا جميعاً ينتمون إلى اسرة (بدرخان): الامراء مدحت و عبدالرحمن وثريا بدرخان( ).
ويربط (ديفيد ماكدول) بين اعادة النظر من قبل الاتراك بنظام الملل، وتأكيدهم على الهوية القومية وظهور وتطور الوعي والحركة القومية الكردية( ). ويعتقد (به ختيار عةلى) بأن النزعة القومية الكردية ظهرت تحت ضغوط القوميات الأخرى (التركية والفارسية والعربية)، وأنها نزعة قومية انعكاسية لهذه القوميات أي عبارة عن ردة الفعل والمقاومة ضد هذه القوميات أكثر مما هي نتيجة للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الكردي، وأنها لم تكن نتيجة لهذه القوى الاجتماعية تربط سلطتها و نفوذها السياسية بشكل عضوي بسلطة ومصير الأمة، والحركة القومية الكردية هي حركة أمة مستعمرة أي حركة تحررية من احتلال الآخرين لها( ). ويؤكد هذا الراي (جلال طالباني) حيث يعتقد بأن نهج الحركة القومية الكردية هو نهج تحرري نتيجة التصادم القوي والحاد بين القوى الجديدة المتنامية في مجتمع كردستان وقوى السيطرة العثمانية المعرقلة لنموها، والصراع العنيف بين الحكومة العثمانية، التي أرادت إحكام طوق العبودية وشد قيود الاحتلال في أعناق وايادي الشعب الكردي بقوة الحديد والنار، وبين القوى الكردية التي أرادت التحرر وأبت العبودية. واندلعت الشرارة الأولى للثورة الوطنية الكردية منذ أواخر النصف الأول للقرن التاسع عشر، فالحركة التحررية القومية للشعب الكردي إذن حركة تاريخية موضوعية، منبثقة من صميم مجتمع كردستان تلبية لضرورات تطوره و مستلزمات تقدمه، وهي حركة تحررية لانها تستهدف التحرير الوطني من السيطرة  الاستعمارية للغاصبين وتحقيق الأماني القومية المشروعة، حق تقرير المصير( ).
ويؤكد (فالح عبدالجبار) أن النزعة القومية الكردية كما النزعة القومية العربية، لا تعبر عن تحول اجتماعي فعلي ناتج عن تطور الرأسمالية أو المجتمع الحديث، بل تشكل نوعاً من الاستجابة لمؤثرات العالم المحيط ومن هذه المؤثرات: الاصلاحات العثمانية (الدستور)، نشوء القومية التركية، الغزو الكولونيالي، وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة على أسس مبادي ولسون. وأن النزعة القومية الكردية والقومية العربية تميزت بأمرين:
1.   إن النزعة القومية كانت وما تزال سابقة لنشؤ الدولة- الأمة الكردية أو العربية.
2.   إن هاتين النزعتين القوميتين الكردية والعربية سابقتان أيضا لعملية الانتقال من التنظيم الزراعي إلى التنظيم الصناعي للمجتمع( ).
فإذن نستطيع القول بأن النزعة القومية الكردية ظاهرة حديثة، بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع العشر بشكلها البدائي، وعكست واقع المجتمع الكردي وتفاعله مع البيئة الدولية والسياسية المحيطة به، وتطورت في القرن العشرين. ولكن عدم التمييز بين المستويات الثلاثة للترابط القومي يؤدي ببعض الباحثين والقوميين الكُرد إلى إرجاع الوعي القومي الكردي والحركة القومية الكردية إلى تأريخ أبعد بكثير حتى من ظهور مبدأ القوميات في الغرب، ولكن ما يعتبرها هؤلاء دلائل على الوعي والفكر القومي الكردي و النزعة أو الحركة القومية الكردية، يمكن اعتبارها فقط دلائل على المستوى الوجودي الشعوري للارتباط القومي الكردي الذي يعكس الاحساس الاجتماعي الكردي بذاتية الاكراد بوصفهم جماعة مميزة، ولكن ظهور المستوى الوجودي الفكري للترابط القومي الكردي يعد ظاهرة حديثة تسبق قليلا المستوى الثالث من الوجود السياسي للارتباط القومي الكردي حيث برزت بصورة واضحة وصريحة وناضجة في بدايات القرن العشرين. وكما يقول (فريد هاليداى)، ينبغي النظر إلى صعود أية نزعة قومية لا بمفردات ما تؤكده النزعة القومية نفسها، وهو تنامي الوعي والتنظيم القوميين، فحسب وإنما  في سياق صراع الدول وضعف الدول المهيمنة أو تحولها. فقد لعب صراع القوي الكبرى، من حروب نابليون حتى نهاية الحرب الباردة، دوراً كبيراً في صعود النزعة القومية الحديثة في معظم أنحاء العالم ومن هذا المنطلق كان نشوء الحركة القومية الكردية ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر فصاعداً، بدرجة كبيرة، نتيجة صعود دول اخذت تقبل على الحداثة وظهور الحركة القومية بين غالبية شعوب الدول التي كان الكُرد يخضعون لحكمها: الاتراك والإيرانيون والعرب. وتسبب الضغط الغربي على الامبراطورية العثمانية، منذ القرن الثامن عشر فصاعداً، في إضعاف تلك الامبراطورية العثمانية من أواخر القرن التاسع عشر حتى نهاية عام 1908، ثم صعود الكمالية، إلى نشوء دولة تركية جديدة بعد عام 1923، وكذلك كان النظام البهلوي في إيران من جهته نتاجاً للأزمة التي عاشها ذلك المجتمع خلال الحرب العالمية الأولى، فقد عمل مشروعها على تحديث الدولة للمجتمع وتنمية شكل من أشكال القومية الإيرانية، مما شجع على انبثاق الحركة القومية الكردية في إيران، وفي العراق، وتكفل النظام الملكي الهاشمي ثم تعاقب الأنظمة العسكرية التي خرجت من عباءة القومية العربية بعد عام 1958، بتوفير الحافز والسياق لصعود الحركة الكردية في العراق( ).