شخصية المعلم و الطالب في الرواية


شخصية المعلم في الرواية 
شخصية المعلم المتعلم الاستاذ التلميذ في الراوية والقصة العربية 
        لعل أهم رواية تعرضت لشخصية المعلم هي رواية عبد الرحمن عباد ( مذكرات خروف)، فقد قدم لنا صورة قاتمة عن الواقع التعليمي في الضفة والقطــاع، فالانتهازية والنفاق والرشوة هي دليل بعض المعلمين، هؤلاء الانتهازيون ينالون الحظوة عند رؤسائهم فيصعدون على سلم الترقيات حتى يصلوا إلى أعلى المراتب،أما المعلم الجاد والمخلص في عمله فمحروم من أبسط حقوقه، ذلك أنه لا يستطيع أن يفعل كما يفعل المعزاوي، الذي كان يخف لاستقبال مدير المدرسة والموجهين عند البوابة ، فيفتح لهم باب السيارة وينحني مرحباً،(137)
وينتخب المعزاوي ممثلاً لزملائه بعد أن أقسم الأيمان " بأنه سوف يضع مصلحتهم أمام أية مصالح أخرى ."(138) و لكن لجنة الموظفين التي انتخب المعزاوي لعضويتها كانت وسيلة للارتقاء ، فعندما قدم أحد المدراء استقالته ، رغب المعزاوي أن يكون هو المدير الجديد، وفي سبيل ذلك يقدم أسماء زملائه الذين يدعون إلى الإضراب للمسئولين ، وينال المعزاوي الوظيفة، (139) وبعد أن يصبح مديراً يقوم بفصل عشرات التلاميذ وحرمانهم من حقهم في التعليم حتى تتحسن نتائج مدرسته وينال رضا المسئولين.    
        والمعزاوي انتهازي، يحاول كسب رضا الجميع ، فهو يساري عند اليساريين ويميني عند اليمينيين ، فقد جهز مخبرين من بين الطلاب ليتجسسوا على المعلمين وعلى زملائهم من  الطلاب، وفي مقابل ذلك كان يقدم لهؤلاء المخبرين الأقلام وعلب الألوان ودفاتر الرسم،(140) ونتيجة ذلك  فصل معلم بتهمة أمنية، ونقل ستة معلمين إلى مناطق نائية.(141)
        يتورط المعزاوي في الرشاوى، ليصل به الانحدار إلى درجة غضّ النظر عن علاقة زوجته برئيسه طمعاً في الحصول على ترقية جديدة . تعيره زوجته هيام عندما يقول لها : أنا خير الرجال . فتقول : "خير الرجال لا يعطي زوجته للرجال يا معزاوي ."(142) وعندما يدرك المعزاوي أن زوجته حملت سفاحاً من المدير الكبير يطلب منها إسقاط الجنين ، ولكي يسكــته؛ قـــام المدير بتعيينه نائباً له، وأخذ المدير يتغيب متعمدا حتى يمارس المعزاوي وجاهته.(143)    
        ويصل الأمر بالمعزاوي إلى حد تزوير درجات الطلاب في الامتحانات العامة مما حرم الطلاب المتفوقين من حقوقهم في دخول الجامعات ليحل محلهم أولئك الذين نجحوا عن طريق التزوير، وينكشف الأمر، ويلقى المعزاوي عقابه، لكن أساس البلاء يبقى، وتظل الأمور كما هي عليه ، يذهب المعزاوي ويبقى المدير الكبير وكأن (عباد) يريد أن يقول إنه لا أمل في إصلاح المؤسسة التعليمية في بلادنا، فالمرتشون هم المسيطرون على زمام الأمور، والمنافقون هم الذين يحصلون على الترقيات، فيصبحون مدراء وموجهين ومدراء تعليم للمناطق المختلفة.
        أما المعلمون عند غريب عسقلاني فيقفون على بوابات المدارس صامتين، " محظور عليهم رياضة اللسان، واللسان إذا تحرك يحرض .. قانون الوظيفة والزمن احتلال ، والأستاذ ناجي يلف ذراعيه  حول صدره. "(144) والأستاذ فهيم يكاد يموت رعباً ، تكسو الصفرة وجهه ، وتتهدل شفتاه عندما يمر الملثمون من بيته، (145) وهو ينظر في ساعته أثناء منع التجول " يكاد يقتله بطء عقاربها، متى يبدأ  التجول ، رغبة في التفرس في وجوه الجيران تلح عليه ، بدأ يكتشف جيرانه من جديد ، إحساسه بالقرب منهم يتململ في وعيه، هذا الزقاق ينطوي على شرٍ كبير، قلما تمر ليلة دون مرور الشباب. " (146) وفي النهاية يخرج الأستاذ فهيم من جلده ، يتخلص من  خوفه ، ففي حين تخاف زوجته على ابنها وتحاول منعه من الخروج ، نجده يطلب منها أن تدعه يخرج " اتركيه يفش غله يا مره."(147)
        ويقدم لنا إبراهيم العلم صورة مشرقة للمعلم فهو مناضل يوزع المنشورات ويتعرض للاعتقال، يعتقل الأستاذ رضوان  في سجن نابلس قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهو في نظر المجتمع" مثال للأخلاق الحميدة ، مخلص في عمله ، ولطالما سعد به طلابه في مدرسة المخيم الابتدائية."(148) ولكن الأستاذ رضوان ينقل إلى السجن الصحراوي ويطلب منه أن يوقع على تعهد بالكف عن أي نشاط سياسي لكي يخرجوه من السجن، ويتساءل الأستاذ رضوان: "هل أكون أول  من ينزل من القطار بينهم .. إن لي ظروفاً خاصة ولا أدري هل يقدرها رفاق السجن ؟ "(149) ولا أدري لماذا شوه إبراهيم العلم هذه الصورة المشرقة بأن جعل(رضوان) يضعف في النهاية . إن مجرد تساؤله الذي يطرحه على نفسه هو دليل تراجع .
        والمعلم في رواية أشجان موضع ثقة المناضلين، فالأستاذ ياسين يقوم بنقل المطارد (قاسم) في سيارته ويتيح  له فرصة للالتقاء بزوجته أشجان في مكتبه، بينما يقوم أحد معلمي المدرسة بمساعدة المطارد على تغيير هيئته فيقدم له ملابس قديمة وكوفية حتى لا يكتشف ضابط المخابرات أمره.(150)
        وتبدو الصورة التي قدمتها الرواية الفلسطينية للمعلم صورة شائهة ومجافية للحقيقة. صحيح أنه يوجد عدد من المدرسين المنحرفين والمنافقين والجبناء لكنهم لا يشكلون القاعدة، بل هم الاستثناء. إن أغلبية المعلمين الصامتة تعمل بجد وإخلاص، لا تكفر بواجبها تجاه أبناء شعبها رغم سيادة منطق الرشوة والنفاق ، وعلو منطق العلاقات الشخصية في المؤسسة التعليمية الفلسطينية، في زمن الاحتلال، فوق كل منطق .
        يقدم لنا أحمد حرب صورة المعلم على أنه متردد وخائف، وحين يبدأ بالشعور بالثقة بالنفس ويحاول الانطلاق إلى آفاق العمل الوطني الرحبة يحاصره ماجد بنبأٍ عن علاقة أخته مع ضابط إسرائيلي، ولم يصدق هو ذلك إلى أن استدعاه الحاكم العسكري ليخبره أن يوسي يطلب يد أخته وأنه يريد أن يتقدم لخطبتها على الطريقة العربية . (151)
شخصية الطالب:
        ظهرت شخصية الطالب في الرواية الفلسطينية ظهوراً محدوداً في الروايات موضوع الدراسة، وقد تناولت روايات قليلة نضالات الطلاب وحياتهم،وذلك على الرغم من مشاركة الطلاب في صنع الأحداث بصورة فعالة، فقد كان الطلاب يخرجون من مدارسهم وهم يهتفون بالشعارات الوطنية، وحين يشعر الطلاب بوجود أحد المطاردين في مدرستهم ينظرون إليه باعتزاز وفخر في حين يقوم بعض الطلاب بمعانقته وتقبيله.(152)
        وقد يضطر الطالب إلى ترك مقاعد الدراسة في الجامعة والعمل في إسرائيل بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة نتيجة موت الأب أو فقدان مصدر الرزق.(153)
        وقد قدمت بعض الروايات صورة سيئة للطالب الفلسطيني الذي يدرس في الخارج، فقد فصل الطالب " عبد الله الناجي " من الجامعة بعد تحطيمه لأحد البارات وتمزيقه لعروق يديه بالزجاج المحطم لأنه منع من دخول البار،(154) وقد يضطر الفلسطيني في الخارج إلى الزواج من أجنبية طلبا للاستقرار، والطالب يرى في زواجه وسيلة لاغاية،وورقة تحميه من التشرد في بلاد الغربة.(155)