الشخصية في الأدب

الشخصية في الأدب:
       أما في الأدب فالشخصية ركن أساسي من أركان الرواية، وهي العنصر الفاعل الذي يساهم في صنع الحدث، يؤثر فيه ويتأثر به، ودون الشخصية العاقلة المدركة يفقد كل من الزمان والمكان معناهما وقيمتهما، فعلى الرغم من وجود الزمان والمكان مستقلين عن الإنسان،  فإنهما يظلان بلا قيمة حقيقية خارج وعي الإنسان ، والشخصية في الأدب تؤخذ من الواقع ، ومع ذلك فإنها تختلف بطريقة أو بأخرى عمن نألفهم أو نراهم ، فالكاتب القصصي يهتم باستبطان شخصياته، وهو حين يخلق شخصياته من الواقع إنما يستعين بتجاربه التي عاشها أو عاناها أو لاحظها، والكاتب وإن كان يعرف كل شيءٍ عن شخصياته فإنه لا يفضي بكل شيء، فلا يحق له أن يذكر تفصيلات الحياة اليومية إذا لم تكن على صلة بأحداث القصة أو فكرتها، ولا تدل على الحالة النفسية للأشخاص، أو على عاداتهم وتقاليدهم، والأشخاص في القصة هم مدار المعاني ومحور الأفكار والآراء العامة.(17)
       والشخصية يمكن أن تظهر في العمل الفني على ثلاثة أشكال: "شخصية الفنان، وشخصية من يجري تصويره، أو الإنسان بطل العمل الفني، وشخصية ذلك الذي يوجه إليه العمل الفني . هذه الشخصيات الثلاثة ، تقف وكأنها ثلاث مرايا متواجهة ، وكل منها تعكس المرآتين الأخريين."(18) والشخصية لا يكون لها معنى في بنية العمل الروائي إلا إذا كانت لها وظيفة تمارسها في علاقتها مع الشخصيات الأخرى والحوادث.(19)
       والنقد المعاصر يعطي الشخصية أهميةً خاصة، حيث يعتبرها النقاد أساس بناء الرواية وسبب نجاحها، فالشخصية تلعب دوراً  كبيراً في بناء الرواية، فهي مركز الأفكار، ومجال المعاني التي تدور حول الأحداث، " والشخصية الروائية تستمد أفكارها واتجاهاتها وتقاليدها وصفاتها الجسمية من الواقع الذي تعيش فيه، وتكون عادةً ذات طابعٍ مميز عن الأنماط البشرية التقليدية التي نراها في حياتنا اليومية، فلا تشدهنا بثرائها غير المألوف، فهي ذات ثراء دلالي، وغنية في جوانبها النفسية والاجتماعية والجسمية ، وتمثل نماذج متفردة يضمها الواقع الإنساني. وهي أيضاً تحفل بالعمل والحركة........"(20)
       وكل شخصية أسيرة عوامل خمسة لا تستطيع الفكاك منها، فكل إنسان مرهون بمولده وموته، وبالغذاء والنوم والحب، هذه العوامل هي أكثر العوامل أهمية وتأثيراً في حياة الإنسان وتكوين شخصيته.(21)
    والحب كما يرى فورستر يدفع الإنسان إلى بدء نشاطاتٍ ثانويةٍ متنوعة، فحب الإنسان لأسرته قد يدفعه إلى قضاء وقتٍ طويلٍ في المتجر،بينما يدفعه حبه لله إلى قضاء وقتٍ كافٍ في العبادة.
       ويعتبر ثيوفراسطس الإغريقي أول من صور الشخصيات تصويراً أدبياً، ولكنه لم يصور كل أنواع الشخصيات الإنسانية، وكانت صوره متداخلة، كما أنه لم يوضح كيف نمت شخصياته وتطورت، ومع ذلك فقد بلغ حداً من الدقة يجعل الإنسان يعتقد أنه يقرأ عن أحد معارفه أو أصدقائه.(22) والشخصية الروائية هي تلك الشخصية التي تحقق أهدافها بدلالة الرواية(أي من خلال العمل الروائي بحيث يكون تطورها طبيعياً.) وليس عن طريق كونها نموذجاً أو قالباً يصب فيه الكاتب أفكاره مما يجعلها شبحاً ذهنياً.(23 )

الكاتب والشخصية:
       والكاتب المبدع يقدم شخصياته الإنسانية على دفعات من خلال أفعالها وصراعاتها مع نفسها ومع البيئة المحيطة، وتشكل الشخصيات مرآةً عاكسةً تعكس الرؤية الفنية للكاتب، فإذا كان الكاتب يهدف إلى تقديم مجموعة أحداث لإثارة فضول القارئ ، فإن الشخصية تتراجع لتكون خادماً للحدث، أما إذا نبعت الأحداث من طبيعة الشخصية فإنها تأتي مبررةً  ومنطقيةً ومنسجمة مع الواقع.
       وقد تتمرد الشخصية على مبدعها وخالقها فترفض أن تبقى انعكاساً لرؤية الكاتب الفنية، لأن لها قانونها الحياتي الخاص، وظروف نشأتها، ودراستها وبيئتها، وعملها، والإنسان الذي تحبه أو تكرهه ، فلا يجوز للمبدع أن يتحكم بها .(24)
       وينظر د/عبد الرحمن منيف إلى الشخصية على أنها مزيج مركب ومعقد من الخير والشر، وأن أحد الجانبين قد يتغلب على الآخر بسبب حركة الحياة وطبيعة التعامل وردود الأفعال .(25) والشخصية " تحب وتكره، وتحقد وتصفح، وتثور ثم تهدأ ثورتها، وتتوالى عليها التقلبات عبر الزمان والمكان، ويقودنا هذا الافتراض إلى القناعة التامة بأن مثل هذه الشخصية لا يمكن أن تكون معزولةً عن حركة المجتمع، لا تفكر إلاّ في ذاتها، كما تنفي عنها الصفات المطلقة، كأن تكون ملائكية بيضاء، أو شيطانيةً سوداء، وإ نّما تتأرجح بينهما، فيغلب عنصرا لخير في لحظةٍ معينةٍ، ثم تنعكس الآية في لحظةٍ أخرى ليغلب العنصر الآخر(النقيض)، كما يفترض أن تكون الأفعال وردودها، والأقوال التي تصدر عن الشخصية الإنسانية مصورةً لأبعادها المختلفة بعمق، ملائمة لموقعها في الرواية وموقفها من  المشكلات المطروحة، فلا تصدر عنها أفعال خارقة يعجز عنها عدة رجال، ولا أقوال فوق مستواها أو دونه."(26)
       ويشير يوسف سامي اليوسف إلى أن المجتمعات العربية لا تعرف التعقيد، خصوصاً عند مستواها الشعبي، لذا فهي لا تقدم للكاتب شخصياتٍ كثيفةٍ أو متوترة وثرية بالمحتويات الداخلية الكفيلة بإنتاج الشخصية القصصية التي تنطبق عليها شروط الحداثة، وهي مجتمعات غير مؤهلة إلا لتقديم العناصر التقليدية، أو نصف الحديثة للأدب القصصي أو الروائي، وعليه فإن شخصيات هذا الأدب تعاني من الضحالة الجوانية .(27)
       ونجاح القاص يقاس بقدرته على رسم الشخصيات، بحيث يستطيع إقناع القارئ بأن شخصياته في القصة هي كائنات حية تعيش فعلاً، ومن القاصين من لا يستطيع أن يصور سوى شخصية واحدة، هي شخصيته هو، وبذلك قد ينجح في عمله الأول ، أما أعماله الأخرى فهي نسخ مكررة أو معادة لعمله الأول الناجح .(28)

الشخصية في النقد:
       يتكون العمل الأدبي، كل عمل أدبي من ثلاثة عناصر هي: الذات المبدعة، وصور الحياة التي يطرحها الواقع أمام الأديب الذي يكتسب هذه الصور عن طريق الممارسة أو عن طريق التراث الثقافي الموجود في البيئة، وثالث هذه العناصر هو الذي يحدد طبيعة العلاقة بين الذات والموضوع ويتحكم في اختيار الأديب لموضوعه الذي يريد طرحه، كما يتحكم في الزاوية التي يتناول الأديب موضوعه منها، ويمكن أن نطلق على هذا العنصر اسم "موقف الأديب من الواقع "(29) فلكل أديب وجهة نظره الخاصة التي ينظر من خلالها إلى الكون المحيط به ، وإلى طبيعة العلاقات الإنسانية، والتي من خلالها يكون صورته الخاصة عن المجتمع كما يراها، وبذلك يتداخل الخاص والعام ، ويسبغ الأديب ما هو ذاتي على ما هو موضوعي.
        " والعمل القصصي ليس مجرد أحداث تحرك الشخوص في اتجاهٍ أفقي من نقطة لتوصلهم إلى نقطةٍ محددةٍ تبدو في النهاية وكأنها حتمية، كما أنه ليس مجرد مجموعة من الأحداث المتشابكة التي تفرض على الإنسان سلوكأً معيناً. بل لا بد أن يكون وراء التفاعل القوي بين الأحداث والشخوص في العمل القصصي كشفُُ لموضوعٍ اجتماعيٍ له قيمته، ينطلق من موقفٍ معاشٍ إلى رؤيةٍ مستقبليةٍ. "(30)
       هذا الموقف المعيش هو ما نسميه موقف الأديب الذي يتبلور من خلال وجهة نظره الخاصة إلى الحياة والكون ، وبالتالي يصوغ أحداث وشخوص عمله الفني بما ينسجم وموقفه من الحياة والمجتمع . ويرى" ريديكر" أن العمل الفني "هو لحظة تطورٍ شاملٍ للشخصية، وما يلائم تطور الفرد الحر هو الثقافة الفنية و العلمية وغيرهما عن طريق تحرير الزمن والوسائل والحركة المطلقة لتكون الشخصية التي يعدها ماركس مبدأ تطور الإنسان الاشتراكي، وهي أهم مواضيع الفن الاشتراكي، إن المثل الأعلى الجمالي للإنسان، الذي ينشئه التصور السائد في كل عصرٍ من العصور عن الإنسان، يتحدد في ظل الاشتراكية بالتجاوز الخلاق لسائر العقبات، ولذا يجب أن يقاس بمقياس واحدٍ فقط، هـــــو بالذات تجاوز للمعدلات القائمة وتجاوز للمقياس ذاته."(31 ) وفي هذا ما يؤكد أن موقف الأديب يؤثر تأثيراً مباشراً في خلقه للشخوص وطبيعة الأحداث التي تفعلها تلك الشخوص وتنفعل بها.
        ومع ذلك فإن ماركس وإنجلز لم يتجاهلا الفني في سبيل السياسي، أو الواقعي في سبيل المثالي، ولم ينسيا شكسبير غير الماركسي من أجل شيلر التقدمي أو لاسال الماركسي، لأن شكسبير من وجهة نظرهم كان جدلياً عظيماً للنفس البشرية، بينما وقع لاسال في التجريد ، فصنع أبواقاً تنطق بروح العصر، ولم يخلق شخصيات حية تكشف بتميزها وفرديتها عن تناقضات العصر،(32)
       أما النقد الموضوعي فإنه يرى أن العمل الفني يجب أن يحتوي داخله كل ما هو مطلوب لفهمه، وأن يكون مستقلاً عن كل ما هو خارج عنه، فالفن خلقٌ وليس ترديداً أو تقليداً للحياة، فلا يجوز تناول شخصية في العمل الأدبي على أنها شخصيةٌ حيةٌ، بل يجب تناولها على أنها شخصيةٌ دراميةٌ، ومناقشة علاقتها بالعمل الأدبي ومدى وظيفة هذه العلاقة. فليس مهماً أن تتصرف الشخصية في العمل الأدبي كما يتصرف الناس في الحياة، بل المهم أن تصدر تصرفاتها عن شخصيةٍ محددة المعالم، وأن تخدم هذه التصرفات تطور الحدث، ذلك أن مطابقة الشخصية أو عدم مطابقتها،لا تعني النقد أو الفن في شيء.(33)
        أما المنهج النفسي فيرى أن الأدب هو المعادل اللفظي والاستعاري للنفس البشرية وطبيعتها، وأن مهمة الأدب أن يجد الكلمات التي تعبر عن العلاقة الحيوية بين وجهي الحياة النفسية ـ الوعي واللاوعي ـ أو الذات والذات السفلى التي هي مخزن الرغبات والغرائز، ويهتم هذا المنهج بمدى نجاح الكاتب في تضمين شخصياته تحليلاً نفسياً سليماً.(34)
       بينما يرى المنهج الأيديولوجي أن من المستحيل أن يحيا الإنسان في مجتمع وأن يكون مستقلاً بذاته عنه.(35)
       ويتعامل المنهج التقويمي مع النقد على أنه نقدٌ من أجل الحياة، وهو لا يفصل بين الشكل والمضمون، ويصل في الربط بينهما إلى حد الإيمان بأن النظرة الناضجة إلى الحياة تجعل الفنان يخلق شكلاً ناجحا وشخصياتٍ كاملةً وناضجةً.(36)


مواضيع ذات صلة


مفهوم الشخصيّة في النقد الأدبي
الشخصية العربية فى الأدب والتاريخ
مفهوم الشخصية
مفهوم الشخصية وانواعها