مفهوم الدولة



يرى الباحثون صعوبة في الاتفاق على تعريف واحد للدولة، لذلك فإن هناك من يعدّ تعريفات كثيرة للدولة ( )،ولا يشمل اختلاف التعريفات فحسب، وإنما يمتد أيضاً إلى تحليل وتفسير هذه الإختلافات، فهنالك آراء مختلفة حول سبب هذا الاختلاف والتعدد والتنوع في تعريف الدولة،و هناك من يرجع  الاختلاف في تعريف الدولة إلى الاختلاف في النظرة لتكوين وبناء، ووظيفة الدولة، وتأسيساً على ذلك ظهرت ثلاثة آراء بهذا الصدد( ):-
يقول الرأي الأول بأن الدولة عبارة عن منظمة تسعى لتحقيق أهداف محددة لمصلحة الجماعة؛ و يقول الرأي الثاني بأن الدولة عبارة عن جمعية ضمن الجمعيات الأخرى تؤدي عملها وفقاً لأحكام القانون الذي وضع من قبل الحكومة صاحبة السلطة والتي تستطيع عن خلالها، أي السلطة ،إرساء دعائم النظام في المجتمع؛ و يرى الرأي الثالث بأن الدولة مؤسسة، وهي مؤسسة الأصل، وتتفرع عنها مؤسسات أخرى أقل منها شأناً كالحكومة، والأحزاب.
وهناك من يعتقد بأن تعدد التعريفات التي طرحت بشأن الدولة راجع إلى تعدد المفكرين وعلماء الاجتماع، والسياسة الذين تصدوا لهذا الأمر، وبما ما يعكس التعدد والتنوع في خلفياتهم الأيديولوجية وانتماءاتهم السياسية والفكرية، فالدولة عند (هيجل) هي تجسيد لأسمى فكرة أخلاقية برجوازية، وعند ماكس فيبر هي التنظيم الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف في رقعة جغرافية معينة( ). و من يرجع التعدد والتنوع في تعريف الدولة عند الآخرين إلى وجود الاتجاهات والميادين المعرفية والعلمية التي تشكل الدولة أحد مواضيعها الرئيسة، كعلم الاجتماع السياسي، وعلم السياسة، والقانون، وغيرها من العلوم التي تجمع رغم كل شيء على أن الدولة في عصرنا الحالي أصبحت مهمة إلى درجة لا يمكننا الاستغناء عنها( ).
وبذلك فإن الاختلاف، والتعدد، والتنوع في تعريفات الدولة، أمور تصاحبها الاختلاف في الرأي حول أسباب هذا الاختلاف أيضاً.

1- الدولة (State) لغةً:

الدولة في اللغة العربية يقابلها (State) في اللغة الإنكليزية و (Stata) بالألمانية و(Etat) في الفرنسية. وهي في الأساس كلمة لاتينية هي (Status) وتعني الواقف أو الثابت، أو الحالة المستقرة والثابتة( )، واستخدمت كلمة (الجمهورية) (Republica) في اللغة الفرنسية بصورة أكثر، وهذا مذكور في مؤلفات (جان بودان) الكتب الستة للجمهورية( )، وكانت كلمة (Respublica) إذ استخدمت لأول مرة بمعنى الشئون العامة، لكنها أصبحت فيما بعد تعني: شكلاً من الحكم لا ينتخب فيه رئيس الدولة على أساس وراثي أو غير مباشر( )، وإذاً فالدولة (State) هي كلمة حديثة نسبياً استخدمت في أوربا في عصر النهضة بشكل واضح وواسع للدلالة على ذلك الإطار المنظم للسلطة السياسية، ولكن الكلمة أخذت قبل ذلك مدلولاً سياسياً في العصور الرومانية عندما أصبحت تعرف بالجمهورية، إلا أنه كان علينا الانتظار حتى القرن السادس عشر حين استخدم ميكافيللي في كتابه (الأمير) كلمة الدولة بالمعنى الحديث، إذ قال: "كل هيأة التي كان أو.. لها سلطة على الشعوب هي دول، أو إمارات، أو جمهوريات"( ). وبذلك فقد انصرف مدلول الدولة في اللغات الأوربية إلى الهيأة أو الجماعة بعدّها حالة مستقرة وثابتة، بيد أنه في العصر الحديث لا تشير إلى جميع المجتمعات مهما كان نوعها أو درجة تنظيمها، بل تنصرف إلى درجة معينة من التنظيم تتفق مع المفهوم الصحيح الحديث للدولة( ).
وتشتق كلمة (الدولة) في اللغة العربية من الفعل (دال) بمعنى تغير الزمان وانقلب، ومن هذا قولهم (دالت دولتهم) بمعنى ذهبت وأتت مكانها دولة أخرى، وفي هذا تأكيد على عنصر التغيير والتحول( ). وجاء في لسان العرب حول كلمة (الدُّولة) (بضم الدال) "اسم الشيء الذي يتداول، والدَّول (بفتح الدال) الفعل والانتقال من حال إلى حال، ويشير أيضاً إلى الإدالة والغلبة؛ مثلاً: وأدلنا الله من عدونا، من الدولة: يقال: اللهم أدلني على فلان وانصرني عليه، وفي الحديث تُدال عليهم، ويُدالون علينا؛ الإدالة: الغلبة، والدَّولة الإنتقال من حال الشدة إلى الرخاء، ودالت الأيام، أي دارت، والله يداولها بين الناس، وتداولته الأيدي؛ أخذته هذه المرة وهذه المرة " ( ).
وبذلك فإن (الدولة) في العربية تشير إلى الغلبة، والاستيلاء، والشيء المتداول فيكون مرة لهذا ومرة لذاك، والدولة في الحرب بين الفئتين أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى أي أن تهزم هذه مرة، وهذه مرة، ودالت الأيام دارت، والله يداولها بين الناس، ودال الدهر انتقل من حال إلى حال( ). ويعني هذا أن تعبير الدولة في اللغة العربية يدل على عدم الاستقرار والتغيير عكس المعنى المستفاد من الأصل اللاتيني( ). ولكن الدولة باتت تستخدم في العربية الحديثة والمعاصرة مقابل (State) الانكليزية.


2- تعريف الدولة في الفكر السياسي والقانوني
تعريف الدولة في الفكر السياسي:

يظهر الاختلاف في تعريف الدولة في الفكر السياسي أيضا عند استعراض التعريفات المختلفة لها عند المفكرين، والفقهاء القانونيين، فالدولة عند (جان بودان)، وهو يطلق عليها (الجمهورية)، لا تعد دولة إن لم تكن فيها قوة سيدة توحد كل أعضائها، وأجزائها، وكل أسرها وهيئاتها في جسم واحد، تلك هي، بالنسبة ل (بودان) النقطة الرئيسة والأكثر ضرورية( )، وإنطلاقاً من ذلك يُعرف (الجمهورية) بالقول "إن الجمهورية هي الحكم المستقيم لعدة أسر، ولما هو مشترك لديها، بشرط أن تتوفر لديه قوة سيدة"( ). ويرى (جون أوستن)، (1790-1859)، في كتابه (قراءات حول الاجتهاد)، أن الدولة "هي نظام قانوني توجد فيه سلطة عليا تتصرف بوصفها المصدر النهائي للقوة"( ). وفي كتابه (أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة)، يعرف (انجلز) الدولة بأنها "علاقة قهر اجتماعية، أي أنها سيطرة طبقة على مجتمع"( )؛ حيث وصلت فيه الطبقات إلى مستوى تهدد فيه صراعاتها على المصالح، والمنافع وجود ذلك المجتمع، ويؤذن بانهياره وانحطاطه، ولذلك تنشأ الدولة كسلطة قمعية لتلطيف حدة التناقضات والصراعات ولتكون أداة بيد الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج لغرض سيطرتها وسلطتها على الطبقات الأخرى( ). والدولة عند كارل ماركس هي عميل البرجوازية( )، وأن جميع أجهزة الدولة تصبح عيوناً وآذاناً، وسواعد، وأرجلاً تمكن المالكين من التأثير، وهو اي (ماركس) يرى بصورة عامة بأنه " ليست السلطة الحديثة سوى لجنة تدير الشئون المشتركة لكامل الطبقة البرجوازية( ). وفي نفس الإطار الفكري وبنفس المنهجية، جاء تعريف الدولة في دائرة المعارف الاجتماعية المعبرة عن الفكر الماركسي لمفهوم الدولة بقولها إن الدولة هي أداة للسلطة السياسية في المجتمع الطبقي وعرفت الدولة الاشتراكية بأنها دولة عموم الشعب ، وأنها هيئة سياسية للشعب بأسره، وأداة لبناء الشيوعية، وجعل الطبقة العاملة هي القاعدة لعموم الشعب. وجاء أيضاً في قاموس المصطلحات السياسية المعبر عن الفكر الماركسي، بأن الدولة هي "شكل تاريخي للتنظيم السياسي، يقسم المجتمع إلى مستغِلين ومستغَلين، أو إلى مستغلين و شغيلة"( )، ويرى الفكر الماركسي بصورة عامة، أن الدولة طالما كانت شكلاً من أشكال دكتاتورية الطبقة السائدة، فإنها تمارس سلطتها كقوة قمعية بمساعدة القوات المسلحة والمؤسسات القمعية الأخرى مثل الشرطة والمحاكم والسجون، وجوهر نمط الدولة واحد في جميع الحالات، أي حالات (الجمهورية، البرجوازية، الملكية الدستورية...)، هو دكتاتورية الطبقة المسيطرة اجتماعياً واقتصادياً. تنعكس هذه الأفكار بطبيعة الحال وجهة النظر الماركسية لمفهوم الدولة، حيث تتناول جوهر فكرة الدولة من منظور وتحليل طبقي، دون أن تتناول الدولة كواقع قانوني وسياسي أو اجتماعي معاش، وتعتقد أن عند تحقيق المجتمع الشيوعي الكامل لن تكون هناك حاجة إلى الدولة( ).
وهكذا مزّق الماركسيون هالة القداسة التي خلعت على الدولة عند (هيجل) حيث صورها بأنه تجسيد للروح المطلقة، وصورها الماركسيون بأنها ليست إلا أداة سيطرة طبقة على طبقة أخرى، فأثاروا الاهتمام بالقوى الاجتماعية والاقتصادية التي تتحكم بالدولة، ورفعوا عنها حجاب الشرعية المقدسة (حتى لو كانت قدسية دنيوية وغير دينية باسم المصلحة العامة والشعب)، والتي تتذرع لتبرر استخدامها من قبل طبقة دون الأخرى( ).
ويعرف (إميل دوركهايم) الدولة بأنها "فريق من الموظفين من نوع خاص، مرتبطين بالسلطة والهرمية"( )، ويلاحظ بأن الدولة عند (دوركهايم) هي أداة وظائفية للمجتمع الحديث. ومن أبرز التعريفات الشائعة للدولة تعريف (ماكس فيبر)، الذي يقول فيه "نقصد بالدولة، منشأة سياسية سمتها مؤسساتية عندما وطالما إن إشرافها الإداري يطالب بنجاح بتطبيق القوانين باحتكار القهر المادي الشرعي"( )، ويحلل مطولاً في كثير من النصوص أداتي الدولة الأساسيتين المؤلفين برأيه من العنف الشرعي والإدارة المؤسساتية (البيروقراطية)( ). والمجموعة السياسية عند (ماكس فيبر)، هي مجموعة سيطرة تطبق أوامرها على إقليم معين بواسطة تنظيم إداري يستخدم التهديد أو اللجوء إلى الإجبار المادي أي استخدام القوة المادية( ). وبهذا الشكل فإن الدولة عند (فيبر) هي عقلنة المجتمع، والبنية والتجمع السياسي الذي يدعي بنجاح احتكار الإكراه المادي المشروع( ). ويرى (مارسيل بريليو) بأن الدولة "هي الشكل الأهم والأكمل والأبرز للحياة الجماعية، وهي من صنع وإرادة الإنسان وعقله وهو يركز جهوده وأفكاره في معضلة التنظيم السياسي، وينجح في ديمومة هذا التنظيم"( ). ويعرف (شارلز تلي) الدولة بأنها "منظمات تتحكم بعملية القسر بشكل يميزها عن الجماعات العائلية والقرابية، وهي تتمتع بأسبقية واضحة في بعض المجالات على كل أشكال التنظيم الأخرى ضمن أقاليم واسعة"( )، وهو يقصد بالمجالات احتكار القسر المادي أي السلطة السياسية وممارستها وذلك لأنها صاحبة السيادة. ويعرف (روبرت كارنيرو) الدولة بأنها "تلك الوحدة السياسية المستقلة التي تجمع بين جنباتها وعلى أرضها الواحدة مستقرات ومجموعات بشرية، وتملك حكومة مركزية لها سلطة فرض الضرائب"( ). أما العالم الاجتماعي (انتوني غدنز) فيعرف الدولة بأنها "جهاز سياسي يضم الحكومة والمؤسسات بالإضافة إلى موظفي الخدمة المدنية ويسيطر على حيز مكاني معين، ويدعم سلطته القانون والقدرة على استخدام القوة"( )، ونلاحظ هنا عدم ذكر أهم عنصر من عناصر الدولة وهو الناس، وهذا التعريف يشير إلى الحكومة، أي الجزء وليس الدولة التي هي الكل. ويعرف (رايموند كارفيلد)، الدولة، بأنها "مجموعة من الأفراد، يحتلون منطقة معينة بصورة دائمة ومستقلة شرعياً عن أية سيطرة خارجية، ولهم حكومة منظمة تأخذ على عاتقها تشريع القانون وتطبيقه على جميع الأفراد والمجموعات الداخلة ضمن حدودها القانونية"( ).
وهناك مساهمة متواضعة للفكر السياسي العربي في تعريف الدولة، تدور نوعاً ما في فلك الفكر الغربي، فيعرف (اسماعيل صبري عبد الله) الدولة، بأنها "جوهرياً جهاز يحد من حرية المواطنين، وهي دائماً تمثل مصالح الطبقات السيدة في المجتمع، كما إنها تمارس السلطة من خلال البيروقراطية، فتتجه دائماً إلى تبرير وجودها وتوسعها المستمر باسم سهرها على القانون والمصلحة العامة"( )، وهذا تعريف قريب من الفكر الماركسي ويورد (احمد زايد) (أستاذ علم الاجتماع في جامعتي القاهرة وقطر)، تعريفاً مطولاً، منتقداً وجهات النظر المختلفة حول الدولة، ويخلص إلى القول، بأن الدولة "هي مجموعة من الأجهزة المركزية تمارس سلطتها من خلال مجموعة من الموظفين ووفقاً لمبدأ السيادة على إقليم معين تحتكر في داخله الاستخدام الشرعي لوسائل القهر الفيزيقي الذي يُمكنّها من تكوين سلطة فيما يتصل بصناعة القوانين وتطبيقها، الدولة مجموعة مؤسسات تقف على رأس مجتمع مدني لا تنفصل عنه، بل تمتد بأطرافها في داخلها، فالدولة هي القوة الضابطة لهذا المجتمع، والسيدة الحركية، ولكنها هي نفسها نتاج له، الدولة كيان تاريخي تكتسب خصائصها ووظائفها مثل الاستقلال النسبي والمركزية والوظائف الاقتصادية والإيديولوجية، فالدولة جزء لا يتجزأ من البنى الاقتصادية الاجتماعية والإيديولوجية ومن البنى المحيطة، كما أن تلك الأخيرة جزء لا يتجزأ من الدولة ويؤثر كل منها بالآخر، ولذلك يجب الاهتمام بدراسة الدولة من خلال مركب من العلاقات الخارجية الاقتصادية والطبقية والقانونية والسياسية بالتفاعل مع مركب من العلاقات الداخلية المشابهة لتعزز بالنهاية نظاماً سياسياً قطرياً ذا خصوصية معينة"( ). ويلاحظ بأن هذا عبارة عن مجموعة من التعاريف، يمزج فيه بين التعريفات القانونية والسياسية والفلسفية، وأنه تعريف شامل لكنه يفتقد الأصالة إذ يميع الجوهر العام والخاص للدولة، ويضع مفهوم الدولة في التباسات شاملة وغير واضحة( ). ويعرف (محمد شحرور) الدولة بأنها "أداة للتعبير عن واقع يعيشه شعب ما، يحتوي على (قوميات وأمم، أو قومية وأمم، أو قومية واحدة وأمة واحدة، أو عدة قوميات وأمة واحدة)، من خلال مؤسسات، وتعتبر الدولة قمة الوعي الأخلاقي والاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع، لذا فهي بنية فوقية لبنية تحتية، تمثل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية السائدة والمستوى المعرفي"( ).
      التعريفات القانونية للدولة
نستعرض بعض التعريفات لفقهاء القانون حول الدولة، لنتبين مدى اختلاف هذه التعريفات عن بعضها البعض. يعرف بونار (Bounnar) الدولة بأنها "وحدة قانونية دائمة تتضمن وجود هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطات قانونية معينة على شعب أو أمة مستقرة، على إقليم محدد، وتباشر الدولة حقوق السيادة بإرادتها المفردة عن طريق استخدام القوة المادية التي تحتكرها"( ). ويعرف (اسمان Esmein) الدولة بأنها "التشخيص القانوني لأمة ما"( )، وعند (كاريه دي مالبيرج) (Carre de Malberg) الدولة هي "مجموعة من الأفراد، مستقرة على إقليم معين، ولها من التنظيم ما يجعل الجماعة في مواجهة الأفراد، سلطة عليا آمرة وقاهرة"( )، ويعرفها (اندريه هوريو) بأنها "مجموعة بشرية مستقرة على أرض معينة، وتتبع نظاماً اجتماعياً وسياسياً وقانونياً معيناً، يهدف إلى الصالح العام ويستند إلى سلطة مزودة بصلاحيات الإكراه"( ). ويعرف (هولاند) (Holand) الدولة، بأنها "مجموعة من الأفراد يقطنون إقليماً معيناً، ويخضعون لسلطات أغلبية أو سلطات طائفة منهم"( )، أما (بلنتشلى) يعرف الدولة بأنها "جماعة مستقلة من الأفراد، يعيشون بصورة مستمرة على أرض معينة بينهم طبقة حاكمة وأخرى محكومة"( )، ويعرفها معهد القانون الأمريكي (The American Law Institute) في إطار القانون الدولي بأنها "كيان له إقليم محدد وسكان دائمون يخضعون لسيطرة حكومة لها القدرة للعمل في العلاقات الرسمية مع الكيانات الأخرى"( ).
أما الفقه القانوني العربي يتضمن مجموعة من التعاريف، القريبة من الفقه الغربي والمستوحاة منه، فنأخذ بعض من هذه التعريفات على سبيل المثال: يعرف (حميد الساعدي) الدولة بأنها "جماعة من الناس، تقطن بقعة محددة من الأرض في ظل نظام سياسي"( ). أما عند (اسماعيل غزال) الدولة هي "مجموع أفراد المنظمة في وسط اجتماعي تسيطر عليه سلطة سياسية، منبثقة عن هذا المجتمع، تتميز بقدرة اصدار القوانين، واتخاذ القرارات التي من شأنها تنظيم حياة المجموعة وتنفيذ القواعد القانونية واحترامها"( )، وعند (عبد الحميد متولي ) الدولة هي "عبارة عن ذلك الشخص المعنوي الذي يمثل قانون أمة ما، تقطن أرضاً والذي بيده سلطة عامة"( )، وهذا تكرار لنفس تعريف (اسمان) ولكن بصيغة مختلفة قليلاً. ويعرف (طعيمة الجرف) الدولة بأنها "مجموعة من الأفراد تعيش حياة دائمة ومستقرة على إقليم معين، تحت تنظيم سياسي معين، كذلك لبعض أفراد الدولة بالتصدي لحكم الآخرين"( ).
ويلاحظ بأن الفقهاء القانونيين يعرفون الدولة بصورة عامة بأنها "مجموعة من الأفراد، يقيمون بصفة دائمة في إقليم معين، تسيطر عليهم هيئة حاكمة ذات سيادة، أو أنها عبارة عن مجموعة دائمة ومستقلة من الأفراد يملكون إقليماً معيناً، وتربطهم رابطة سياسية مصدرها الاشتراك في الخضوع لسلطة مركزية تكفل لكل فرد منهم التمتع بحريته ومباشرة حقوقه وقال بعضهم أن الدولة يجب أن تكون مستقلة وذات سيادة حتى يُعتَرف بها كدولة"( ). والفقهاء القانونيون يركزون على ذكر عناصر الدولة الحديثة وفقاً لمعايير قانونية ودستورية حديثة.
      تعريف الدولة في القواميس السياسية والفلسفية
في حين جاء في القواميس السياسية والفلسفية، بأن الدولة مصطلح فلسفي وتاريخي يدل على كيان تاريخي كما يدل على فكرة فلسفية أي صورة دائمة للجماعات الإنسانية، فالدولة تقتضي علاقات ثابتة بين جماعة وإقليم معينين( )، وجاء في موسوعة علم السياسة بأن الدولة "هي الكيان السياسي والإطار التنظيمي الواسع لوحدة المجتمع والناظم لحياته الجماعية وموضع السيادة فيه، بحيث تعلو إرادة الدولة فوق كل الإرادات الأخرى الفرعية ضمنها"( ). ومن التعريفات البارزة والمتميزة عن التعاريف الفقهية السابقة تعريف (العميد دوجي)• (Duguit)، حيث يقول بأن "الدولة هي كل تنظيم للجماعة السياسية القديم منها والحديث، المتأخر والمتمدن، أي أن كل مجتمع سياسي أياً كانت صورته يسمى الدولة، وعلى ذلك فإن الدولة توجد حيث تقوم جماعة معينة بالتفرقة بين الحكام والمحكومين وما يترتب على ذلك من نشأة سلطة حاكمة تحكم هذه الجماعة"( ). ولا يتفق معظم الباحثين وعلماء السياسة والفقهاء على هذا التعريف، لأنه لا يميز بين الدولة كنمط حديث للسلطة السياسية والنظام السياسي وبين باقي الأشكال والأنماط الأخرى للتنظيمات السياسية والاجتماعية والسلطة السياسية، لأنه يقتصر فقط على عنصر وجود الحكام والمحكومين من العناصر الضرورية لوجود الدولة، مثل وجود أرض وشعب وسيادة. ونرى من فقهاء العرب (منذر الشاوي) يؤيد هذا التعريف للدولة، حيث يعرفها بأنها، "تمثل الإطار الذي تمارس في حدوده السلطة، أي سلطة الدولة، على أشخاص مقيمين فيه دون استثناء"( )، وهو أيضاً يركز فقط على وجود الحكام والمحكومين كشرط لوجود الدولة*.