الطلاق عن العرب في الجاهلية

الطلاق  عن العرب في الجاهلية
وكان العرب في الجاهلية يطلّقون نساءهم ثلاثاً على التّفرقة ( )، أو على الخلع، أي تخلع منه بمال، فإذا طُلّقَتِ المرأةُ، أو مات زوجُها كان عليها أن تقضي عدة حوْلٍ لا تتزوج خلاله، حتى يتضح إذا ما كانت قد حملت من زوجها ، أو لم تحمل ،حفاظاً على الأنساب. وقد أبطل الإسلام ذلك، فجعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً ( ).
أسباب الطلاق عند العرب  :
ا- الفقر :
فأبو قردودةَ الطائي ضاقتْ زوجُه بفقرة ، وسألته الطّلاق والفراق، وطلبتْ إليه أن يشدّ الرحال إلى أبي قابوس الملك، لعله يصيب عنده غنى وثروة، ثم أخذت تَعرض مفاتنها ليزداد بها تعلقاً، وليستجيب لمطلبها، فقال مصوراً ذلك :( )

كبيشة عرسي تمَنّى الطلاقا     وقامت تريك غداة الرحيل            ومنْسـدلا ً لمثاني الحبال            وعذبَ  المذاقة كالأقحوان            تسائلني طلتـي  هل لقيت           .         وتسألنـي بعد هدء فراقاً        كشحاً لطيفاً وفخذا وساقا        توسعـه  زنبقاً أو خلاقا        جـاد عليه الربيع البراقا       قابوس فيما أتيت العراقا        .

وكان تحت زيد بن عمرو بن نُفيل امرأتان ، فقد سألتاه الطلاق لفقره، فقال مصوراً فقره ، وطالباً من امرأتيه أن تتأنيا لعله يكثر ماله ( ):
أن عرسـي تنطقان  لي اللوْ  م على عمدٍ قول زورٍ وهُجرْ
سألتاني  الطلاق إذ رأتانـي قـلّ  مالي قد جئتماني بنكر
فلعلي أن  يكثر المال عندي   ويخلـى منْ المغارم ظهري
        ويرى أعبـدٌ لنـا  وإمـاءٌ       ومناصيـف من ولائد عشرِ

2- الفقر وكبر السنّ :
فهذا عبيدُ بن الأبرص يعاتب زوجه، بسبب جفائها ، ويطلب إليها أن تكون أكثر حياءً ووفاءً لزوجها ، وأن تترك لوم العاذلين، يقول ( ):
تلك عِرْسي تروم قِدْماً زِيالي         ألبْيـنٍ تريــدُ  أم لــدلالِ
فاتركي مَطّ حاجبْيكِ وعيشي           مَعَنا بالرجــاء والتأمــالِ
أو يكنْ طِبُّك الزّياَلَ فان الـ   بَيْنَ أن تعطفي صُدوْرَ الجِمالِ
        زعمت أني كبـرتُ وأنـي       قَلّ مالي وضَنّ عني الموالي
       وصحا باطلي وأصبحتُ كهلاً          لا يؤاتـي أمثالهــاَ أمثالي

3- تطاول الزوجة على أقارب زوجها :
فقد طلقّ دريد بنُ الصمّة زوجَهُ ، لأنها لامْته على جزعه على أخيه عبد الله ، وصغّرتْ شأنه وشتمتْهُ فقال ( ) :
أعبدَ الله إنْ سَبّتـك عِرْسي   تقدّم بعضُ لحمي قبلَ لحمي
إذا عِرسُ امرئ شتمتْ أخاه            فلـيس فؤادُ شانئـه بحمض
معاذَ الله أن يشتمْنَ رَهْطي    وأنْ يملكنْ إبرامي ونقضي

4- الزواج البائس :
وفي أبيات لعباءَ بن أرقمَ نرى صورة لحياة زوجية لم تكن سعيدة إذ يقول( ) :
ألا تلكُما عِرسي تصدّ بوجهها     فيوماً  توافينا  بوجـهٍ مقسـمٍ     ويوما ً تريد مالَنا  مـع مالها     نبيتُ كأنا فـي خصومٍ عرامةً    فقلتُ لهــا إنْ لا تناهيْ فإنني   .       وتـزعمُ في جاراتها أنّ من ظلمْ     كأنْ ظبيةٌ تعطو إلى ناضر السَّلمْ     فـانْ لـم  نُنِلها لم تُنمنا ولم تنمْ       وتسمع  جـاراتي  التأليَ والقَسَمْ     أخو النكر حتى تقرعي السنَّ من نَدَمْ .
فزوجه متقلبة في معاملتها له ، فيوماً تقبل عليه بوجه باسم وجبين مشرق، ويوماً تأتي عابسة الوجه، مشتطة في طلباتها المالية ، فان لم يعطها ما تطلب انقلبت إلى ثورة وهياج وصراخ وعراك، فَتُطير النومَ عنه وعنها، ويملأ ضجيجها بيوت الجارات، فحذرها في صرامة بأنها إن لم تنته عمّا هي فيه فسوف تندم ندامة لا تفارقها .
أما جران العَودْ فقد كان تحته ضرتان ، فلنستمع إلى ما لقيه منهما ( ) :
        لقد كان لي عن ضرّتين عدمننـي وعمّا ألاقي منهما متــزحزحُ
        هي الغولُ والسّعلاُة حلقي  منهمـا      مُخدّشُ ما بين التراقـي مجرّحُ
        إذا ما انتصينـا فانتزعتُ  خمارها      بدا كاهلٌ منها ورأس  صمحمحُ
        تداورنـي في البيت حتـى تكبّني وعيني من نحو الهـراوة  تلمح
        وقـد علّمتني الوقـذَ ثـم  تجرني      إلى المـاء مغشيـا  عليّ أرنّحُ
        خذا نصفَ مالي واتركا  لي نصفَهُ      وبينـا  بـذمّ فالتعـزّب أروحُ
        ألاقي الخنا والبَرْح  من أمّ حـازمٍ      وما  كنتُ ألقى من رزينةَ أبرحُ
        تصبرّ عينيها  وتعصـبُ رأسهـا وتغدو غُدوّ الذئبِ والبومُ يضبحُ
        تريْ رأسها في كلّ مبدي  ومحضر     شعاليل لم يمشط ولا هو يُسْرَحُ
        وان سرحته  كان مثـل  عقـارب      تشول بأذنابٍ قصـار وترمـحُ
        لها مثل  أظفار  العُقـاب  ومنسِـمٌ      أزحُّ كظنبوب النعامة  ترشـح
        ولمـا التقينـا غـدوةً طال  بيننـا     سبابُ وقذفٌ بالحجارة مطـرحُ
        أُجلّي إليهـا من  بعيـد  وأتقــي      حجارتهـا حقـّا  ولا  أتمـزّحُ
        أتانا ابن رَوْقٍ يبتغي  اللّهو عندنـا      فكان ابنُ رَوْقٍ بين  ثويَبْة يسلحُ
        وانقذني منها ابن رَوْقٍ وصوتُهــا      كصوتِ علاة القيْنِ صلب صميـدحُ

فهو يصف في هذه القصيدة ما كان يلقاه في زواجه منْ متاعبَ، وبخاصة إذ تزوج امرأة ثانية، بعد أن أُغرم بجمالها، ودفع لأهلها مهراً كبيراً، وتبين له أنه قد خُدع في أمرها، بعد أن ظهرت على حقيقتها دون تبّرج. ثم يشرح أحاسيسه مع زوجته ، وما قاساه من الضّرب حتى الإغماء، ومن الشتائم تلقى عليه كلّ صباح، حتى انه فضّل أن يطلقهما ، ولو أخذا نصف ماله ، فالبقاءُ دون زواج أروحُ على النفس.