النزعة لقومية الكردية والنظرة إلى الآخر

النزعة لقومية الكردية والنظرة إلى الآخر

يقول (بةختيار عةلى) إن النزعة القومية الكردية تواجه نوعين من التحديات في بناء هويتها القومية، و يتمثل الأول في الهويات الفرعية ما دون القومية مثل القبائلية والمناطقية والفئوية وما قبل القومية. و الثاني هو الهويات الأخرى المقابلة للهوية القومية مثل القوميات العربية والتركية والفارسية أو الإسلامية أو الوطنية العراقية و الوطنية الإيرانية والتركية([1]). لذلك لم يحقق الكُرد بناء هويتهم القومية بصورة تامة وكاملة سواء على المستوى الذاتي والداخلي أو على المستوى الخارجي مع الآخر. ويشير (مارتن فان برونسن) إلى أنه إذا توخينا الحذر والوضوح والبساطة، فثمة وسط الكُرد (كما في وسط أية مجموعة اثنية أخرى) كتلة أساسية تنتمي انتماء اثنيا جازما لا مراء فيه إلى الكردية، وأن هذه الكتلة الأساسية محاطة بفئات طرفية يتميز انتمائها إلى الكردية بالتارجح والغموض، حيث لا تعد الهوية الكردية سوى واحدة من خيارات عدة للانتماء. غير أن هذا التعريف بالغ التبسيط  لأن النظرة المدققة تبين أن تعيين الكتلة الأساسية ليس خلواً من اللبس تماماً، فكل فرد من أفراد الكتلة الأساسية يمتلك، شأن المنتمي إلى الفئات الطرفية من (الكُرد المحتملين)، عدداً من الهويات المتضاربة التي يمتلك بعضها قوة جذب اكبر من الولاء للهوية الكردية. فهذا الكردي قد ينتمي إلى قرية أو لهجة معينة أو طائفية دينية، ونجد وسط الكتلة الأساسية أيضا وفرة من التنوعات الثقافية التي تجعل من تحديد تخوم هذه الكتلة عينها، على أساس بعض السمات الثقافية المشتركة ضربا من المحال([2]).
وإذا عدنا إلى بدايات ظهور النزعة القومية الكردية والفكر القومي الكردي، نرى هذه الازدواجية والتضارب داخل الاكراد في ولائهم وانتمائهم القومي بوضوح حتى على مستوى مثقفين والسياسيين البارزين. ويقول (ديفيد مكدول) إن مسألة الهوية القومية باتت مشكلة حتى بين الأكراد أنفسهم، إذ لم يشعر كل كردي بالطبع باغراء الهوية الكردية، بينما أصبح البعض مثل الآن تماماً، يتعاطف بكل صدق مع الأيديولوجية الرسمية ويتبني الهوية التركية للنخبة الحاكمة التي بدأت بالظهور وهناك بعض الامثلة الصارخة على ذلك، فقد كان اسماعيل حقي بابان، الذي يشك في كرديته، ذا نفوذ قوي في الحلقات الداخلية للجنة الاتحاد  والترقي، وكان مصمما على الارتقاء بالهوية التركية، وهناك كرديان آخران أيضا يعتبران رائدين للهوية التركية، الأول هو سليمان نظيف وهو سياسي وإداري وصحافي بارز خدم كوالي للموصل وقام بعمل قوي ضد البارزانيين واعتباراً من 1915 عمل كوالي فعلي لبغداد، أما الآخر فقد كان ضياء (غوك الب) الذي لعب دوراً رئيسيا في وضع الأسس الأيديولوجية للقومية التركية، ورغم كونه كرديا فقد تربى على استشراف المدنية العثمانية وعلى ازدراء طبيعي للثقافة الكردية الريفية، وكانت مساهمته الفكرية في الهوية القومية التركية من الأهمية بحيث إنه بعد مماته في 1924، خلفت أفكاره حركة فكرية وفرت الالهام اللازم من أجل تغيير العقلية الشعبية من الأمبراطورية إلى الأمة ومن الدين إلى العلمانية ومن الشرق إلى الغرب. ولكن بقي العديد من الأعيان المدنيين الكُرد الذين أرادوا تكييف دعمهم لحركة الاتحاديين مع هويتهم القومية وقد شكلوا عدة جمعيات أبرزها (تعالى وترقي كردستان)([3]).

ويسعى (بةختيار عةلى) إلى تفسير الأسباب الرئيسية لفشل الكُرد في بناء هويتهم القومية، ويصل إلى رأي مفاده أنه بالرغم من تأثير العوامل الخارجية المتمثلة بالظروف الدولية والاقليمية المحيطة بالكرد، فان هناك العوامل الذاتية والجوهرية المتمثلة في عدم قدرة الكُرد على خلق هوية قومية قائمة على التجانس والاندماج القومي الداخلي والتمايز الواضح عن الآخر الخارجي، لأن قوة القومية تكمن في قدرتها على تحقيق الاندماج في الداخل وصهر وتوحيد المكونات المختلفة للأمة في بوتقة قومية واحدة وموحدة([4]). وهذا يعني قدرة الأمة على خلق التشابه والتوحد والتجانس في الداخل وخلق التمايز والاختلاف مقابل الآخر، واضافت الحداثة والعصرنة السياسيتين تحديا وعائقا آخراً أمام بناء الهوية القومية الكردية على المستوى الذاتي والداخلي هو نشوء وبروز ظاهرة التحزب السياسي و تصاعد الانتماء إلى الحزب السياسي إلى درجة اصبح معها للانتماء إلى الحزب الأولوية على الانتماء إلى الأمة أو القومية، وحتى الأحزاب الأكثر قومية لم تستطع أن تتجاوز هذه الإشكالية لتصبح عائقا أمام الانتماء إلى الأمة الكردية والدفاع عن المصالح القومية قبل الدفاع عن المصالح الحزبية والفئوية الضيقة. وأعادت هذه الاحزاب انتاج أطر ضيقة للانتماء على حساب الهوية القومية الشاملة و الواسعة، وهي الأطر المناطقية وفي بعض الاحيان القبائلية الضيقة، ويشير الكثير من الدراسات والأبحاث إلى الصراع بين الأحزاب السياسية والقومية الكردية وأبرزها الصراع بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني إلى درجة أدت إلى تعميق الهويات الكردية الفرعية بين الـ (سوران) والـ (بادينان) على الرغم من أن سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني تتجاوز بادينان وحدها، ومن ثم فقد تبلور في هاتين الرقعتين ميل لصعود النزعة المحلية والتعامل السلبي إزاء الاخر([5]). ويؤكد (فان بروينسن) أن الانقسامات الداخلية لم تختف وسط الكُرد، ويبدو أن بعض الحدود الاثنية الداخلية برزت بقوة أكبر خلال العقود الماضية. ويبدو أن ثمة زيادة كبرى ليس فقط في وعي الاكراد بكرديتهم؛ بل أيضاً في وعي الجماعات الفرعية داخل الكُرد لنفسها كجماعات فرعية، ولكن التسامح إزاء التعددية قد نما أيضاً نمواً ملحوظاً وسط المجتمع الكردي. وهناك تزايد جلي في الوعي وسط الأكراد بأن مجتمعهم يمثل موزاييكا تعترف معظم مكوناته بالانتماء إلى الكل وأن كانت بعض تلك المكونات لا تعترف بذلك بقوة، وان الحدود الفاصلة قد تتغير، لكن المجتمع سيظل على الدوام موزاييكا([6]).
و تتجسد نظرة الكُرد إلى الآخرين بوضوح في الخطاب القومي الكردي، يقول (عباس ولي) لقد اتخذت التنظيمات السياسية الكردية المنتشرة في كردستان المقسمة منذ عام 1918، أشكالا متباينة، وعملت من أجل أهداف مختلفة، ولكن التصدي لانكار الهوية الكردية ومقاومة الهويات القومية المفروضة، يبقيان السبب الأساسي للثورات الكردية، ويحدد ديالكتيك الانكار والمقاومة الشكل السياسي للقومية الكردية وطابعها، فان النزعة القومية الكردية بالأساس هي سياسة توكيد الهوية القومية الكردية، التي هي نتاج الحداثة، ولكنها نتاج شكل خاص من الحداثة يرتبط ارتباطاً وثيقاً ومحدداً بمؤسسة الدولة القومية الحديثة([7])، وتكمن جذورها في العمليات والممارسات السياسية والثقافية لبناء الدولة القومية الحديثة والهوية القومية في مجتمعات تركيا وإيران والعراق سوريا المتعددة اثنيا وثقافيا خلال الفترة الواقعة بين الحربين. وكان إنكار إثنية الكُرد وهويتهم القومية الشرط اللازم لهذه العمليات في المجتمعات المذكورة، ولكن الدول القومية الناشئة في هذه البلدان والخطابات القومية الرسمية التي صنعت لشرعنة حكمها السلطوي وثقافتها السياسية المتسلطة، كانت تتفاوت تفاوتاً كبيرا في الشكل والطابع، واختطت الدينامية البنوية لهذه الخطابات مسارات متباينة لتحقيق التحديث والتنمية بتأثيرات مختلفة في العمليات السياسية والثقافية العامة على مستوى انكار الهوية الكردية واستعبادها في الأراضي الإقليمية لكل من الدول ذات العلاقة، وحملت الهوية القومية الكردية ميسم هذا التنوع السياسي والثقافي لـ (الآخر) فكانت هوية قومية متشظية منذ نشوئها([8]). وهكذا تصادمت القومية الكردية مع كل من القومية العربية في العراق و سوريا، والقومية الإيرانية أو الفارسية في الإيران، والقومية التركية في تركيا([9]).

والآخر في ذهنية القومي الكردي هو إما التركي أو الفارسي أو العربي، وانعكس ذلك بصورة واضحة في الخطاب السياسي القومي الكردي بالاضافة إلى الخطاب الادبي والثقافي الكردي، ويمكن أن نتلمس ذلك بوضوح وبصراحة فعلى سبيل المثال في دراسة أدبية للكاتب(عطا قرداغي) يبحث عن محاولات أدباء الكُرد في نتاجاتهم الأدبية لتحديد هوية أمتهم القومية، حيث يعالج تجربة (13) شاعر كردي معاصر في كردستان العراق، وتحديد الآخر بالنسبة لهؤلاء دائماً وفي كل الحالات هو إما (العرب) أو (الفرس) أو (الترك) بصورة عامة، وفي العراق بصورة خاصة كان الآخر بالنسبة للكرد هو (العرب)، وهذا واضح وجلي في شعر الشاعر (كريم دةشتى) المعنون (راهيبةكانى وةهم- رهبان الوهم) حيث يشير إلى الآخر العربي المسلم عبر التاريخ ودوره السلبي في سعيه للقضاء على الأمة الكردية وقتله واحتلال أرضه وخاصة في عمليات الفتح الإسلامي عبر التأريخ وعمليات الأنفال والأبادة الجماعة في التاريخ الحديث، وهنا يربط الشاعر الحاضر القومي بماض سحيق، وهذه إعادة صياغة لمدلول الأحداث التاريخية القديمة وفق معايير معاصرة. ويشير الشاعر إلى الآخر العربي في صورة مقاتل (فارس) قاسي القلب يحمل سيفه الدامي ولا يتعب من التدمير والقتل والابادة حتى يصل إلى الأنفال ويعطي صورة سلبية جدا للعرب ودورهم في التاريخ لأنهم حسب رأيه سبب تدمير وتخلف كردستان والقضاء على أحلام الكُرد القومية([10]). وينتقد (ريَبوار سيوةيلى) هذا التوجه في مقالة له يبحث فيها عن دور الآخر في تحديد الذات والهوية القومية، وعندما يصبح الأخر في الذهنية عدواً ازلياً وغير قابل للمصالحة معه، فهذا تحول نحو الفاشية، ويؤكد أن الفاشية كامنة دائماً في النظرة العدائية للآخر([11]).
      إن الآخر يتنوع ويتعدد بالنسبة لأية جماعة بشرية، ولكن هذا التعدد والتنوع للآخر بالنسبة للكرد له دور فعال ومؤثر في تحديد طبيعة تكوين الهوية القومية الكردية بشكل فريد. يقول (عباس ولي)، إن تنوع (الآخر) هذا لا يحدد تشظي الهوية القومية الكردية فحسب، بل يحدد طابعها فوق القومي أيضا. إن ديالكتيك الانكار والمقاومة يضفي طابعاً قومياً بصفة خاصة على القومية الكردية التي يمكن لو توفرت ظروف اقليمية مواتية أن تتجاوز التشظي السياسي والثقافي للهوية الكردية. ولكن هذا لم يكن أكثر من إمكانية نظرية. وسيكون من الزلات النظرية الخطيرة أن تعزى الخصوصية السياسية للقومية الكردية إلى الظروف الداخلية للمجتمعات الكردية فقط، صحيح أن ثقل القوى والعلاقات السياسية والثقافية ما قبل الحديثة والمعادية للحداثة، واستمرار هذه القوى و العلاقات في المجتمعات الكردية، يفسران الطابع المتشظي للهوية القومية الكردية ولكنهما لا يفسرانه إلا جزئياً، ونظرة سريعة إلى الكتابات النظرية حول سياسة الهوية ستذكرنا بأن الهوية، سواء أكانت قومية أو غير ذلك، تفترض مسبقاً، وعلى الدوام، وجود اختلاف، ولا يمكن تصورها من دون هذا الاختلاف. فالهوية هي علاقة الذات والآخر في اختلافهما، وتحمل دائما أثر الآخر الذي لا يني يطاردها، وبذلك لا تكون الهوية ثابتة أو راسخة أبداً لأنها تتغير استجابة للاختلاف (الاختلافات) الذي يحدد هوية الآخر، ودلالة هذه المسألة النظرية واضحة، فالخصوصية القومية الكردية تتحدد في جزء منها أيضا بالعلاقة المتغيرة للهوية الكردية بـ (آخريها)([12]).


القضية الكردية

لقومية الكردية والنظرة إلى الآخر

انشاء عن القضية الكردية

القضية الكردية

مشكلة الاكراد في العراق

مستقبل القضية الكردية

بحث حول المشكلة الكردية بين ايران والعراق وتركيا

قضية الاكراد في تركيا

انشاء عن الاكراد

القضية الكردية في النزعة القومية وانعكاساتها





([1]) بةختيار عةلى، سةدةى ناسيوناليزم، م. س. ذ، ص133.
([2]) مارتن فان برونسن، الاكراد وبناء الأمة، ترجمة: فالح عبدالجبار، ط1، معهد الدراسات الاستراتيجية، بغداد، بيروت، 2006، ص40.
([3]) ديفيد ماكدول، تاريخ الاكراد الحديث، م. س. ذ، ص 160، 161.
([4]) بةختيار عةلى، سةدةى ناسيوناليزم، م. س. ذ، ص157.
([5]) مارتن فان بروينسن، الاكراد وبناء الأمة، م. س. ذ، ص41، بالرغم من ان هذا الصراع قد خفت كثيرا بعد (9/4/2003)، نتيجة لبروز الآخر الغربي(حسب رأي القوميين الكُرد) كخطر يهدد مصيرالكرد، لأن الخطر الخارجي كثيرا ما يؤدي إلى التوحد الداخلي.
([6]) مارتن فان برونيسن، المصدر السابق، ص54.
([7]) عباس ولي واخروهم: هوية متشظية وسياسة متشظية، فالح عبدالجبار، هشام داود، الانثية الدول، م. س. ذ، ص79.
([8]) المصدر السابق، ص84.
([9]) توماس بوا، تاريخ الاكراد، ترجمة محمد تيسير مير خان، ط1، دار الفكر المعاصر، بيروت- لبنان، 2001، ص197.
([10]) عةتا قةرةداغى، طةرِان بةدواى ناسنامة، ض1، دةزطاى سةردةم، سليَمانى، 2002، ل193.
([11]) ريَبوار سيوةيلى، نةتةوةو حةكايةت، ض1، دةزطاى سثيريز، دهؤك، كُردستان، 2002، ل151الى 156.
([12]) عباس ولي، الكُرد وآخروهم.... م. س. ذ، ص88.