تاريخ كردستان

كــُردســتان الجغرافيا والهوية

       إذا كانت الارض تشكل أحد أهم الأركان في تكوين الدولة، فانها تشكل كذلك أحد أهم العناصر الأساسية في تكوين هوية أية أمة إلى جانب العناصر الاخرى مثل (الثقافة واللغة والتاريخ والاصل والارادة والاقتصاد) المشتركة. و يؤكد (صموئيل ب. هنتغتون) على الارتباط الارض (المكان) بالهوية ويقول "ينتمي الناس بقوة إلى الاماكن التي خلقوا وعاشوا فيها، والتي وفقا لظاهرة- الجماعة الصغيرة- تمثل تماثلهم مع بلدهم ككل، فقد يرى الناس بعض المواقع المعينة انها تمثل شخصية الأمة الرمزية والتاريخية والثقافية وعلى نحو أكثر اتساعاً قد ينتمون إلى خصائص الارض العامة الجغرافية والطبيعية التي يسكنونها"( ). لذلك نرى من الضروري البحث حول الارض وجغرافية كردستان بأعتبارها عنصرا اساسيا في تكوين الهوية القومية الكردية. كما يرى البعض بأن " كُردستان هو الاسم الأحب إلى قلب الكُرد حيث يحرك آمالهم القومية، ويجعلهم يشعرون على الدوام بأن لهم وطنا قوميا خاصا بهم وأن هذا الوطن القومي ذو معالم جغرافية واقليمية متميزة وله حدود معلومة"( ). و يقول (ابراهيم محمود) حول جغرافية كُردستان، ما أن تلفظ اسم (كُردستان) حتى يهتز التاريخ، ويرتج فـ(كردستان) ملحمة جغرافية، يعرفها التاريخ جيداً، ولا يعترف بها، كونه لم يدون الا لتمزيق هذه الجغرافيا، وتفتيتها. هذه الجغرافية المكانية الموغلة في القدم، لم تزل، كما كانت، شاهدة على ماضٍ عريق لا يمكن اخفائه، وان كان التاريخ المدون سياسيا، قد حاول، وما يزال يحأول، أن يمارس مثل هذا التعتيم لصالح الغزاة الذين اجتاحوه، وما زالوا يبتغون امتلاكه، كردستان شهيدة التاريخ، وشاهدة على عظمة المكان، لم يمتها الزمان ولم يمحها المكان( ).
وحول اسم (كُردستان) أو (كوردستان)، يتفق معظم الباحثين على أنه اسم مركب من (كُرد) أو (كورد) و (ستان)، (الكُرد- الكورد) اسم لشعب و (ستان)، تعني البلاد باللغات الإيرانية مثل (باكستان وافغانستان و هندستان و بلوجستان)( ).
ويعتقد (منذر الموصلي) أن (كوردستان) اصح من (كُردستان)، لغوياً وأن تعبير (كوردستان) إنما يدل في الاصطلاحين، الجغرافي واللغوي، على أرض محدودة لوطن بذاته يملكه شعب معين ويتوطن فيه أو يستوطنه منذ آماد بعيدة فهو وطنه ولا يهم بعد ذلك ما إذا كان هذا الوطن يشكل دولة قومية سياسية أم عدة دول أو أنه موزع أو منقسم إلى اأقاليم تابعة لدول أخرى( ). لقد تم استعمال كلمة (كردستان) كمصطلح جغرافي لأول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي من قبل السلاجقة، فقد فصل السلطان سنجار القسم الغربي من اقليم الجبال ووضعه تحت سلطة قريبه سليمان شاه، و كانت هذه الولاية الجديدة تشتمل على الاراضي الممتدة بين أذربيجان ولورستان، سنة، دياناوار، همدان كرمانشاه، بالاضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاكروس كشهرزور وكوى سنجق( ). وأن أول مؤرخ ذكر اسم كردستان هو حمد الله ابن المستوفي القزويني في القرن الرابع عشر في كتابه نزهة القلوب عام (740هـ)( ).
وجاء في الموقع الالكتروني الرسمي لحكومة إقليم كُردستان العراق حول تعريف كُردستان وتحديد مساحته، بأن "كُردستان تعني أرض الكُرد وهي المنطقة الجغرافية التي يقيم فيها الكُرد في الشرق الاوسط، و المنطقة موزعة على مجموعة دول هي العراق، إيران، سوريا، أرمينيا، جورجيا و تركيا، ومن الصعب تحديد المنطقة الجغرافية لكُردستان لعدم اعتراف الدول آنفة الذكر بهذا الكيان، وتم تقسيم كُردستان على هذه الدول قسراً في اتفاقية لوزان المبرمة بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى"( ). اما تحديد حدود كُردستان فأنه ليس بالامر السهل، لانه إذا كان تحديد حدود أقاليم دول معترف بها قانونيا وسياسيا في المجتمع الدولي وذات سيادة من الامور ذات الإشكالية و موضوع جدل فكيف ستكون الحال مع حدود الاقليم الجغرافي لكُردستان المنقسمة والموزعة بين عدة دول وفي منطقة ذات مشاكل عديدة؟ فلا شك إذن سيكون من الصعب تحديد حدود كُردستان، كما يؤكد على ذلك (حكومة إقليم كُردستان العراق) في الموقع الالكتروني الرسمي، حيث جاء فيها حول مساحة وحدود اقليم كُردستان، وتشكل كُردستان في مجموعها ما يقارب مساحة العراق الحديث، أما تحديد مساحتها وترسيم حدودها فليس بالعمل السهل وذلك لاسباب متعددة ومنها:-
1.    تقسيم كُردستان من قبل الدول الاستعمارية الكبرى خاصة (بريطانيا وفرنسا) في اعقاب الحرب العالمية الأولى والتغييرات الحدودية التي قامت بها تلك الدول.
2.    عدم وجود احصائية حقيقية ومحايدة للمناطق التي يسكن فيها الشعب الكُردي والممارسات العنصرية التي كانت ولا تزال تمارس ضد أبناء شعب الكُردي من قبل الأنظمة الحاكمة والمسيطرة على كُردستان، ولكن بالرغم من كل ذلك يمكن تحديد حدود كُردستان بأنها تمتد من جبال أرارات في الشمال إلى سلسلة جبال زاكروس في الجنوب ومن جبال زاكروس أيضا في الشرق إلى (اسكندرونة) على ساحل البحر الابيض المتوسط وتقدر مساحة كُردستان بأكثر من (500000كم2) وتقع أكثر أراضيها في كُردستان تركيا ثم في إيران ثم في العراق ثم في سوريا تم في إذربيجان( ).

ولكن إذا كان هذا هي رأي حكومة اقليم كُردستان العراق حول حدود ومساحة كُردستان، فإن للباحثين والاكاديميين آراء مختلفة ومتعددة حول هذه الامور كما يشير إلى ذلك  (ديفيد مكدول) ويقول بأن مسألة الاعتراف بالأرض تشكل أحد المسائل الأساسية فيما يتعلق بقضية الهوية الكردية، ففي حين تميل دول المنطقة إلى إنكار وجود كردستان، فإنها موجودة ضمن حدود منطقة معروفة تماماً في أذهان كافة الجماعات الكردية السياسية، وهناك تفسيرات عملية وأخرى أسطورية لحدود كردستان السياسية( ). وفي رأي (منذر الموصلي) أن هناك فرق بين كُردستان الوطن التأريخي أو كُردستان الاصلية والحقيقية وبين كُردستان المتخيلة في التصورات العاطفية للاكراد، ويقول: " يبقى أن كُردستان هذه التي ندرسها ونعرف بها أو عنها في هذا الكتاب، تختلف عن كُردستان التي تزدحم بها تصورات غلاة الاكراد المعاصرين بالنسبة إلى مساحتها وحدودها، فهذه الحدود تتعرض عندهم لتبدلات عديدة لأنها تتسع بلا ضوابط صحيحة وبشكل نظرى (خرائطي) غير معتمد علمياً أو واقعياً وتأريخيا، فقد يحلو لباحث كردي أو قائد حركة سياسية أن يضع حدوداً لكُردستان على هواه وعاطفته، فتراه يدخل فيها ويجعل ضمن حدودها مدناً وبقاعاً هي جزء لا يتجزء من وطن آخر"( ). ويرفض منذر الموصلي آراء كل من (محمد امين زكي و عبدالرحمن قاسملو) والعديد من السياسيين والباحثين الكُرد الآخرين حول حدود ومساحة كُردستان ويؤكد على أن هؤلاء يمدون حدود كُردستان متتجاوزين على حدود الوطن العربي، ويؤكد على أن إدعاءات هؤلاء غير صحيحة، لان كُردستان التي يبغيها هؤلاء ليست بلاداً واحدة كما يدعون لا بسكانها ولا بعاداتها ولا بتاريخها ولغتها، وينصرف ذلك إلى الماضي والى الحاضر معاً، ولأنها بهذا الاتساع والشمول فهي ليست كُردية خالصة ولم تكن كذلك في يوم من الايام. بل أنها بوضعها الذي حدده هؤلاء، تكون كردية، عربية، أرمنية، تركمانية، تركية، وإيرانية تضم هذه الشعوب مجتمعة، لذلك حسب ما يذهب اليه (منذر الموصلي) فهناك كُردستان التاريخية أو كُردستان المركزية أي الاصلية حيث تواجد الاكراد فيها ولكن وجودهم امتد إلى خارجها عن طريق عمليات نزوح وزحوف مستمرة حيث تؤكد الحقائق التاريخية حسب رأي (الموصلي) بأن بلاد الاكراد لم تكن تتعدى حدود (حكاري - هكاري) التي منها انطلقوا إلى المناطق المجاورة، وبذلك توسعت رقعة سكنى الاكراد عدة اضعاف كردستان الاصلية، ولهذا ليست كل بقعة أرض يسكنها الكُرد هي كردية بالاصل أو جزء من كُردستان التاريخية والحقيقية. لذلك يرفض المعنى الشائع لكلمة كُردستان بأنها الأراضي التي سكنها الاكراد. وبالنهاية يلجأ (منذر الموصلي) ببساطة إلى نظرية الموآمرة لتفسير الاسباب التي تؤدي بالباحثين والقوميين والسياسيين الكُرد للتجاوز على أوطان الشعوب المجاورة في تمديدهم حدود كُردستان لاراضي العرب والفرس والترك. حيث يؤكد على تبعية هؤلاء للامبريالية العالمية والقصد وراءها هي الاستيلاء على أراضي تحتوي النفط ولذلك يسمى كُردستان المتخيلة في تصورات العاطفية للاكراد بـ (كردستان النفطية) ( ).
وهناك آراء مماثلة لدى بعض الباحثين العرب ومن أبرزهم (سليم مطر)و (محمود الدرة). يقول (سليم مطر) بأن الذي يستحق الانتباه في تاريخ (كردستان) أن مساحتها الجغرافية تتوسع مع مر القرون، وهذا يدل على توسع الهجرة الكردية إلى مناطق جديدة كانت مقطونة بشعوب أخرى، وبالتالي تضاعفت مساحة كُردستان عدة مرات على حساب مجالات سكنى مناطق لم تكن كردية خلال حقب التاريخ السابقة ومقطونة بشعوب أخرى مثل اللور وبختيار والأرمن والسريان والعرب، ويتهم (سليم مطر) الاكراد بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الأرمن والسريان وتكريد مناطق غير كردية وتغيير ديموغرافية عدة مدن معروفة ويذكر (أربيل وديار بكر وكركوك... الخ) ويلجأ (سليم مطر) أيضاً إلى اتهام الكُرد بأنهم وقعوا تحت التأثير الصهيوني والامبريالي الغربي في تضخيم مآسيهم وفي صناعة الهولوكوسست وتوسيع رقعتهم الجغرافية( ). ويقول " إن هنالك حملة تشترك بها الصحف والفضائيات الكردية المدعومة بمراكز عالمية ودول مختلفة المصالح، اتفقت على تضخيم الطروحات والمشاريع الكردية من أجل التحضير لمخططات مستقبلية لمنطقة الشرق الاوسط، ويبدو أن هذه المؤسسات تتبع نفس الطريقة اليهودية المعروفة: تضخيم صورة الضحية لدى الاكراد"( ). ويؤكد (سليم مطر) على العلاقة بين الموساد والاسرائيلي والحركة القومية الكردية وهذا من أسهل الوسائل لتشويه تاريخ حركة قومية وطروحاتها في منطقة الشرق الاوسط والتحريض ضدها.
ولـ(محمود الدرة) آراء مماثلة حول تاريخ الكُرد وجغرافية كُردستان ودور الصهيونية والامبريالية العالمية في التحريض وإثارة المسألة الكردية واختلاق الاعذار والمبررات لهذه الحركة وطروحاتها القومية كي تتجاوز على حقوق وأوطان الآخرين من العرب والترك والفرس في المنطقة، ويقول (محمود الدرة) بهذا الصدد "كانت المنطقة الكردية وهي تخلع عنها رداء جهل القرون الطويلة والتخلف، وتسير قدماً في المضمار الحضاري إلى جانب القومية قد حملت راية إنسانية مثلى، تبشر بها وتضحي من أجلها، ليست دخيلة ولا غاصبة لا تتحزب ولا تتعصب، توفر الرخاء لها و لشركائها بالعدل، ويطمع الكردي العراقي المتعصب أن يتخذ من وطننا العربي قاعدة لا للتبشير بقوميته الكردية وخلق الوعي القومي بين مواطنيه وحسب، وانما يريد تحرير مواطنيه في تركيا وإيران بقوة السلاح"( ).
وفي حديثه حول إشكالية تثبيت الحدود العراقية ومسألة ولاية الموصل يؤكد (محمود الدرة) على أن الاكراد تجاوزوا حدود موطنهم الاصلي وتوسعت كُردستان نتيجة الهجرات الكردية المتتالية ونزحت من الجبال نحو السهول واستوطنوا في أاراضي الشعوب الأخرى( ).
وبالعودة إلى آراء بعض الكُرد حول كُردستان وتحديد حدودها فأنها بالتأكيد تختلف كثيراً عما قاله الباحثون العرب السابقون، فعلى سبيل المثال يقول (جواد ملا) حول كردستان أنها الوطن القومي للشعب الكردي منذ فجر التاريخ، وهي تحتل مساحة كبيرة من اليابسة في الشرق الاوسط، ويمكن تحديد موقع كردستان ومساحتها بالاستناد إلى أمرين:
أولا- تواجد الشعب الكردي حالياً
ثانيا- ما قاله المستشرقون والمؤرخون عن تواجد الشعب الكردي عبر التاريخ( )، ويمثل هذان المعياران الاساس لدى (جواد ملا) في تحديده حدود كردستان.
وبالاستناد إلى هذين الامرين تمتد كردستان من جهة الشرق اعتباراً من الخليج العربي وحتى بحر قزوين شاملةً اللور والبختيار في أقصى الجنوب يليهم شمالا ايلام و كرمنشاه وهمدان حيث كانت عاصمة الإمبراطورية الميدية الكردية في القرن السابع قبل الميلاد، ويتجه خط حدود كردستان شمالاً من بحر قزوين إلى الغرب باتجاه البحر الاسود ماراً بجبال أرارات (آكرى)، ويمثل الخط المنحني الوهمي الممتد من طرابزون على ساحل البحر الاسود باتجاه أضنة واسكندرون على البحر الابيض المتوسط حدود كردستان الشمالية والغربية. أما الحدود الجنوبية لكردستان فتأخذ شكل زاوية منفرجة أحد ضلعيها يمتد من اسكندرون بخط مستقيم حتى الموصل والضلع الثاني للزاوية يمتد من الموصل وحتى الخليج الفارسي (العربي) ماراً بمندلي وبدورة وزرباطية والكوت جنوب شرقي بغداد، كما اكد على ذلك كل من المستوفي القزويني و ماثيوس الاورخلي فيما بين القرن (11-12) الميلاديين( ).
و يؤيد بعض الكتاب العرب هذه الآراء نسبياً ويحددون حدود كردستان حسب هذين المعيارين، كما يحدد (عبدالرزاق الحسني) حدود كردستان فيقول " يقطن الاكراد مدنا وقرى تبتدئ من الحدود الإيرانية العراقية على خط مستقيم يمتد من جبل حمرين حتى جبل سنجار حتى تتصل بالحدود العراقية السورية"( ). و يقول (فائق السامرائي): "ان كردستان تعني بأوسع معانيها البلاد التي يسكنها الاكراد كمجموعة موحدة متجانسة من الناس، وتنقسم هذه البلاد ما بين العراق وتركيا وإيران مع بعض الامتداد في الاتحاد السوفياتي وسوريا فمن الشمال تسير الحدود بصورة تقريبية خلال بريفان وارضروم واذربيجان أي بقول تدخل ضمنه مرعش حتى حلب، ومن الجنوب الغربي تسير بمحإذاة سفوح التلال حتى نهر دجلة ثم بعد ذلك شرقي هذا النهر إلى الاسفل ومن بعد ذلك يعرج شمالا مع خط جبل حمرين حتى مندلي على الحدود العراقية الإيرانية"( ). وللمستشرقين آراء متباينة ومتعددة حول كردستان، فحسب رأي (باسيلي نيكيتين)، تعني لفظة كردستان بلاد الكُرد، وهي ليست دولة مستقلة يعيش ضمنها شعب متجانس، ولكن أكثرية على الاقل، تنتمي إلى العرق نفسه، وأن الأقاليم أو الولايات التي تحمل اسم كردستان، سواء في إيران أو في تركيا لا تمثل مطلقاً المنطقة الشاسعة التي يعيش فيها الشعب الكردي، ويؤكد (باسيلي نيكيتين)، على أنه إذا أردنا التعرف على البلاد التي يعيش فيها الكُرد، فلا يصح الاستناد إلى الاسم الذي يحمل كلمة كردستان، لأنه اصطلاح يختلف مدلوله من حيث الزمان والشمول، بل يجب البحث عن تحديد آخر ولا يمكننا إيجاده إلا بالرجوع إلى دراسة الجغرافيا الطبيعية لآسيا القديمة مع الأخذ بنظر الاعتبار المبدأ الثابت القائل إن الكُرد قوم جبليون بجبليتهم"( ). ويؤكد أيضاً بأن هذه البلاد التي رغم أنها مقسمة بحدود سياسية، لكنها متجانسة بسبب طابعها الجبلي على اختلافها من حيث طبيعة جبالها والمياه الجوفية الموجودة فيها. وضمن هذا الإطار الطبيعي الذي يضم قمما عالية وسهولاً مرتفعة ومضايق وممرات و ودياناً عميقة متتالية، اتخذ الشعب الكردي منذ بداية تكون موطنه المفضل لديه. فإذا كان المجرى الاعلى لنهر الفرات وحوض بحيرة وان هي المناطق التي استقر فيها الكُرد بصورة مبكرة، إلا أن من الضروري البحث عن موطنهم الاصلي في حقبة تاريخية في الفروع الجنوبية لسلسة جبال طوروس وفي البلاد الجبلية الواقعة على الضفة اليمنى لنهر دجلة (على امتداد أنهار يونان والخابور والزب الاعلى) وإذا ما عدنا أكثر إلى فجر التاريخ وجدنا أن الوطن الأول لهذا الشعب يقع في مكان أبعد من ذلك شرقاً وجنوباً ويقابل هذه المراتب الثلاث لاسلاف الكُرد من حيث الزمان ثلاث مناطق استقروا فيها من حيث المكان وهي الهضبة العليا لارمينيا وكردستان تركيا وجبال إيران الغربية.
       وبإختصار، انتشر الكُرد من الجنوب إلى الشمال في موجة واسعة على رقعة كبيرة تشمل الحدود العراقية الإيرانية ابتداء من مدينة (مندلي) شرقي بغداد، ويشمل فيما بعد الخط الذي يفصل بين إيران وتركيا حتى جبل أرارات و الحواشي الجنوبية للقفقاس (ارمينيا وإذربيجان السوفياتيين). وكان الكُرد يعيشون حتى الحرب العالمية الأولى في الهضاب الارمينية مختلطين مع الارمن، الا ان الخط الموازي لارض روم يعتبر حدهم الشمالي في تركيا. اما جنوبا فقد نزل الكُرد إلى سهول بلاد مابين النهرين. ومن جهة الغرب يمكن تحديد وجودهم بوجه عام بنهر الفرات (وبصورة أوضح نهر قرةسو). الا انهم يمتدون اعمق من ذلك في اسيا الصغرى ويقطنون المنطقة الجنوبية الشرقية من (سيواس) وينتشرون ايضا كمجموعات متفرقة قرب (قونية) و (سيلسي) واصلين تقريباً إلى البحر الابيض المتوسط. ومن جهة الشرق، توجد عناصر متناثرة من الكُرد في خراسان (ابعدهم إلى هناك الشاه عباس الصفوي)، وبالقرب من قزوين واقليم (فارس) وكذلك في مازندران. ويقول (نيكتين)"( )، ويمكننا بوجه عام التاكيد على ان الكُرد والجبل لا ينفصل احدهما عن الاخر، وحينما يبدأ " السهل يخلي الكُرد المكان للعرب أو الترك أو الفرس، وعلى ضفاف بحيرة وان ينسحبون جنوباً امام الأرمن"( ).
       إذا نستنتج من كل هذه الآراء حول تحديد كردستان، بأن كردستان بلاد ذات حدود طبيعية وهي وطن الشعب الكردي رغم عدم وجود حدود سياسية دولية ورغم تقسيمها بين دول العراق وإيران وتركيا وسوريا وارمينيا، وجغرافية كردستان تشكل عنصراً اساسياً من الهوية القومية الكردية، والحركة القومية الكردية مصرة على تحويل الحدود الطبيعية لكردستان إلى حدود سياسية لكيان سياسي مستقل أو شبه مستقلة، وهي تصر على أن كردستان هي بلاد الاكراد وتحدد حدودها حسب تواجد الشعب الكردي بالاضافة إلى الرجوع إلى اقوال بعض المستشرقين وخاصة الذين تكون اقوالهم في صالح الكُرد. وبذلك تساهم إشكالية تحديد حدود كردستان الجغرافية والطبيعية في تعميق إشكالية الهوية القومية الكردية.