آفات اجتماعية عند العرب في العصر الجاهلي

 آفات اجتماعية عند العرب في العصر الجاهلي

العادات السيئة عند العرب في العصر الجاهلي

-    الخمرة :

-    شرب الخمر

وشاعتْ في المجتمع الجاهلي آفات كثيرة، لعل أهمها الخمر، واستباحة النساء والقمار. ويدل استقراء ما بأيدينا من شعر جاهلي على أنهم كانوا وَلوعين بشرب الخمرة، شديدي الإسراف في معاقرتها، وإهلاك المال في شرائها لأنفسهم ورفاقهم.

وإن إلحاح القرآن الكريم ( ) في تحريمها يدلّ على تغلغل هذه الآفة وشيوعها عصرئذ. وقد سَمّوا الخمرة الراح لما يجد شاربها من الارتياح إليها، وقد بلغ من كثرة افتخارهم بهذا السلوك أن قال عنترة ( ):

         وإذا صَحَوْتُ فما أقصّرُ عن ندى وكما علمتِ شمائلي وتكرّمي

         وإذا شربـتُ فإننـي مستهلـكٌ  مالي وعرضي  وافرٌ لم يكلّم

وقال حسانُ بنُ ثابت( ) :

         ونشـربهـا فتتركنـا ملوكـاً    وأُسـداً ما ينهنهنـا اللٌقـاء

وقد أولع بشربها الحضر والبدو على السّواء، واشتهرت الطائفُ منذ عهد بعيد بكرومها حتى أن بيادر الزبيب بها ، كانت وكأنها الجرار، وكان بها حانات كثيرة ، وقد تمادى الثقفيون في شرب الخمرة حتى بعد أن حرّمها الإسلام( ). ومنهم أبو محجن الثقفي الذي اشتهر بها اشتهاراً جعله يوصي صاحبه بأن يدفنه إلى أصْل كرمة، تروّي جذورها عظامه، حتى يستمتع بها حياً وميتاً ، قال:( )

            إذا مِتُّ فادفني إلى جنب كرمةٍ      تروّي عظامي في التّراب عروقُها

            ولا تدفننـي في الفـلاة فإنني       أخاف إذا مـا مـتّ ألا أذوقَهـا

وكان منْ الشباب من يُدمنُ عليها حتى تنفر منه قبيلته على نحو ما يروى عن البراض بن قيس الكناني ، إذ كان سكيراً فاسقاً فخلعه قومه( ).

وطرفةُ أنفق أمواله على الخمر ، ورأته قبيلته إنساناً موبوءاً بوباء نفسي واجتماعي ، فخلعته، أسقطته من عداد فتيانها ، وقال مُصّوراً هذا الموقف:( )

          وما زال  تشرابي الخمورَ ولذّتي            وبيعي وإنفاقـي  طريفي ومُتْلَدي

          إلـى أن ْ تحامتني العشيرة كلُّها             وأفـردْتُ إفـرادَ  البعيِر  المعّبدِ

وظل مستمراً في هذا الاتجاه الخمريّ الماجن، فنراه يقصرُ حياته على ثلاثِ لذائذ، كانت الخمرةُ إحداهُنَّ ، قال : ( )

ولولا ثلاثٌ هُنّ منْ عيشة الفتى        فمنهن سبقـي العاذلاتِ بَشربةٍ         وكرّي إذا نادى المضافُ مُحنّباً         وتقصيرُ يومِ الدّجنِ والدّجنُ مُعجِبٌ     .         وجدّك لم أحفلْ متى قامَ عُودي     كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالماء تُزبدِ     كسيـد الغضا نبهَتهُ المتورّدِ      ببهكنةٍ تحـت الخباءِ المعّمدِ       .

 

وتنتقل هذه الفلسفة لتؤثر في بعض أبناء العصر، فها هو عبيدُ بنُ عبد العزّى السّلامي يعجب بفكر طرفة، ويقصر حياته ايضاً ، على ثلاث لذائذ : ( )

وما العيشُ إلا في ثلاثٍ هي المُنى   صِحابـةُ فتيـانٍ علـى ناعجيةٍ      وكـأس بأيدي الساقيْيِـن روّية      وربة خدر ينفح المسك جيبهـا       .      فَمن نـالها من بَعْدُ لا يتخوّفُ     مناسُمها بالأمَعز المحْل ترعُفُ    يمدان راووقيهما حين تُنـزَفُ    تضوّع رياها به حين تصدف     .

ويطول بنا الحديث عن هذه الآفة، لو أردنا أن نستعرضَ نماذجَ أخرى إلا أن نظرة في المجموعات الشعرية ، كالمفضليات ، تُرينا مدى تغلغل هذه الآفة في حياتهم ( ).

وفي أخبار الأعشى انه لما سمع بالرسول – صلى الله عليه وسلم - رغب في الوفود عليه بالمدينة ومديحه، وعلمت قريشٌ، فتعرّضت له تمنعه، وكان مما قاله له أبو سفيان ( ) : إنه – الرسول- ينهاك عن خلال، كلّها بكَ رافق، ولك موافق،فلما سأله عنها، أجابه : الزنا، والقمار، والخمر، فعدل الأعشى وجهته.

ارتفاع المقاييس الأخلاقية :

ونرى طائفة كبيرة من أبناء ذلك العصر ترتفع مقاييسهم الأخلاقيةُ على مقاييس كثير من أبناء عصرهم، فيحرّمون على أنفسهم الخمرة، وقد أورد ابن حبيب قائمة كبيرة بأسمائهم ( ) ، ويبدو أنهم لم يحرّموا الخمرة محض صدفة، أو لأن دينا وعقيدة أمراهما بذلك، ولكن ربما كان للتجربة سببٌ في ذلك، فقيس بن عاصم قد سكر ذات ليلة، حتى تعتعه السّكْر، فغمز عُكنة ابنته، وَهَمّ بها ، فكادت هذه الحادثةُ تثلم كرامته ، وتذهب بكبريائه  وتجعله سُبّةً مدى الدهر، فلمّا أُخبر بذلك حَرّمها ، وقال ( ) :

رأيتُ الخمَر مُصلحةً وفيها      فـلا والله اشربهـا حياتي      فان الخمر تفضح  شاربيها       إذا رادتْ حميـّاها  تعلّت       .      خِصالٌ تفسد الرّجلَ الكريما      ولا أدعو لهـا أبـدا نديما      وتجنيهم بها الأمر العظيما      طوالع تسفه المرءَ الحليما       .

وعفيفُ بنُ معد يكرب الكنديّ ، يحرم الخمرة تكرماً وصيانةً لنفسه، وسمي عفيفاً لتعففه عن الخمرة قال :( )

وقالتْ لي : هَلُمّ إلى التّصابي وودّعتُ القِـداحَ  وقد أراني     وَحَرّمْتُ الخمورَ علـيّ حتى     .        فقلتُ :عَفَفْتُ عمـا تعلمينا       بها في الدهر مشغوفاً رهينا      أكونَ لقعر ملحـودٍ دفينـا        .

ومنهم عامرُ بنُ الظّرب العدواني ، أحدُ حكماء العرب عصرئذ ، آلى على نفسه ألاّ يشربها ، قال ( ):

إن اشرب الخمر أشربْها للذتها   لولا اللّذاذةُ والفتيان ُ لم أرها    سآلةٌ للفتى ما ليس فـي يـده   مورثة القوم أضغاناً بلا  أحنٍ     .            وإنْ أدعْها فانـي ماقـتٌ قالِ    ولا رأتني إلا من  مدى الغال    ذهّابةٌ بعقـول  القـوم والمال   مُزريةٌ بالفتى ذي النجدة الحال    .

 

وصفوانُ بنُ أميةَ الكناني أقسم على نفسه ألاّ يشربها طيلة حياته، ولا يشفي بها سقيماً ، وذلك حيث يقول : ( )

رأيتُ الخمر صالحةً وفيها     مناقبُ تفسد الرجلَ الكريما

فلا واللِه اشربها   حياتي      ولا أشفـي بها  أبداً سقيما

وارتفعتِ المقاييسُ الأخلاقيةُ عالياً عند الأسلوم اليامي ، فنراه يحرم الخمر والزنا فيقول : ( ) :

سالمتُ قومي بعد  طول مظاظةٍ     والسّلم أبقى في الأمور وأعرفُ

وتركتُ شُربَ الراح  وهي أثيرةٌ    والمومساتِ وتركُ ذلك أشـرفُ

       وعففت عنـه يـا أميـم تكرماً    وكذاك يفعل ذو الحجى المتعفف

 

ويترفع مقيس بن صبابة عن الخمرة وسواها من اللذات ، فيقول ( ) :

رأيتُ الخمرَ طيبة وفيها       خصـالٌ كلّهـا دنس ذميمُ

فلا واللهِ اشربها حيانـي طوال الدهر ما طلع النجومُ

سأتركها وأتركُ ما سواها     من اللذاتِ ما أرسى  يسومُ

 

ويحذّر عبدُ المسيح بنُ عسلة شاربي الخمر، ويبين ما فيها من أذى، فيقول( ) :

والخمرُ ليستْ من أخيك ولـ  ـكنْ قد تخون بآمن الحلْمِ

         وتبيّـنُ الـرأيَ السّفيـه إذا     جعلتْ رياحُ شمولها تنمي

 

ومن الذين هجروا الخمر ، أيضاً، العباسُ بنُ مرداس، وعثمانُ بنُ عفان، وعبدُ الرحمن بنُ عوف، وعثمانُ بنُ مظعونٍ ، وأبو بكر.

وقد روي عن أم المؤمنين عائشةَ أنها قالت:" ما شرب أبو بكر رحمه الله خمراً في جاهلية ولا إسلام" ( ) وقيل للعباس بن مرداس :" لم لا تشرب الخمر، فإنها تزيد في جرأتك ، فقال : ما أنا آخذ جهلي بيدي ، فأدخله في جوفي ، وأصبح سيّد قومي، وأمسي سفيههم" ( ) .

 

 مواضيع ذات صلة


تعريف العصر الجاهلي

بحث عن العصر الجاهلي

الادب في العصر الجاهلي

خصائص العصر الجاهلي

العصر الجاهلي

الحياة الاجتماعية في العصر الجاهلي

الشعر في العصر الجاهلي

تاريخ العصر الجاهلي

ما أبرز مظاهر الحياة الاجتماعية في العصر الجاهلي